Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 25 February, 2006

الفكر الإسلامي وإشكالية فهم السنة !!

د. عبدالحكيم الفيتوري

في المقال السابق (إشكالية النص والتاريخ) تناولت فيه المرتكزات الأساسية للمراجعة الجادة وهي تحرير إسلام النص من إسلام التاريخ ، وتحديد دائرة الواجب والمباح ، وضرورة التفريق بين الشكل والمضمون في السياسة. وفي هذا المقال نقف وقفة إيضاح وتفصيل لمعنى(السنة: التشريعية، والقيادية، والجبلية)التي وردت ضمن نقطة دائرة الواجب في المقال السابق.(1) فلاشك أن صاحب حق الأوامر الواجبة المحتمة على الخلق هو من خلقهم من عدم (ألا له الخلق والأمر)، فالنص القرآني هو النص اللازم ، والسنة النبوية (التشريعية) تابعة للقرآن مبينة له غير مستقلة عنه(يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك)، (اتبع ما أوحي إليك من ربك). لذا فإن شخص الرسول الكريم - فداه أبي وأمي - قد اجتمعت فيه أبعاد ثلاث(البعد الرسالي:البلاغ عن الله ، وتفصيل وتبيان الكتاب)، (والبعد القيادي: تجاربه الشخصية في إدارة الأعمال القيادية والسيادية في السياسة وحالات الحرب والسلم)، (والبعد الجبلي: كونه بشر عاش بيئة وأعراف وتقاليد معينة في إطار الزمان والمكان). فعدم الفرز وفك الإشتباك بين هذه الأبعاد الثلاثة يعني مضاهاة النص القرآني صاحب الحق في تأسيس الواجب واللازم ، وهنا مكمن الخلل وموطن الداء!!
ومرد هذا الخلل وهذا الإشكال الفكري يعود إلى القرن الثاني ، وعلى وجه التحديد منذ بدايات تدوين وتصنيف السنة النبوية في عهود تمكنت فيها العقلية القبلية من تسير الدولة الإسلامية، وبروز الفرق الإسلامية بأجندتها السياسية، حيث أدخل الحديث؛صحيحه؛وضعيفه؛وموضوعه إلى حلبة العمل السياسي-على الرغم من جهود العلماء الأجلاء في الذود عن السنة-، فمن ذلك التاريخ أخذت السنة منحى ومكانة من الوحي غير الذي عهده الصحابة الكرام عنها حيث كانت في عهدهم تتبع القرآن وتبين مقاصده وتفصل أحكامه، ثم تحولت في الأجيال اللاحقة من علاقة تابع لأصل إلى علاقة بين مثيلين مستاويين في الحجة بل أكثر من ذلك !!كما عبر يحي بن أبي كثير أحد زعماء تلك الفترة عن ذلك بقوله: (إن السنة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنة)!! (الدارمي) وقال عبدالرحمن الأوزاعي:(الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب)(إرشاد الفحول)!! وقال الشافعي: (فإن قال قائل :هل تنسخ السنة القرآن ؟ قيل: لو نُسخت السنة بالقرآن كانت للنبي فيها سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة)(الرسالة)!! ثم شاع عند آخرون أن السنة هي كل ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير بدون فرز ولا تمييز !!

