Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 29 June, 2007

بعـض تجليات العـقل السلفي!!

د. عـبدالحكيم الفيتوري

ظل العقل السلفي (التلقيني) يرسف في قيود دائرة الخلط بين القيمة والذات، ونقل الماضي إلى الحاضر ، وقياس الحاضر على الماضي لدرجة خروجه نهائيا من هموم الحاضر إلى هموم وصراعات الماضي؛ كتلك الصراعات التي كانت داخل البيت السني ؛ أشاعرة ،حنابلة ، متصوفة، متكلمة، أهل الرأي أهل الحديث ظاهرية فقهاء، أو تلك الصراعات التي كانت بين السنة والشيعة، والمعتزلة وأهل الحديث، وبذلك دخل العقل السلفي نفقا طويلا لا شعاع فيه حيث لم يستطع أن يساهم في تشييد الحضارات في الماضي والحاضر، حتى تلك الومضات الحضارية التي كانت في تاريخ المسلمين لم تكن من نتاج العقل السلفي القياسي (التلقيني) كما هو معلوم، بل كانت من نتاج ذلك العقل الذي عقلن الأشياء ومايز بين الذوات والقيم، وبين الإلهي والبشري ، الذي تمرد على العقل القياسي ومنهجه حيث قوبل بمقاومة شرسة من قبل العقل القياسي الذي استخدم في تلك المعارك كل أنواع الأسلحة الممكنة لديه ؛من تبديع وتكفير ، ثم تقرير أحكام الردة ؛ من قتل،وتنكيل ، وعزل عن المجتمع !!

وأحسب أن هذا الأنسحاب من المساهمة في بناء الحضارة كان مرده إلى عجز العقل التلقيني عن تصور العلم سوى علم الوحي الذي جاء ليقيم الانسان على صراط الله المستقيم، ونسي بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأت لإقامة المعمار والبنيان والمعامل والمختبرات ومناظر الفلك، إنما جاء ليعبد الناس إلى رب الناس ليحققوا الأصل القرآني (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون). (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت).

لذلك فقد فات على العقل التلقيني بأن الحضارة نتاج الفعل الانساني القائم على العقل الذي يتعامل مع الواقع الانساني ومستجداته، الباحث عن سنن الكون وسنن الطبيعة والمادة، بعيدا عن حفظ المتون وترديدها، وفك رموزها وطلاسمها، قال تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا..)، وقال سبحانه: (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا). ولكن - للأسف الشديد - أن العقل التليقني في فشله عن معرفة سنن الكون والطبيعة والمادة،وسنن الاجتماع، توجه إلى ملء هذا الفراغ الضروري بالاتصال بمن سبقه ذاتا وقيمة، بدون تحليل لمكونات ماضي تلك الذات ونسيجها الاجتماعي والسياسي والمذهبي، ولا معرفة للأنساق وعوامل البيئة والدوافع التي انتجت تلك القيمة، وربما كان هذا هو الذي حمله على تقديس القيمة والذات ، وتحويل العقل من دائرة الفهم إلى دائرة الحفظ والتخزين، والترديد والاستظهار حيث أصبح الحفظ علامة للعلم والفهم والفقه ، فيقال: فلان يحفظ ألف ألف متن فهو حافظ أي عالم مجتهد !!

ومن هنا اقتضت ضرورة الاتصال هذا، بتقنين أقوال السلف على هيئة متون وقواعد تحفظ وتستظهر، أما فك رموز بعضها فدونه خرط القتاد، حيث قد تصعب في بعض الأحيان حتى على صاحب ناظم المتن أو مختصره ، كما قال ابن الأزرق: (... وقد ذكرنا عن ابن الحاجب أنه ربما راجع بعض المواضيع في مختصره فلم يفهمه، وإذ ذاك فما الظن بسواه)!! وهذا الذي حمل محمد المقري (759هـ) على انتقاد عقول علماء عصره بقوله: (فاقتصروا؛أي علماء وطلاب عصره،على حفظ ما قل لفظه، ونزر حظه، أو أفنوا أعمارهم في حل لغوزه، وفهم رموزه...) ولم يتردد الإمام الجويني (478) في انتقاد من سبقوه من الحفاظ (العلماء!!) بلهجة لا تخلو من السخرية، فقال: (تصنيف الماضين، وتأليف المنقرضين، مشحون بهذه الفنون ، ومعظم المتلقبين بالتصنيف في هذا الزمن السخيف! يكتفون بتبويب أبواب، وترتيب كتاب، متضمنة كلام من مضى، وعلوم من تصرم وانقضى)!!

