Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Ali el-Ferjani

الأربعاء 13 أغسطس 2008

مصالحة وطنية أم تصفية جرائم سياسية

د. عـلي الفرجاني

منذ حوالي خمس سنوات مضت , كنت من أوائل الليبيين الذين طالبوا النظام والمعارضه بمصالحه وطنيه حقيقيه وجاده من اجل مستقبل ليبيا واجيالها القادمه .... وكانت تلك الدعوة سابقة لأوانها وصرخة في واد لم ينالني منها سوي الاحباط والتهكم والتجريح.... وكحال أي شعب متخلف .. نحن نفتقد الي منهجية في التعامل مع مشاكلنا المستعصيه وقد تعودنا علي أن المشاكل العويصه , والتي تنفق عليها الدول المتقدمه مئات الملايين لدراستها وإعداد الخطط المتكامله لحلها, يمكن حلها بخطاب مرتجل أو إجتماع طارئ أو مقابلة منمقة مدفوعة الثمن مع إحدي الفضائيات..... ولعمري إن كان هذا حالنا اليوم بعد أربعين سنة من التيه والتخبط والضياع فقد نحتاج الي مائة سنة أخري حتي نتعرف علي الطريق الصحيح لأقامة دولة دستوريه يحكمها القانون.

وكغيري من عموم الليبيين , إستبشرت خيراً بما طرحه السيد سيف القذافي عن ليبيا الغد وتصوراته الطوباويه عنها , وظننت أن السيد سيف يعبر عن قناعاته الشخصيه لأنه رجل تعلم في الغرب وعرف قيمة حقوق الانسان والحرية والديمقراطيه وحرية التعبير والصحافه... وأنه فعلا يريد أن يصلح ما أفسده نظام والده ونظريته الفريده... ولكنني ما لبثت أن تراجعت عن تفاؤلي واستبشاري عندما صرح السيد سيف أن جميع أفكاره وأطروحاته تمت بتنسيق ومباركة مسبقة من السيد الوالد ... وان الليبيين الذين لا تعجبهم قيادة السيد الوالد ... فليتمتعوا بشرب ماء البحر من الساحل الليبي الجميل.... هذا التصريح , وإن كان عرضياً, إلا أنه يؤكد أن هناك تدبير مبيت لتشكيل تيار جديد داخل منظومة النظام الليبي مرتبط بشخص سيف القذافي ومتمدد داخل المجتمع الليبي في الداخل والخارج ليضم تحت لوائه طوائف من الشباب الليبي المعطل , وبعضٌ من ناشطي حقوق الانسان المدجنين , وبعض المعارضين السابقين , وثلة من التكنوقراط الوطنيين النفعيين..... وأصبح لهذا التيار منابر إعلاميه رسميه متمثلة في أويا وقورينا وقناة الليبيه الفضائيه ... وقد ينجح هذا التيار في ضخ دماء جديدة في نظام الجماهيريه المتهالك ... عندما يتم تشكيل الحكومة الليبيه الجديدة قريباً ... ولكنه سيظل ملتزماً بالخطوط الحمراء التي حددها السيد سيف القذافي ... وأهمها علي الاطلاق الولاء لخيمة القياده ما دام العقيد علي قيد الحياه.

كما أن هذا التيار سيخلق نوعاً من التوازن مع حركة اللجان الثوريه في الساحة السياسيه الداخليه وسينافسها مستقبلا في تقديم آيات الولاء والطاعه للعائلة الحاكمه. وقد حافظ العقيد القذافي وبحذر شديد علي مسافة متساويه بين التيارين حتي يضمن تنافس وولاء الطرفين مؤقتاً ... وقد نري قريباً مؤتمراً تحت مسمي المصالحه الوطنيه يجمع تيار ليبيا الغد مع اللجان الثوريه وقد يتبادلون فيه التهاني بإطلالة العيد الأربعين للنكبة الليبيه مع خطابات الود والتسامح وتوزيع صكوك الغفران للجميع ..... ثم يستمر مسلسل الفوضي والفساد وتسلط الاجهزة الامنيه وعصابات الجريمه المنظمه حتي يتم في النهايه إعداد مسرح التوريث بتأييد ومباركة الحرس القديم وفرحة عارمه بإنتصار تيار ليبيا الغد....

