Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Thursday, 28 September, 2006

العـقـل في القرآن الكريم

د. عبدالحكيم الفيتوري

القرآن الكريم (كتاب أحكمت آياته) يضعنا أمام مفردات أخذت مواقعها في التركيب لما تمتاز به من إمكانات علامّية اقتضى وجودها على النحو الذي وجدت فيه كونها لا يؤدي وظيفتها سواها ، بوصفها المشهد الأخير للمعنى في مصطلحات النمذجة الكتابية. فالعقل عند العرب (اسم) يطلق على فعل من نمط ذي خصائص يمكن تحديدها وتمييزها، و(الفعل) ضرب من النشاط يعالج به الانسان الأشياء على وجه معين.وهو يتطور في فهمه ومعالجته للأشياء؛ مما يعني أن العقل الانساني ابن الحياة بتجاربها وخبراتها ، والنمو يعني هنا الانسان قد أحاط بقدر من المعارف والخبرات الاجتماعية والوجودية حتى بات بإمكانه ضبط سلوكه وأفكاره وكلماته.

وفي هذا الصدد من القراءة الاجتهادية ننطلق في عملية استقرائية نتتبع فيها مفردة (عقل) بتصريفاتها المختلفة في ثنايا القرآن الكريم، بغية الوقوف على دلالتها القرآنية والتي أحسب أنها تسهم في عملية تشغيل أشرف أداة في الانسان وتطويرها بكونها مناط التكليف الشرعي وبها وحدها يتميز المكلف عن سائر المخلوقات.

وبالتالي فقد عمدت إلى تصنيف الآيات التي تنطوي على مفردة (عقل) بمختلف تصريفاتها حيث اعتمدت التكرار معيارا لتصنيف مفردة (عقل)، فأسفرت العملية الاستقرائية على النتائج التالية: الأية (أفلا تعقلون) تكررت ثلاث عشرة مرة. والآية (لعلكم تعقلون) تكررت ثماني مرات. والآية (لا يعقلون) تكررت إحدى عشرة مرة. والآية (لقوم يعقلون) تكررت ثماني مرات. والآية (إن كنتم تعقلون) تكررت مرتين. والآية (ماعقلوه) مرة واحدة. والآية (نعقل) مرة واحدة. والآية (يعقلون) مرتين. والآية (تعقلون) مرتين . فكان مجموعها تسع وأربعون مرة.

نماذج من الطائفة الأولى ( أفلا تعـقـلون ) :

ورد هذا التعبير في النص القرآني ثلاث عشرة مرة، بالنظر إلى البيئات اللفظية التي احتضنته نلحظ ما ينطوي عليه فعل (العقل) بوصفه إجراء إنسانيا من شأنه الإحاطة بأمر ما سواء كان الأمر يحتاج إلى عقل سلوكي حركي ، أو يحتاج إلى عقل ذهني معرفي .

- ففي قوله تعالى : (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعـقلون). الأفعال هي: تأمرون، وتنسون، وتتلون، وتعقلون وقد سبق بالاستفهام الإنكاري وفاء التعقيب .اقتضى سلوك المخاطبين في الواقع استهلال الآية بالتوبيخ . وكان من الممكن أن يلتمس العذر لهؤلاء الذين سلكوا هذا السلوك الغريب ، لو أنهم قاموا بذلك جهالة أو لسوء تقدير منهم ، ولكن النص القرآني لا يدعنا نلتمس الأعذار لهم، فهم يقومون بهذين الفعلين مجتمعين في حال معينة بينها الفعل الثالث في الآية مسبوقا بـ(واو الحال) وأنتم تتلون الكتاب .
تفيد صيغة المضارع هنا (تتلون) المداومة على التعالم مع الكتاب ، وهذا الأمر يشكل إدانة لهم إذ نفهم أن الحال هذه (وأنتم تتلون الكتاب) يفترض أن تكون ضابطا مانعا أو رادعا لهم عن مواصلة السلوك المتناقض ؛ تأمرون الناس/تنسون أنفسكم . ولا ينتظر نص الآية كثيرا حتى يعقب على سلوكهم بواسطة (فاء) التعقيب التي أخذت موقعها قبل الفعل المنفي بـ(لا) تعقلون مسبوقا بهمزة الاستفهام التي تفيد الإنكار والتوبيخ. وإذ تنكر الآية الكريمة عليهم عدم عقلهم نستنتج أنه لو كانوا يعقلون لكانوا لا يقومون بالأفعال السابقة وهم يتلون الكتاب!!

إذن استخدم النص القرآني مفردة (يعقلون) هنا بوصفها تشير إلى إجراء سلوكي يضبط حضورهم في المجتمع بما يتناسب مع مضمون الكتاب الذي يتلون .

- وفي قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والانجيل إلا من بعده، افلا تعقلون) نزلت هذه الآية بسبب دعوى كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان على دينهم فكذبهم الله تعالى بأن اليهودية والنصرانية إنما كانت من بعده. فالآية قدمت الفريقين جماعة واحدة ، ثم أسندت إليها فعلا مستهجنا ،(لم تحاجون) ثم تبين الآية علة استهجانها المحاجة في أن ما جعلهما يهودا ونصارى هو التوراة والانجيل ، وكون إبراهيم لم يدرك هذين الكتابين لكونهما في زمن محصور من بعده ، فهذا يلغي زعمهما بأنه يهودي أو نصراني، وهذه المسألة لا تقتضي إجراء ذهنيا معقدا حتى يتمكنا من ضبطها والإحاطة بها ، وهذا ما استدعى توبيخهما لعدم القيام بهذا الإجراء (أفلا تعقلون)!!

فالعقل باستخدام هذه الآية هو الإجراء الذهني الذي يربط العلة بالمعلول من خلال النظر في عامل الزمن .

فتأمل ففي الآية الأولى استخدم القرآن مفردة (يعقلون) بوصفها إجراء سلوكي يضبط علاقات المجتمع بقيم الكتاب،وفي الآية الثانية استخدم مفردة (تعقلون) بوصفها إجراء ذهني يربط السبب بالمسبب،والشرط بالمشروط، والعلة بالمعلول باعتبار عامل الزمان والمكان.

ولا شك ان في ذلك توبيخ لمن يقراء القرآن بدون فهم يتناسب مع زمانه ومكانه وإنسانه ؛ ذاك القاريء الذي يحتمى بفهم غيره، ويتوغل في التاريخ ، ويتعاطى مع حاجات تاريخية تختلف تماما عن واقعه زمانا ومكانا... وأنتم تتلون الكتاب... أفلا تعقلون!!

رمضان كريم.

عـبدالحكيم


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home