Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Sunday, 26 November, 2006

   

تـساؤلات عـلمية جادة   (1 مِـن 4)

ـ قراءة عـابرة ـ

د. عـبدالحكيم الفيتوري

هناك فريقان من القراء الكرام ربما لديهم بعض المأخذ على طرحي التجديد في تناول تحرير المرجعية ومسائل المنهج والفهم ، فالفربق الأول يزعم أنني لم ألتنزم بالمنهج السلفي في الفهم والاستدلال ، وهذا الفريق للاسف اختار الطعن والتشهير حيال الذي أطرحه، وتكمن إشكالية هذا الفريق أنه لا يفرق بين القيمة والذات، والفكرة والمفكر، والكاتب والكتاب ، أيضا يحاول هذا الفريق دائما تطويق المعرفي بالمعروف، والعلمي بالمعلوم ، ولا شك أن هذه تشير إلى إستفحال داء عضل في العقل والفهم !!
أما الفريق الثاني يزعم أنني منقطع عن متابعة العلوم الانسانية أو عدم الالتزام بمصطلحاتها. وعلى رأس هذا الفريق الاستاذ/ طارق القزيري المحترم ، حيث تناول الفكر والقيمة المعرفية المطروحة عبر مقالاتي بطريقة علمية جادة في مقاله الموسوم(االفيتوري وإشكالية الطرح)، وأنا شاكر له هذه القراءة ، والإثارة العلمية ، واؤكد له ولمن سار على دربه بأنني أؤمن بأنه لا يوجد فكر تجديدي وبجانبه نقد ، بل الفكر التجديدي كله نقد . كما أتمنى أن تسود هذه الروح العلمية والمنازلات الثقافية بين عقلاء ليبيا في الداخل والخارج من اليمين مرورا بالوسط إلى اليسار، فهي كما لا يخفى علامة تحضر وعنوان حضارة. المهم أن جوابي على تسأولات الاستاذ الكريم طارق سوف تكون على مستويين، المستوى الأول قراءة عابرة. والمستوى الثاني قراءة معرفية تشمل الوقوف على الاشكالات الثلاثة التي أبداها الاستاذ طارق وهي (المعرفي ،المفاهيمي، المرجعي).

المستوى الأول : قراءة عـابرة :
1- بدأ الاستاذ طارق مقاله بنفي وجود فكر سياسي إسلامي عد رسالة الدكتور محمد بالروين سلمه الله بالمكتبة الليبية(باستثناء الطرح الذي تقدم به الدكتور محمد بالروين في الفكر السياسي والنظرية الإسلامية في بعدها السياسي ، تخلو المكتبة الليبية من أي إسهام إسلامي فكري ذي بال). والملحظ الأولى أن هذه البداية لا علاقة لها بعنوان المقال من حيث الشكل والمضمون، بمعنى أن السياسة فرع عن منظومة معرفية متكاملة، فمثلا الفكر السياسي الشيوعي نتاج فلسفة معرفية ماركسية، والفكر السياسي الغربي نتاج فلسفة معرفية ليبرالية. لذلك لا يصدق وصف إسلامي على من كتب كتابا حول النظرية الاقتصادية وفق مفردات ومفاهيم ورؤى الفلسفية الماركسية أو ليبرالية. كذلك لو تأملنا جل ما هو موجود في رفوف المكتبة الإسلامية حول النظرية السياسية فأنها تمثل انتاجا حقيقيا لما استقر من منظومة سلفية مبثوثة في كتابات الجويني وأبو يعلى والفراء وابن تيمية وابن قيم وابن جماعة. والذي أقصده أن النظرية السياسية والاقتصادية والاجتماعيه وغيرها تعتبر جزئي من كلي معرفي يدور في فلك منظومة فلسفية متكاملة . علما بأن جل ما جاء في مقالاتي لا علاقة له بالجزئي وإنما يتجه نحو تأسيس معرفي .

2- مفردة الشريعة : قال الاستاذ الكريم طارق: (لأول وهلة تبدو مقاربة الفيتوري عامة تخص فهم الشريعة .. ولكن الأمر سيختـلف حينما نحدد الأفق العـام ، أنها مشغـولة بالفهم وليس بالشريعـة). بادي ذي بدء لابد من تحرير محل النزاع في دلالة لفظة (الشريعة) قبل الشروع في عملية التفكيكي والتركيب. فلو تأملنا في القرآن الكريم نجده أنه استعمل مفردة(الشرعة) و(الشريعة) على غير ما استقر عند جمهور المسلمين، حيث استقر في الأذهان الناس بأن الشريعة يراد بها الكتاب والسنة ، والاجماع ، والقياس، وعمل أهل المدينة ، وأقوال السلف وسياساتهم الخاصة والعامة كما صرح ابن تيمية بذلك إذ قال: (والشريعة إنما هي كتاب الله، وسنة رسوله، وما كان عليه سلف الأمة؛ في العقائد، والأحوال،والعبادات، والأعمال، والسياسات، والأحكام، والولايات، والعطيات). (مجموع الفتاوى). ولعل الاستاذ الكريم طارق تعامل مع مفردة الشريعة بما هو شائع عند الناس، مما يعني ضرورة تحرير هذه المفردة المعيارية من الدلالات والمعاني التي تلبست بها عبر الزمان الغابر، وذلك برد هذه المفردة إلى آخيتها القرآنية، ثم نعيد النظر في مقالاتي لنتحقق مما نسبه إليها !!