هكذا صار العقل التلقيني يمجد عملية الاستظهار والترديد،ما دام ذلك يحقق له الشعور بالذات، والاتصال بتراث من سبقه، والعيش في أجواء الماضي، كل ذلك يبرر لما ذاك العكوف على تلك المتون حفظا واستظهار، والإغراق في فك رموزها وإفناء العمر في فهمها من خلال محاضن الدرس (الجامعات - والجماعات). بعيدا عن ممارسة نقد تلك المتون، ورفع ثوب القداسة عنها وعن مصنفيها. ومن المعلوم أن هذا الاتجاه يرمي إلى تحويل العقل إلى وسيلة حفظ وتخزين وترديد حيث يتحقق للمتلقي الشعور بالذات، والطمأنية بصوابية ما كان عليه الاسلاف،وعدم جدوى التفكير في الخروج عن أقوالهم واجتهاداتهم !! ليس هذا وحسب،بل إن العمود الفقري في هذا المنهج، هو السيطرة على الواقع المتجدد المتغير؛ وتقييمه وتقويمه بعقل من يحفظ أكثر ويتقن استظهار تلك الأقوال والمتون. ومن خلال ذلك المنهج التلقيني اندفع العقل السلفي إلى البحث في الماضي عن شذرات من الأقوال بغية الإمساك بالحاضر والواقع والسيطرة عليه ، وقد رأينا بعض تلك الصور في مسائل كثيرة، أبرزها الخلط بين الديني والمدني في الفكر والسياسة والسلوك.كتحديد مدة الهدنة بعشر سنوات، ومسائل الأحلاف، وقضايا العمل الحزبي. كذلك المسرح، والأغنية، والأنشودة، لم تنجو من إضافة مفردة إسلامي لها، بل حتى الرسوم المتحركة، وصالونات الحلاقة، ومعارض الأزياء ، ومسابقات ملكات الجمال لم تنجوا من ذلك !!

لقد تمخض عن ذلك الاتصال (بالماضي) وهذا الخلط بين الديني والمدني أزمة شاملة ذات بعدين عصفت بأركان العقل المقاصدي التجديدي الذي هو مناط التكليف؛فهما وتنزيلا. ومثّلت تلك الأمية الفكرية (الإعراض عن فهم مقاصد القرآن) البعد الداخلي لهذه الأزمة البنيوية، قال تعالى: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانى). ومثّلت عملية تقديس أقوال الأباء والأجداد البعد الخارجي، بمعزل عن التعامل معها كتجربة يمكن الاستفادة منها بدون إدراجها في مصاف الوحي ، قال تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا، أولو كان أباؤهم، لا يعقلون شيئا، ولا يهتدون)؟!

وبالتالي تمت تسوية تلك الأقوال والأراء كمترادفة لـ (إسلام النص) ومتماهية معه، حيث صار مجرد نقد تلك الأقوال المدونة أو الناطقة يعني نقدا للدين وثوابته. وهذا يشير إلى أن العقل السلفي يتعاطي مع الماضي (أقوال السلف) بنزعة سيكلوجية بوعي أو بغير وعي. وهذه النزعة جعلته عاجزا عن التحول والتجدد، والتطور والانتاج الحضاري، فضلا عن التواؤم والاتساق مع العقل الإبداعي التجديدي. مما جرأه إلى الوقوف أمام أي عملية تفكير منطقي، وذلك من خلال خطابه الوعظي، واستجلابه لفتاوى التشهير، والتبديع، والتكفير، والقتل إن لزم الأمر لمن يخرج عن تلك الأقوال والمتون، بغية إعاقة الوتيرة المتسارعة للعقل الإبداعي التجديدي المقاصدي الذي يتعاطى مع مقاصد الوحي (القرآن والسنة التشريعية) ويقدسه دون غيره.

والسلام

عبدالحكيم
Dr_elfitouri@yahoo.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home