Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 28 July, 2007

         

مقاصد اختلاف الدارين(*) (1)

د. عـبدالحكيم الفيتوري

الاستهلال
هذه الورقة قصد منها تقديم قراءة تأصيلية تجديدية أولية حول مفاهيم اختلاف الدارين،وأثر ذلك في اختلاف الأحكام،وكيفية الاستفادة من هذا الاختلاف بمعانيه الايجابية من حيث تطوير مفهوم المواطنة،وتسهيل عملية المعايشة،وتوطين فقه المسالمة بين المختلفين في الدين والدارين.كذلك ينبغي النظر إلى مفهوم اختلاف الدارين ودلالاته ومناطاته باعتباره من مسائل الاجتهاد التي يجب مراعاة عوامل كثيرة فيه ، منها عوامل البيئة السياسية التي مر بها منظري الفكر الإسلامي السياسي ، من حالات استضعاف ومراحل استخلاف،ومدارج اجتهاد ونظر ،ودركات تقليد وتخلف، وآثر ذلك في مصطلح اختلاف الدارين ومضامينه ودلالاته. وبهذا القدر من الوعي في الجانب التنظيري ، ومراعاة المصطلح ومفاهيمه ومضامينه، واعتبار بيئات التحضر والتخلف تصبح عملية صوابية إسقاط الدلالات على مناطاتها بقدر أكبر ، والمساهمة في عملية الاستفادة من الانتاج البشري والتقدم الحضاري أبلغ .

-أهداف هذه الورقة:
كما لا يخفى أن هذه الورقة تهدف إلى بلورة مجموعة من المضامين الجديدة لفلسفة اختلاف الدارين في إطار اعتبار تغيير الانسان والمكان والزمان ،لتحقق الالتزام بقيم السماء،واحترام الانسانية،والمحافظة على القيم العادلة،والأثار الصالحة في الواقع المعاصر بغية المساهمة في عملية توطين الإسلام ورفع معاناة المسلمين في الغرب .ولا شك أن الإضافة المعرفية التي اسفرت عنها هذه الورقة كانت في الجانب الفلسفي المقاصدي لعملية توطين الإسلام في غير دياره ،وهذه الإضافة تحتاج إلى مناقشة،وصقل ، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله.

-منهجي في هذا الورقة :
حاولت الإلتزام بروح مقاصد الرسالة المحمدية من خلال كليات نصوص القرآن والسنة النبوية ،مع مراجعة اقوال السلف في قضايا اختلاف الأحكام باختلاف الدار،وكنت أتخير من أقوالهم ما يتفق مع المقاصد الكلية للقرآن ويناسب ظرف المسلم المقيم في الغرب دون إللزام نفسي بمذهب معين إيمان مني بأن أقوالهم في دائرة الاجتهاد وليس في دائرة النص ،كذلك فإن جل معالجتهم لقضايا الأقليات-على قلتها-كانت تدور في حلقة ضيقة مفادها:إذ ما انفراد مسلم أو قافلة من دار الإسلام واخترق أراضي غير الإسلام فما هي الأحكام المنوطة بها حينئذ سوى في أحكام العبادات من توجه إلى القبلة وجمع الصلوات،أو أحكام المعاملات من أنواع البيوعات الفاسدة والعقود الباطل ودفع المكوس وغير ذلك !!

-الدراسات السابقة:
حد علمي أنه قد تعرض الفقه التقليدي في أمهات كتب السلف لجزئيات متنوعة تخص أحكام المسلم في ديار غير الإسلام،وهي مبثوتة في بطون المراجع بصورة مختصرة نظرا لعدم أهمية ذلك في عصرهم من حيث استقرار أوضاع دار الخلافة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.ولكن عندما سقطت دار الإسلام بالمفهوم الكلاسيكي واضطربات أحوال المسلمين وانتقال جموع من المسلمين يعدوا بالملايين إلى ديار غير الإسلام بنية الاستقرار والإقامة الدائمة ، ظهرت لهولاء إشكالات متنوعة في المعاملات والإنكحة والذبائح وغير ذلك،فانتصب ثلة من المهتمين بشأن الدعوة في الغرب لدراسة هذه الإشكالات والبحث عن حلول لها من خلال منظومة الفقه التقليدية،فصدرت في هذا المذمار عدة دراسات منها(فقه الأقليات المسلمة في الغرب) لشيخ يوسف القرضاوي جاء في ثناياها اجتهادات تيسيرية تخدم عملية توطين الإسلام في الغرب وذلك عبر مسائل النكاح والذبائح والمعاملات البنكية . وكذلك إصدارات المجلس الأوروبي للافتاء والبحوث التي تسير على ذات المنهج تقريبا.ايضا كتب طه العلواني وراشد الغنوشي وغيرهما في الفقه الإقلية برؤية التجديدية .
-وهناك رسالة دكتوراه تحت اسم(اختلاف الدارين)لأسماعيل فطاني تناول فيها مسائل متفرقة في فقه المناكحات والمعملات المنوطة بالمسلم في غير دار الإسلام ولكنها كانت بالطريقة التقليدية الكلاسيكية.
-ويوجد بحث تكميلي ماجستير(الأحكام السياسية للاقليات المسلمة في الفقه الإسلامي)لسليمان توبولياك،ناقش فيها قضايا سياسية كحكم إقامة المسلمين في البلاد غير المسلمة والهجرة منها ، وعلاقة الأقليات المسلمة بالدولة التي يقيمون فيها وعلاقتهم بالدولة الإسلامية ، حاول فيها تقديم بعض الحلول المعاصرة التي تخدم الجالية المسلمة.