أولا: استعمل القرآن الكريم مفردة (الشرعة-والشريعة) بثلاثة استعمالات: الأولى اطلق لفظ(الشرع) على مسائل الإيمان كقوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا...). وفي الثانية استعمل لفظ (الشرعة) بمعنى العبادات والأحكام ما سوى التوحيد ، كقوله: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا). والثالثة أطلق لفظ(الشريعة) على مجموع مسائل الإيمان والعبادات والأحكام كقوله: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون). إذن: مفردة الشريعة في القرآن يراد بها أحكام القرآن في مسائل الإيمان والعبادات والتشريع (قرآن وسنة تشريعية).

ثانيا: يعلم القارئ المتابع لسلسلة مقالاتي أنني حاولت جاهدا ترسيم دائرة الشريعة وفرزها عن غيرها من الدوائر، حتى أنني عبرت عنها بمفردة لا لبس فيها وهي إسلام النص(= القرآن والسنة التشريعية) وميزتها عن غيرها من الدوائر التي ألحقت بها وهي ليست منها؛ ووصفت تلك الدوائر بكلمة إسلام التاريخ (=السنة القيادية الجبلية،اجماع السلف،وما شاكل ذلك). كل ذلك كان تمهيدا لما يأتي من بعد من عناصر معرفية تسهم في تشكيل منظومة معرفية تجديدية في الفهم والاستدلال .

3- فهم الشريعة: قال الاستاذ طارق (مقاربة الفيتوري ... مشغولة بالفهم وليس بالشريعة) قد مر معنا إشكالية التباس مفردة الشريعة وحدودها في ذاكرة جمهور المسلمين ، الأمر الذي جعلني أركز على أهمية فك الاشتباك بين دائرة اسلام النص من دوائر إسلام التاريخ ، لأن عدم فرز إسلام النص من إسلام التاريخ يعني مشكل شائك في الفهم والتزيل. وأحسب أنني بذلت جهدا في إزالة المفاهيم الخاطئة التي نتجت عن إشكالية إلتباس مفردة الشريعة بغيرها ، وذلك من خلال عرض نماذج من الفهوم المشوهة عبر التاريخ ، في أبواب متعددة ، في العقيدة ، والعبادات ،والأحكام، والقصاص ..الخ . وقد أكدت فيها على دائرة فهم الشريعة بإلاستعمال القرآني لا البشري، فقلت في هذا السياق لابد من فهم الشريعة(إسلام النص)عبر النظم الكلي القرآني وإن خالف ذلك فهم الأولين والآخرين. وانتقدت بشدة الذين لا يفرقون بين الشرع والشرح،ولا بين الشارع والشارح ، ولا بين الذات والقيمة، ولا بين الدين واشكال التدين، ولا بين الإلهي والبشري ، ولا بين المطلق والنسبي.(1) وكنت أظن أنني قد تجاوزت حد المصارحة إلى المصارعة !!

4- تاريخية القرآن :
جاء في مقال الاستاذ طارق سؤالا حول تاريخية القرآن فقال: (.. إذ ما هو الموقف من القرآن؟ وهل ثمة نصوص تاريخية في القرآن ... ووجود هذا النص التاريخي القرآني يعني محدودية المفاهيم/ المفاتيح ...) هذا السؤال كما لا يخفى مطروح في عالم الفكر والفلسفة والاستشراق منذ القدم ، فمن الناس من يرى أن القرآن الكريم جملة وتفصيلا صار كلاما إنسانيا بمجرد التكلم به من قبل النبي الكريم،وهي ما تعرف بأنسنة الوحي. ومنهم من يعتبر النص القرآن وثيقة مرحلية لخوض عملية تأسيس الإسلام فترة التزيل ثم انتهت بنهاية تلك المرحلة وصار النص القرآني عبارة عن نص تاريخي ، وقد توسع طلبة الاستشراق لدرجة وصف القرآن الكريم بأنه خرافة واسطورة ، وأنه منتج ثقافي أكتتبه قوم آخرون!! تعالى كلام الله عما يقولون علوا كبيرا.

