Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Monday, 26 December, 2005

الإلتباس في مفهوم الفروض الكفائية عند الحركيـيـن!!

د. عبدالحكيم الفيتوري

لقد امتهد السبيل في علم الاصول بأن الفروض في الإسلام على مرتبتين، مرتبة الواجب العيني والكفائي، فالواجب العيني: هو المفروض على كل شخص مكلف بعينه، كالصلاة والزكاة والصيام، وأداء الأمانة، والوفاء بالتزامات العقود، وما إلى ذلك، وهو منظور إلى فاعله بالذات أصالة. والواجب الكفائي: هو فعل يقصد الشارع حصوله في المجتمع، دون نظر إلى فاعل معين بالذات، فإذام قام به البعض سقط الإثم عن الباقين. أما الواجب العيني، فلا ينوب مكلف عن مكلف في أدائه، ولا تبرأ ذمة كل مكلف إلا بأدائه هو لما كلف به عينا.

وفي إطار هذا التعريف تعامل الفقه التقليدي والفكر الحركي مع فروض الكفاية المدونة في كتب الأصول ومراجع الفقه عبر الأمثلة التي اختزلت الفروض الكفاية في بعض جوانب المناسك ؛ كصلاة الجنازة، وغسل الميت وتكفينه، ثم تشيعه وتقبيره، وهو ما يسمى بـ(فقه الجنائز أو الميت) الذي صار فيما بعد الحد الفاصل والمثال الناجع بين الكفائي والعيني الذي ينبغي أن يقاس عليه علوم الاستخلاف (إني جاعل في الأرض خليفة) ويوزن به فقه الحياة (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، كالاجتهاد والتجديد، والصناعة والتعمير،والإدارة والتخطيط، والسياسة والإعلام، والاقتصاد والحماية التي جعلت فروضا كفائية!!
أضف إلى ذلك أن تلقف العقل التقليدي والحركي المعاصر تلك الصور المغلوطة لفقه فروض الكفاية وتحرك به وهو يحمل على عاتقه شعار (ضرورة بعث الأمة وإحيائها) كل ذلك بفقه الجنائز والموتى؛ وأدوات الغسل والتكفين؛ والردم والتقبير!! بل أنه لم يجد حرجا أن يتعامل مع هذه الصور المغلوطة بمعزل تام عن تصور صحيح لتلك الأجواء التي تم فيها تدوين هذا الفقه وتلك الأمثال المضروبة لفروض الكفاية ،أي من حيث حجم علاقة أصحاب هذه المدونات بالأمراء، ودورهم في السياسة وممارسة الوظائف السيادية، ومدى تأثير نظرية الزهد في هذه المدونات تأصيلا وتمثيلا، وعلاقة هؤلاء الزهاد بقضايا المجتمع والتغيير الاجتماعي والانقلاب السياسي،ومقدار تأثير العزلة والعقلية الفردية على مصنفات الفقيه ومعالجاته!!
ولا يخفى أن تلقف العقل الحركي لإشكالية فروض الكفاية بفقه (الميت) وبمعزل (عن معرفة البيئة وعلاقة أصحاب المدونات بالسياسة وقضايا المجتمع) أحدث إشكاليات كثيرة وعاهات مستديمة قد تبدو للوهلة الأولى أنها لا علاقة لها بمفهوم الكفائي،وذلك كاضطراب مفهوم العبادة ومجالاته وشمولية دلالاته، واللبس والإلتباس في تمييز السنة التشريعية والقيادية والجبلية، وتضخيم فروض الكفاية في المناسك وفقه العبادات واضمحلال ذلك في علوم الاستخلاف وفقه الإحياء، وتورم فروض الكفاية الفردية والمذهبية وتلاشي ذلك على مستوى الأمة والبشرية، حتى صار هذا الاضطراب بين الفرض الكفائي والعيني الفردي والجماعي، والالتباس بين الواجب والسنة سمة ظاهرة في حراك الحركي ومنهجه التقليدي تجلى ذلك من خلال توصيفه وتكييفه للواقع، واضطرابه في اختيار وسائله ومناهجه التغييرية، وارتباكه بين القديم والجديد ؛بين الانفتاح والانغلاق، وأخيرا حيرته في إقباله وإدباره في علاقته مع خصومه!!

ولعل أبرز ما يشير إلى ذلك حجم مخلفات هذا الفهم العقيم لفروض الكفاية هو أهماله تعلم العلوم الاجتماعية والعقلية والانسانية والصناعية، أو عدم إعطائه تلك العلوم المرتبة المناسبة داخل الفكر الحركي مما أدى هذا الفهم المعوج إلى اختزال طلب العلم وثوابه الوارد في الكتاب والسنة في العلوم الشرعية النظرية فقط (حفظ المتون، وشرح الحواشي، والمبالغة في التمجيد والإملاق في النقد والتجديد والتطبيق)!! وبهذا الفهم المعوج انقطع الفكر الحركي لسنوات عدة عن التأثير الإيجابي في مجالات العلوم العقلية،والتخطيط،والاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، والإعلام، والتصنيع، حتى أصبح فكرا سكونيا يبدي ويعيد في مشكلات ومعضلات تاريخية بعيدة عن مجريات الحياة العامة والواقع المعيش ـ إلا ما ندر ـ ، بل أفرز لنا زخما من الأسماء والألقاب تجيد العيش في التاريخ وتحنيط الواقع به،ويصعب عليها هضم تجارب الآخرين وإفادة الواقع وإحيائه!!
وهكذا يتضح بجلاء أن مرد هذا الاضطراب يعود بالأساس إلى العقلية القياسية التي حكمت منهج الحركات الإسلامية والفقه التقليدي ،حيث لم يعد مقياس الصحة مرتبطا بحيوية النصوص ومقاصدها الكلية والجزئية بقدر ما أصبح يعتمد على قياس كل ظاهرة جديدة بمثال سابق في كتب السلف، فوقع بالتالي إهمال النظر في فقه المقاصد والتأصيل والتجديد، والجمع بين الدليل القرآني والعياني؛ المسموع والمشهود الذي لا تحيا الأمة الرائدة والحضارية إلا به.

والله ولي التوفيق
عـبدالحكيم
25\12\2005م
Suhel1956@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home