- خطة البحث :
وقسمت هذه الورقة إلى استهلال وخاتمة ،وأربعة عناوين رئيسة وهي ،الدار لغة واصطلاحا،مناط الحكم على الدار،أصالة تقسيم الدور،الأبعاد الفلسفية لاختلاف الدارين.

أولا:الدار لغة واصطلاحا:
1-معنى الدار لغة:للدار معان لغوية كثيرة نتناول منها ما له ارتباط مباشر بأصل البحث :
المعنى الأول:معنى البلد،والوطن:البلد:(ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها...الآية).(النساء:75) والوطن:(والذين تبوءو الدار والإيمان...الآية).(الحشر:9)
المعنى الثاني :معنى المنزل المسكون والقبيلة ؛المنزل:(وهل ترك لنا عقيل من دار؟). والقبيلة:(ما بقيت دار إلا بنى فيها مسجد).(1)

2-معني الدار اصطلاحا:يقصد الدار في كتب السياسة والعلاقات الدولية المعنى اللغوي الأول للدار(البلد والوطن) التي تسكن فيها مجموعة من الناس ويعيشون تحت قيادة سلطة معينة . فإن كانت السلطة فيها للإسلام فهي دار إسلام ، وإن كانت للكفر فهي دار كفر .كما قال ابن عابدين:(المراد بالدار الإقليم المختص بقهر ملك إسلام أو كفر).(2) ويقول ابن حزم الظاهري :( لأن الدار إنما تنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها ).(3)
بناء على ذلك فإن معنى الدولة عند القانونين والدستورين المعاصرين متضمن لما جاء في معنى الدار عند فقهاء المسلمين .إذ الدولة هي عبارة عن مجموعة من الناس تقيم على وجه الدوام في إقليم معين ولها حاكم ونظام تخضع لهما وشخصية معنوية واستقلال سياسي .(4)

وللدار أو الدولة أركان ثلاثة :
الأول:الإقليم:وهو الأرض التي يعيش عليها سكانها.
الثاني:السكان أو الشعب وهو المجموعة الكبيرة من الناس التي تعيش على تلك الأرض على وجه الدوام. الثالث:السيادة أو السلطة وهي السلطة الحاكمة التي تقوم على تنظيم الجماعة وإدارة شؤونها في الداخل والخارج. فالدار أو الدولة لا يقوم وجودها إلا بتوافر هذه الاركان الثلاثة .(5)

ثانيا: مناط الحكم على الدار
والمناط لغة: مأخوذ من ناط الشيء ينوطه نوطا،أي:علقه،فالمناط على هذا ما يتعلق به الشيء.(6)أي يشبه العلة للحكم من حيث الوجود والعدم،فإن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما،كذلك المناط سواء بسواء.لذلك ينبغي تحرير مناط الحكم،ومقتضىكل مناط،وأثرذلك على القاطنين في تلك الديار .