صفوة القول فأنا لست من هؤلاء ولا من أولئك ، فأنني أؤمن بأن القرآن الكريم ، حق مطلق عبر الزمان وتغير المكان وتقلب الانسان، قد تكفل الله بحفظه كاملا . ولكنني كذلك أؤمن بأنه يوجد به تنوع على مستوى الدلالي والاستدلالي، ومستوى الأخباري والإنشاني . ففيه آيات إيمانية تخص الجانب الإعتقادي، وآيات عبادية تخص العبادات وأحكامها، وآيات تشريعية تخص الحلال والحرام، وآيات أخلاقية تخص الجوانب الأخلافية في الانسان والمجتمع، وأيات علائقية تخص تنظيم العلاقات العامة والخاصة في حالات الحرب والسلم، وآيات قصصية تخص البناء العقلي للسامع لفهم الماضي وإدراك الحاضر واستشراف المستقبل . أيضا فأنني أتصور بأن لهذه الآيات مستويات مختلفة في سلم الاستدلال والاحتجاج . ويمكن الاستئناس بكلام ابن عباس إذ قال: المتشابه يؤمن به ولا يعمل به. وكلام مجاهد وعكرمة : كلما سوى آيات الأحكام والقصص متشابه.

لذلك ينبغي على المؤمن بالقرآن الكريم عليه أن يقف حيال هذا التنوع الآياتي والاختلاف الاستدلالي سوى على المستوى(الأخباري - والإنشائي ) بلتزم أمرين لتحقيق إيمانه بالقرآن، الأول: تصديقه فيما أخبر، والثاني: طاعته فيما أمر. كذلك عليه أن يعلم أن ثمة آيات تفيد الوجوب كالآيات المعيارية في (العقائد، والعبادات، والتشريع) وثمة آيات تفيد الإعتبار والإتعاظ وتسلية الرسول والمؤمنين كالآيات التاريخية (سرد تاريخي، قصصي). فإذا ما تم له ذلك فليضم إلى مصاف الآيات المعيارية السنة التشريعية لأنها مبينة وشارحة لها.

وأحسب أنني قد فصلت في ذلك بما فيه الكفاية حيث ميزت بين دائرة الواجب ودائرة المباح وجعلت ذلك حجر الزاوية في بناء مشروعنا الجديد، وقلت بوضوح لا خفاء فيه في مقالي(جدلية النص والتاريخ): أن عملية التمييز بين إسلام النص وإسلام التاريخ تتبعها العملية التالية وهي لابد من فرز القدر الواجب واللازم من مساحات المباح، ووضع الضوابط والحدود الحاسمة والواضحة لكل دائرة منهما ؛ الواجب والمباح، وهذه العملية تعد حجر الزاوية في بناء العملية التشريعية والفقهية والسياسية برمتها ، إذ أن عدم الفرز ووضع الضوابط والحدود بين دائرة الواجب ومساحات المباح تنشيء حالة من الفوضى الفكرية ، والاضطراب الاستدلالي ، والتدمير العقلي؛ التي تسمح لقبول المتناقضات، والتسوية بين المختلفات، والتفريق بين المتماثلات!! والغريب أن حالة الفوضى هذه وعدم والتمييز والوضوح دفعت بالعقلية المتخلفة التي لا تميز بين دائرة الواجب والمباح إلى عملية تضييق دائرة المباح والسطو والإفتئات والتقليص من مساحاته من خلال إضفاء خصائص(إسلام النص) الواجبة على أقوال وفتاوى وإتفاقات وإجماعات مذهبية عبر تاريخ المسلمين!!(2)

والله ولي التوفيق

يتبع...

عـبدالحكيم
________________________

(1) وجاء في مقالي: (الخلط بين الدين وأشكال التدين في الفكر الحركي) ما يؤكد ذلك حيث قلت: أحسب أن مرد هذا الإشكال إلى عوامل كثيرة منها؛ عدم التمييزالدلالي بين العام والخاص، والمطلق والمقيد، والكلي والجزئي، والقطعي والظني، والعلة والسبب ، والمناط والوصف والقيد، ونصوص الشارع وكلام الشارح، والذي يهمنا في هذا المقال الآخير من هذه الأسباب، وهو عدم إحسان عملية الفرز بين كلام الشارع سبحانه وكلام الشارح، بين نصوص الدين وأشكال التدين.
رابط المقال : http://www.libya-watanona.com/adab/afaituri/af21076a.htm
- كذلك انظر مقالي : (إشكالية القيمة والذات في الفكر الحركي) حيث قلت فيه : علما بأن هذا الإشكال المنهجي في الفكر الإسلامي إن لم نقم بمراجعته ومناقشته مناقشة صريحة وجادة من خلال فرز النص من الاجتهاد ، والقيمة من الذات، وممارسة نقد الذات بما كسبت في الحاضر وعبر التاريخ بأخلاق رفيعة تنزل الناس منازلهم ، فليس لنا أي حصانة من عدم الاصابة بعلل وأمراض الأمم السابقة التي اختلطت عليها القيمة بالذات، والدين بأشكال التدين، وحرمت المراجعة والمناقشة والنقد ، تحت دعاوي لحوم الأحبار والرهبان مسمومة حتى اتخذوهم أربابا من دون الله!!
رابط المقال : http://www.libya-watanona.com/adab/afaituri/af21076a.htm
(2) انظر مقالي : (جدلية النص والتاريخ)
رابط المقال : http://www.libya-watanona.com/adab/afaituri/af07076a.htm


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home