ولاشك أنه بعد هذه العملية التي مرت بها السنة لإخراجها من دائرة التبعية للكتاب، وجعلها اصلا مستقلا عنه ومكافئا له في الاحتجاج ، ثم تدوينها بهذه الإشكاليات المنهجية في بطون المتون والمسانيد والزوائد - وللأسف - دون تمييز بين ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بالبعد الرسالي أو القيادي أو الجبلي، ولا مراعاة لبعد الزمان والمكان، ولا تحديد لنسق علاقة النص السني (الجزئي) بالنص القرآني (الكلي)، ولا تفريق بين الواجب والمباح أدى إلى حالة حيرة وإرتباك وعجز في الفكر الإسلامي على مستوى فهم النص السني ومكانته الاستدلالية من النسق القرآني الكلي، وعلى صعيد الإضافة العلمية الجادة لمصنفات السنة من فرز ومراجعة وإعادة تصنيف، كل ذلك كان سدا منيعا من إمكانية إعادة قراءة نصوص السنة ونظمها في منظومة متكاملة متناسقة مع الكليات القرآنية وفق أداة منهجية مقاصدية تحقق ترابطها الداخلي ، وترتبها ضمن هرم قيمي يمييز الكلي من الجزئي والقطعي من الظني ، ثم تقديمها كمشروع حضاري يتمكن العقل المسلم المعاصر من خلالها الانتقال من القراءة التاريخية التجزئية الإنتقائية التي مزقت النص والصف (الذين جعلوا القرآن عضين) إلى قراءة استقرائية برؤية قرآنية مقاصدية تعيد الأمور إلى نصابها وتعطي كل ذي حق حقه.

لذلك ينبغي أن نؤكد على قضية هامه مفادها : أنه أتي على النص القرآني حين من الدهر لم يكن معه شيئا مذكورا، (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين، وأن اتلوا القرآن ، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين)، وقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ هذا النص القرآني شكلا ومضمونا (إنا نحن نزل الذكر وأنا له لحافظون)، ثم وصفه بأنه نص محكم (كتاب أحكمت أياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)، فقام صلى الله عليه وسلم بتبليغ هذا النص (الوحي)كما أنزل عليه (بلغ ما أنزل إليك من ربك )، ثم فصل وبين للناس ما أنزل إليهم (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) فكانت ولادة النص السني (التشريعي) الذي له سلطة النص القرآني من حيث الإلزام والوجوب قال تعالى(وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).وقد أحيط هذا النص السني الذي يعد من جنس النص القرآني بضوابط وقيود عالية المستوى ، فقال تعالى (ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين).
وفي مقابل هذه القيود والضوابط التي وضعت للنص السني(التشريعي)الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بالرسالة تبليغا وتبيانا كان الاعتراف بالجوانب البشرية لشخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم واعتبارها وعدم إلغائها سواء بسواء مثلا بمثل ؛كإعمال عقله بالاجتهاد وتقدير المصالح ودفع المفاسد ، والاستفادة من تجاربه وتجارب الانسانية في ممارسة الأعمال القيادية والسيادية، ومراعاته الأعراف والعادات الجبلية الفطرية، فقال تعالى(قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي)بشر مثلكم في الأخذ بالعادات الجبلية من مأكل ومشرب وملبس ، واعتبار الأعراف المجتمعية البيئية التي لا تخالف المقاصد الرسالية ... وبشر مثلكم في ممارسة الوظائف القيادية والسيادية في الإدارة والسياسة والحرب والسلم حسب الخبرات والتجارب الانسانية المتاحة ، وقد (اجمع العلماء على جواز اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم عقل، وقد وقع ذلك فعلا كما في مصالحة غطفان مقابل ثمار المدينة ، وفي تأبير النخل بعد قدومه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة).(إرشاد الفحول) ... وقوله (يوحي إلي) هذا هو الفارق الأساسي بين ما صدر عنه بلاغا عن رب العالمين وبين اجتهاده وسلوكه البشري ، وقد أُمر ببيان ما يوحى إليه ، وهذا هو ما اسميناها بالسنة (التشريعية) التي لها سلطة الوحي في الوجوب والإلزام كقوله(صلوا كما رأيتمون أصلي) و(خذوا عني مناسككم) ونحوه، أما ماعد ذلك مما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بالبعد القيادي أو الجبلي فهو في دائرة المباح والاجتهاد البشري (لهم وليس عليهم)(2) .
ويبدو جليا أنه قد اجتمع في شخص رسول الله – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - أبعاد ثلاثة (البعد الرسالي، والبعد القيادي، والبعد الجبلي)، فكانت السنة(التشريعية، والقيادية، والجبلية)، فالأولى لازمة لعلاقتها الوثيقة ببيان الرسالة الإلهية، والآخرين في دائرة المباح لعلاقتهما بالجوانب الاجتهادية والتجارب والخبرة البشرية، وقد كان ذلك واضحا في عهده صلى الله عليه وسلم فقد قال له الحباب ابن المنذر يوم بدر:(يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولانتأخر عنه؟أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة)!! وهذا عبدالله ابن عباس سأله سائل قال: يزعم قومك أن رسول الله رمل بالبيت، وأن ذلك سنة؟ فقال صدقوا وكذبوا. قلت: ما صدقوا وما كذبوا؟ قال:صدقوا ، رمل رسول الله بالبيت، وكذبوا، ليس بسنة...).(رواه مسلم) ومعنى ليس بسنة؛ أي ليست واجبة ، لأنها صدرت منه بمنطق القيادة والسياسة حيث أراد إيصال رسالة سياسية معينة لقريش الجاهلية ، فهي سنة قيادية ولا شك في دائرة المباح. وكذلك مارواه البخاري عن ابن عباس في التحصيب أنه قال: (ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ). فالنزول في ذلك المكان في موسم الحج ليس لازم على الحاج، وإنما منزل نزله صلى الله عليه وسلم مصادفة بمنطق الانسانية الجبلية !! (3)

