Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 27 April, 2007

إكـتـمال الشـرع وانـتـكاس العـقـل!!

د. عـبدالحكيم الفيتوري

بإكتمال الرسالة المحمدية أكتملت أطوار تشكل عقل متلقيها فصار عقلا مقاصديا رسوليا يتعامل مع الوحي بكلياته المقاصدية ويراعي كلياته الحرفية، ويتجادل بتلك الكليات مع الواقع المتجدد المتغير، يتفاعل معه يسجل حضوره على كافة مستوياته ومناحيه(1). فلا هو يميل إلى تجزئة الكلي المقدس والتعاطي معه بصورة جزئية مفككة، ولا يتشبث بأسباب نزوله بل يترك رهوا الثبات عند السياق التاريخي والنسيج الاجتماعي لحالات النزول(2)، كذلك لا يقايس واقعه المتجدد على ماضي ساكن ، وإنما يقياسه على كلي مقاصدي. ولعل في تجربة عمر رضي الله عنه المقاصدية ما يوضح ذلك ، حيث أنه لم يتعامل مع النصوص بصورة مجزئة، ولم يجعل أسباب النزول فيصلا في الفهم والحكم ، بل ولا تجربة النبي صلى الله عليه وسلم ـ وهي تعد ماضيا بالنسبة لعهد عمر ـ حكما على فهمه وتعاطيه مع الكلي القرآني ومستجدات زمانه.فقد كان الناس في زمن عمر يحاججونه بأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم أو قال لهم كذا، كما وقع ذلك مع سهم المؤلفة قلوبهم(3)، وسواد العراق وغيرها(4)، فكان رد عمر على هؤلاء بأن النسق التاريخي قد اختلف،والنسيج الاجتماعي قد تباين، وكأنه بذلك يرى أن المقصود الوقوف على معاني الشرع ومقاصده الكلية دون مبانيه وحرفيته الجزئية.

ولكن لم يستمر هذا العقل المقاصدي الرسولي إلا برهة من الزمن ثم دارت عليه الدائرة وتم الاعتداء على جنابه وحدوده ، بل وأقبرت معالمه جملة من قبل العقل القياسي الذي تحالف مع السلطة في فترات الصراع المذهبي والطائفي، ومراحل تدوين العلوم الأولى التي أغلقت فيها باب الاجتهاد وفتحت فيها أبواب التقليد،وسدت فيها مسارات النقد وفتحت فيها مجالات النقل، وأوصدت فيها مسامات مراجعة الذوات وأشرعت فيها أبواب تقديس الذوات على مصراعيه، فاختلط حينئذ الحابل بالنابل كما قيل حتى صار مفهوم الوحي هو؛ الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس، وأقوال العلماء، وحتى سياسة الأمراء!! كما قال ابن تيمية: (والشريعة: إنما هي كتاب الله، وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة؛ في العقائد،والأحوال، والعبادات، والأعمال، والسياسات، والأحكام، والولايات، والعطيات)!! (مجموع الفتاوى)

ولا يخفى أن هذا مما زاد من إلتباس دائرة (إسلام النص) بدائرة (إسلام التاريخ)، ودائرة (النظر والاجتهاد) بدائرة (النقل والتقليد) فصار الناس منذ زمن بعيد يخلطون بين هذه الدوائر ويضعونها في مصاف الإلهي ويضفون عليها ثوب القداسة، وبذلك إنتكس العقل فأصبح جهاز نقل دون نظر، وهمش الحاضر فصار محكوما بالماضي !!

وعندما ظهرت المدارس الفلسفية والمقاصدية تنتقد العقل السلفي القياسي تفاقم هذا المشكل المنهجي فقامت صراعات حادة بينهما وأخذت المعارك اسماء عدة منها الرأي والحديث، والظاهر والتأويل، ونحو ذلك من الاسماء، حيث قام بعض العلماء آنذاك بتحرير محل النزاع في هذا المشكل، ومن أؤلئك العلماء ابن تيمية الذي انتصب لحل هذه الأزمة والمعضلة المنهجية،ولكن ـ للأسف ـ قام بمعالجة هذا الأزمة بمنهجية سلفية قياسية وبمفردات فلسفية كلامية ، حيث كتب كتابه المشهور (درء تعارض العقل والنقل) ردا على المتكلمة والفلاسفة؛ فزاد من إلتباس هذا المشكل عند أتباع العقل القياسي ، لأن إشكالية التعارض لا تتعلق بالتشكيك في أهمية الوحي والعقل لتوجيه الحياة البشرية، فكلا الفريقين متفقان على ضرورة اتباع الأحكام القطعية، سواء انتسبت إلى الوحي أم العقل، واستحالة قيام تعارض بين القطعيات العقلية والنقلية. بل تتعلق الإشكالية بتعارض عقليتين أو منهجين في التفكير والاستدلال. فالرازي مثلا لا يشكك في مصدرية الوحي المعرفية، بل ينطلق من النص القرآني في تحديد التصور الكلي للوجود، كما فعل في كتابه أساس التقديس، لكنه يدعو إلى تأويل نصوص الكتاب إذا استحال حمل معناها على ظاهرها، وإلى رد أخبار الأحاد عند تعارضها مع أحكام العقل القطعية. وبالمثل فإن ابن تيمية لا يتشكك في أهمية مباديء العقل في بيان صدق المنقول، لكنه لا يرى أن كل ما نسب إلى العقل قطعي لا يحتمل التردد فيه. ومنذ صدور كتاب (درء التعارض) صارت مفردة العقل عند العقل السلفي كلمة مجرمة لذاتها، ناهيك عن استعمالها في فهم دلالة النص وتحرير مناط حكمه في الواقع برؤية تجديدية تخالف فهم السلف في النص والواقع !!