ا-تحرير مناط الحكم على الدار:
تقرر فيما سبق أن الدار هي مجال ممارسة الاختصاصات الدستورية التي تقوم بها سلطة نظامية ما،ولا ريب أن وصف المجتمع؛دارا أو دولة؛يؤخذ من طبيعة النظام الذي يحكم فيها،أي أن مناط الحكم يؤخذ من سيادة الدستور والقوانين كما قال الكاساني:(إنما تضاف الدار إلى الإسلام أو إلى الكفر لظهور الإسلام أو الكفر فيها،كما تسمى الجنة دار السلام والنار دار البوار،لوجود السلامة في الجنة والبوار في النار،وظهور الإسلام والكفر بظهور أحكامهما،فإذا ظهرت أحكام الكفر في دار فقد صارت دار كفر فصحت الإضافة،ولهذا صارت الدار دار الإسلام بطهور أحكام الإسلام فيها من غير شريطة آخرى،فكذا تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها).(7) وقال ابن القيم:(قال الجمهور:دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون،وجرت عليها أحكام الإسلام ،وما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها ، فهذه الطائف قريبة إلى مكة جدا ولم تصر دار إسلام بفتح مكة وكذلك الساحل).(8)
ولا يخفى أن ثمرة تحرير المناط في الحكم على الدار ، وتقسيم العالم إلى دارين من الناحية السياسية ؛ دار استجابة ، ودار دعوة ، يراد به تحديد ضوابط قضايا العلاقات الدولية بين الدارين ، وفرز الأحكام المنوطة بالأمراء والعلماء منها ، وإتقان عملية المواطنة وتيسير أداب المعايشة والتعاون بين السلطة الحاكمة والقاطنين على أرضها في الدارين ، على الرغم من اختلاف المعتقدات والشرائع والديانات.

2- تعريف دار الاستجابة :
يراد بمصطلح (دار الاستجابة)دار الإسلام،ومصطلح(دار الدعوة)دار غير الإسلام،وهذا الاستخدم قصد به تفريغ مصطلح الديار من معانيه العدوانية والسلبية التي ألحقت به لظروف الاقتتال والاقتهار في حالة الاستضعاف وأطوار الاستخلاف التي مرت بها الأمم في مراحل التأسيس والتمكين.وقد استعمل الإمام الشاطبي هذه الفلسفة مع مصطلح الأمة،حيث ألحق بهذا المصطلح ذات المعاني التي تضمنها مصطلح الدار من عدوانية وتمايز سلبي،فقام الشاطبي بفرز تلك المفاهيم السلبية،وحرر مصطلح الأمة من النظرة الأوحادية الإقصائية،ورد إليه ما فقده من مفاهيم في حالات التدافع الفكري والانتصار المذهبي التي مر بها.(9)
وعلى هذا الأساس نعرف دار الاستجابة بأنها :هي الأرض التي تحكمها الشريعة الإلهية، وتكون المنعة والشوكة فيها للمسلمين،كما قال عبد القاهر البغدادي:(كل دار ظهرت فيها دعوة الإسلام من أهلها بلا خفير ولا مجير ولا بذل جزية ، ونفذ فيها حكم المسلمين على أهل الذمة إن كان فيهم ذمي ،ولم يقهر أهل البدعة فيها أهل السنة ، فهي دار الإسلام.وإذا كان الأمر على ضد ما ذكرناه في الدار فهي دار الكفر ).(10) وعرفها عبدالرحمن السعدي بقوله:(فبلاد الإسلام:التي يحكمها المسلمون،وتجرى فيها الأحكام الإسلامية،ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان جمهور أهلها كفارا .وبلاد الكفر ضدها).(11)وأكد سيد قطب على ذات المعنى بقوله:(وتشمل دار الإسلام كل بلد تطبق فيه أحكام الإسلام وتحكمه شريعة الإسلام، سواء كان أهله كلهم مسلمين،أو كان أهله مسلمين وذميين،أو كان أهله كلهم ذميين،ولكن حكامه مسلمون يطبقون فيه أحكام الإسلام ويحكمونه بشريعة الإسلام).(12)

3- تعريف دار الدعوة :
وتسمى دار الموادعة ، ودار الصلح ، ودار المعاهدة ، ودار الهدنة ، ودار الذمة ، ودار الكفر ... وهي كل ناحية صالح المسلمون أهلها بترك القتال على أن تكون الأرض لأهلها ، أو تصالحوا على قيم سياسية سلمية تضبط علاقة كل منهما بالآخر ، مع رفضهم الاسلام وأحكامه ، أو لعدم ولاية إمام المسلمين عليها.
لذلك يمكن تعريفها بأنها:كل بقعة تكون فيها أحكام الكفر ظاهرة،سواء كان بينهم وبين إمام المسلمين عهد،أو صلح،أو لم يكن بينهم شيء من ذلك.يقول ابن القيم رحمه لله:( قال الجمهور: دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون،وجرت عليها أحكام الإسلام ،وما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها،فهذه الطائف قريبة إلى مكة جدا ولم تصر دار إسلام بفتح مكة وكذلك الساحل). ( ) وقال أبو يوسف:(تعتبر الدار دار كفر بظهور أحكام الكفر فيها وإن كان جل أهلها من المسلمين).( )
ومجمل القول في تحرير مناط الحكم على الدار منوط بغلبة الأحكام،المتمثلة في قوة هيمنة الأحكام الشرعية،والسلطة السياسية على تلك الجهة،ثم يتفرع عن هذا المناط أوصاف عدة منها؛ دار االاستجابة،ودار الدعوة بأنواعها،حسب ما هو مقرر في فقه السياسة الشرعية. لذلك ينبغي معرفة مقتضى تلك الأوصاف والمناطات وما يترتب عليها من التزامات وغير ذلك .