وعلى الرغم من وضوح هذه القضية المنهجية في العهد الأول وإدراكهم لما صدر عنه صلى الله عليه وسلم وعلاقة ذلك بالنص القرآني ، فإن هذه العلاقة لم تلبث أن تحولت عبر الاجيال اللاحقة من علاقة تابع بأصل إلى علاقة بين مثيلين متساويين، ثم إضفاء صفة الإلزامية على أغلب ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بالفعل القيادي أو الفطري الجبلي (السنة القيادية، والسنة الجبلية) حتى صارت كلمة السنة في العقل المسلم مترادفة لمعاني الوجوب والإلزام!! وياليتهم توقفوا عند هذا الحد ؛ بل تأسس على هذا القدر من السنة المباحة (القيادية؛والجبلية) كليات أصولية وقواعد فقهية تفيد الوجوب والإلزام!! فقلبوا بذلك سلم الأولويات راسا على عقب حتى صارت القاعدة الأصولية أو الفقهية، أو رأي المذهب ، أو رأي الجمهور حكما على دلالات النصوص ومعانيها التي لا تنفد (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر، ما نفدت كلمات الله)، وعلى هذا المنطق المغلوط والمقلوب قامت أطوار التخلف الفكري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي!!(4)
وبعد.
فهل من مشمر، فهل من صاحب همة، فهل من ذي عزيمة لنصرة سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم؟!
والله ولي التوفيق.

عـبدالحكيم الفيتوري
Suhel1956@yahoo.com
________________________________________________

1. الأساتذة الكرام الذين اسهموا في إثراء هذه المقالات بالمناقشة العلمية عبر الهاتف والإميل، لهم مني جزيل الشكر والتقدير.
2. لهم وليس عليهم، أي للناس الإقتداء به صلى الله عليه وسلم في ذلك، وليس واجب عليهم .
3. انظر في هذا الصدد: تقسيم ابن قتيبة في كتابه تأويل مختلف الحديث، والقرافي في كتابه الفروق ، كذلك الإمام شلتوت، وابن عاشور وغيرهم، علما بأن تقسيم السنة إلى (تشريعي، وقيادي، وجبلي) فهذا خاص بي.
4. أرجو أن أكون قد تمكنت من إيصال خلاصة هذا المشكل الفكري للقارئ غير المختص، وعذري للقارئ المختص على الإيجاز وعدم التوسع في ذكر الأدلة، والاسهاب في الشرح، فلكل مقام مقال .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home