وقد نشأ على هذا الفهم تيار قوي يخشى من العقل ومن اقتضاءاته، حيث ذهب إلى التخلي عن العقل كليا، والالتزام بالنص مهما كانت درجة استخدام العقل محدودة، حتى لو كان الأمر يتعلق بقياس فقهي بسيط. وقد مثل ذلك في القديم الإمام أحمد بن حنبل وأهل الحديث ، والمدرسة الحنبلية من بعده أفضل تمثيل !!

وبغض النظر عن كلام الأئمة في الإمام أحمد من عدم اعتباره من أهل الفقه كما قال ذلك الطبري، والطحاوي، والنسفي،والدبوسي ، والأصيلي المالكي، وابن قتيبة، وابن عبدالبر ، والسخاوي في عمدة الطالب عن الأئمة الثلاثة فجعل منزلة أحمد مع منزلة داود الظاهري . الذي يهمنا هو المنهج الذي اعتمده الإمام أحمد حيث كان جل اعتماده على ظاهر الحديث وإن ضعف ورفضه للرأي وإن قوي ، مما يعني أنه كان يحاكم الأحداث الجارية بظاهر الحديث ، والمستجدات بضعيف الحديث وأقوال من سبقه!! دون استعمال العقل والرأي ، ومحاكمة الجاري والمستجد من الأمور إلى مقاصد الشرع الكلية، ومراعاة اختلاف السياق التاريخي والنسيج الاجتماعي حال النزول وحال الإيقاع .

يتبع...

عـبدالحكيم
Dr_elfitouri@yahoo.co.uk
________________________

1- انظر مقالي ( فلسفة تطور العقل وتدرج الشرع )
2- ...قد ربط عامة المفسرين كل آية من آيات الأحكام وآيات المخاصمة بقصة تروى في سبب نزولها ، وظنوا أنها من سبب النزول . والحق أن نزول القرآن الكريم إنما كان لتهذيب النفوس الإنسانية وإزالة العقائد الباطلة ، والأعمال الفاسدة. (الفوز الكبير في أصول التفسير)... حتى أوهموا كثيرا من الناس أن القرآن لا تُنزّل آياته إلا لأجل حوادث تدعو إليها ، وبئس هذا الوهم فإن القرآن جاء هاديا إلى ما به صلاح الأمة في أصناف الصلاح ، فلا يتوقف نزوله على حدوث الحوادث الداعية إلى تشريع الأحكام. (التحرير والتنوير)
3- عندما جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس يطلب حقهما في مال المؤلفة قلوبهم الذي جاء ذكره في القرآن الكريم وطبقه رسول الله ، فقال لهما عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل ، وإن الله قد أغنى الإسلام ، اذهبا فاجهدا جهدكما لا يرعى الله عليكما إن رعيتما ... !
4- على الرغم من أن آيات الأنفال وسورة الحشر أوضحتا قسمة الغنائم ، وقد قسم رسول الله الأموال على ما جاء في الآيات ، وكذلك الصديق في عهده ، ولكن الفاروق في عهده قد رأى غير ذلك بعقله المقاصدي الرسولي ، حيث اعتبر تغير السياق التاريخي والنسيج الاجتماعي المغاير لعهد النبي والصديق كفيل بإعادة النظر في ذلك واعتبار مقاصد الآيات ومالآت تطبيقها ، ولذلك امتنع عن تقسيم سواد العراق وخصومه يحججنوه بالآيات وتطبيقات النبي فيقول لهم: ماهو إلا كما تقولون . ولست أرى ذلك ... إذن أترك من بعدكم من المسلمين لا شيء لهم . وقد شاركه هذا الرأي الإمام علي ذي العقل المقاصدي الرسولي ، كما قال أبو عبيد: أن عمر أراد أن يقسم السواد ، فشاور في ذلك ، فقال له علي رضي الله عنه : دعه يكون مادة للمسلمين ، فتركه !!


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home