4- مقتضى دار الاستجابة :
الأصل في الناس فيها الإسلام ، وتطبيق أحكام الشريعة واجبة على الحاكم والمحكوم ، وسريان أحكام الشريعة جارية على المسلم ، وخضوع المقيمين في دار الإسلام من غير المسلمين لقوانين الشريعة الإسلامية لازم مع مراعاة خصوصيات الديانات.

5- مقتضى دار الدعوة :
الأصل فيها الكفر ، وأحكامها ودستورها وقوانينها وضعية ، وقوانينها لازمة لمن ارتضى الإقامة فيها مع مراعاة خصوصيات الديانات ، وعدم وجوب تطبيق الشريعة فيها لفقدان ولاية سلطان الإسلام عليها.
________________________

(*) سبق لي نشر هذه الورقة في مجلة "إسلامية المعرفة" ، مجلة محكمة ، تصدر عن المعهد العالمي للفكر الاسلامي ، العدد: 045 ، عن رؤية (العالم) عند الإسلاميين .بحوث ودراسات (مقاصد اختلاف الدارين) د. عبد الحكيم الصادق الفيتوري ،27 تموز 2007م
1-انظر:لسان العرب :4/440-441
2-حاشية رد المختار لابن عابدين :4/116
3-المحلى :11/300
4-انظر:القانون الدولي العام للدكتور على صادق أبو هيف:109، الطبعة الثانية عشر ، منشأة المعارف بالاسكندرية
5-انظر:المدخل في علم السياسة ، بطرس غالي ومحمود خيري عيسى ، القاهرة ، مكتبة الانجلو المصرية ،1976م،الطبعة الخامسة،153 ، وعلم السياسة ،والنظام السياسي ، إبراهيم درويش ، الجزء الأول:القاهرة ،دار النهضة العربية ، الطبعة الثالثة ،1975،ص:187
6-لسان العرب:6/4577
7-بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ، للإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي الملقب بملك العلماء ، توفي587هـ ، طبعة جديدة ، دار إحياء التراث العربي ،مؤسسة التاريخ العربي ، بيروت :6/112
8-أحكام أهل الذمة ، ابن قيم الجوزية ، الطبعة الأولى ، 1997م، رمادي للنشر ، الدمام :2/728
9-انظر :إن شئت كلام الشاطبي عند شرحه لحديث(افترق اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة ...،وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)،فتآمل لفظة(أمتي)و(كلها في النار)وحديث :(فيؤخذ بقوم منكم ذات الشمال،فأقول:يا رب أصحابي ، وفي رواية أمتي أمتي ، قال :فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك ...).(الاعتصام ، للشاطبي ، دار العدالة،الطبعة الأولى :2/408-419 ،وجاء ذكر ذلك عند ابن عاشور في تفسيره فقال:(جاء الخطاب بيأيها الناس:ليشمل جميع أمة الدعوة الذين يسمعون القرآن يومئذ وفيما يأتي من الزمان).(التحرير والتنوير:4/8)واستعمل هذا المصطلح جمهرة من الدعاة المعاصرين منهم :القرضاوي ، العلواني ،البوطي .
10-أبومنصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي الفقيه الشافعي الأصولي الأديب ، توفي عام429هـ بإسفراين ،أصول الدين ، مطبعة الدولة إستانبول :270
11-عبدالرحمن بن ناصر السعدي الحنبلي صاحب تفسير تيسير الكريم المنان ، له مؤلفات عدة ، توفى1376هـ بمدينة عنيزة ،منشورات المؤسسة السعيدية بالرياض ، الفتاوى السعدية :104
12- سيد قطب ، في ظلال القرآن ،الطبعة التاسعة، دار الشروق،بيروت،1980م:2/873


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home