وستظل خطابات سيف القذافي بين الحين والاخر حول ليبيا الغد , والمنابر السياسيه, والمصالحه الوطنيه الحقيقيه فقاعات إختبار وآمال نرجسيه حالها كحال البيان الاول للثوره .... الذي دغدغ مشاعر الليبيين آنذاك ..... بلا سيد ولا مسود ... ولا مظلوم ... ولا مغبون .... ولم يمضي وقت طويل علي ذلك البيان حتي بدأت ليبيا تشهد أسوأ إنتهاكات حقوق الانسان في العالم .... ولا زلنا الي يومنا هذا مغبونين في خيرات ليبيا التي توزع بالمليارات علي القريب والبعيد ويبقي الشعب الليبي دائماً رهين البؤس والعوز والفقر.... فكيف يمكن تصديق وعود السيد سيف بمصالحه وطنيه ... وهو يخبرنا بمصير الشيخ البشتي رحمه الله بعد ثلاثة عقود من استشهاده .... وبالامس القريب يسجن الدكتور ادريس بوفايد والاستاذ جمال الحاجي ورفاقهما .... بغير ذنب ارتكبوه اللهم إلا مقارعة الظلم والعسف والفساد بوسائل سلميه مدنيه متحضره .... أليس الحي أولي من الميت في رفع الظلم والمصالحه الوطنيه.

إن خطابات سيف القذافي لن تحقق نتائج حقيقيه وملموسه علي أرض الواقع مالم يتم تأطيرها وفق أسس دستوريه وقانونيه لدولة واضحة المعالم لها هياكل محترمه من قضاء مستقل وسلطة تشريعيه منفصلة عن السلطة التنفيذيه. وغير هذا تكون هذه الخطب مثل خطابات أيام شباب الوالد والتي صدقها أغلب الليبيين آنذاك ثم أكتشفوا طبعاً بعد فوات الاوان أنهم يلهثون وراء سراب أدخلهم في تيه من الضياع لما يقارب الاربعين سنه .. مازالت الدوله الليبيه تدار من خيمة العقيد المتنقله التي لا يعرف لها عنوان ثابت ولا وضعاً قانونياً أو دستورياً وتتجمع فيها جميع السلطات التشريعيه والقضائيه والتنفيذيه والامنيه والعسكريه.

إن ما طرحه السيد سيف القذافي لا يتجاوز تصفية بعض الجرائم السياسيه التي وقعت في ظل حكم الظلم والعسف واللاقانون المستمر الي يومنا هذا والتي ذهب ضحيتها الالاف من الليبيين. وعلي الرغم من أن رد المظالم وتعويض الضحايا شئ مطلوب ولا بد منه لإزالة آثار العدوان الظالم من الدولة الليبيه وأجهزتها الامنيه علي مواطنيها ... إلا أن هذ العمل لا يمكن أن يطلق عليه مصالحه وطنيه .... ولا يمكن إختزال المصالحه الوطنيه في تسامح الضحايا وتعويضهم ... مثلما يفعل مشايخ القبائل عندنا في الاصلاح بين ذوي القاتل والمقتول.... وكأن الجرائم التي وقعت من النظام الليبي علي مواطنيه العزل... هي ضرب من الشجار الذي يقع بين العائلات والقبائل ويمكن تسويتها بولاية الدم ودفع الديه لأهالي القتلي.

إن ليبيا في حاجة ملحه الي مصالحه وطنيه حقيقيه تجمع كل أطياف المجتمع الليبي والمعارضه الوطنيه في الداخل والخارج بدون إستثناء أو تخوين .... ولا بد أن تتناول هذه المصالحه قضايا الوطن الرئيسيه مثل الدستور وسيادة القانون والمرجعيه التشريعيه وحقوق الانسان الليبي والتي في غيابها وقع ما وقع من جرائم سياسيه وانتهاكات لأبسط الحقوق المدنيه للمواطنين. كما يجب ان تتناول المصالحه الوطنيه الجرائم الاخري والمستمره الي يومنا هذا مثل تبذير الاموال الليبيه والفساد الاقتصادي المستشري بين عصابات المتنفذين في أركان الدوله الليبيه.

إن أية مصالحه وطنيه لا تتناول الوضع السياسي والدستوري لمستقبل الدوله الليبيه وسيادة القانون علي الجميع ... هي ضرب من التهريج السياسي والذي سيدخل ليبيا في نفق جديد من التيه والضياع لا يعلم نهايته الا الله سبحانه وتعالي.

د. علي الفرجاني
eelferjani@yahoo.com
August 2008



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home