Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 22 December, 2006

   

حقيقة نزول عـيسى عـليه السلام في القرآن!!

د. عـبدالحكيم الفيتوري

حقيقة هذه المقالات الثلاث(نزول عيسى عليه السلام في القرآن)و(نزول عيسى عليه السلام في التوارة والانجيل)و(نزول عيسى عليه السلام في الأحاديث)هي دراسة وافية قمت بها بعد نقاش منطقي مع بعض الزملاء النجباء في العام الماضي بمناسبة عيد الميلاد(الكرسمسChristmas)،وقد أرتئيت أن أنشر مقتطفات من هذه الدراسة بمناسبة عيد ميلاد هذا العام ، القصد منها تقرير أهداف منهجية ثلاثة،أولها:أن القرآن الكريم حق مطلق،وحكم فصل(إنه لقول فصل،وماهو بالهزل).ثانيهما:نقد متون الأحاديث بردها إلى أصول القرآن الكريم (وإنه لكتاب عزيز،لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه).ثالثهما:فرز الحقائق الإيمانية من المنتجات البشرية التي تأثرت بالجانب الخيالي والأسطوري المعتمد والسائد في ثقافات تلك العصور،والتي شوشت بصورة ما على مكانة القرآن الاستدلالية والتوجيهية والإلزامية(وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) !!
في هذا المقال نتحدث عن المنهج القرآني في تقريره بمنطقية واضحة لحقيقة عيسى ابن مريم عليه السلام منذ الولادة إلى الوفاة .ثم نتناول بعض تأويلات هذا الخطاب القرآني المنطقي من قبل الأذهان المشحونة ببعض روايات الآحاد.

أولا :المنهج القرآني في تقرير حقيقة عيسى عليه السلام :
اعتمد النظم الكلي القرآني في عرضه لحقيقة عيسى عليه السلام من قبل ولادته إلى وموته بأساليب متنوعة كالإطناب والإسهاب والإيجاز في سورة آل عمران كان الإيجاز في قصة الحمل بمريم عليها السلام وولادتها وتسميتها ثم اصطفائها وتكفيل زكريا إياها.وفي سورة مريم كان الأطناب حيث جاء ذكر أصطفائها واختارها لمهمة الحمل بعيسى،ومجيء الملك،ثم فترة الحمل،ثم الولادة،ثم تسميته بالمسيح عيسى ابن مريم،ثم تكلمه في المهد.وفي سورة آل عمران والنساء والمائدة فقد كان الاسهاب في ذكر المعجزات التي جرت على يد المسيح.ثم كان الإيجاز في قصة محاولة قتله وصلبه،والتأكيد على وفاته وموته ورفعه.واللافت للنظر على الرغم من أن القرآن استعمل كل الأساليب البلاغية من إطناب وإسهاب وإيجاز في قصة عيسى لم يذكر رجوعه إلى الدنيا ولم يعدها من مناقبه ولم يعتبرها من معجزاته المتعددة والمتنوعة التي تم تسجيلها في النص الخاتم الذي تكفل الله بحفظه(إنا نحن نزل الذكر وإنا له لحافظون)!!.ويمكن لنا بعد هذه المقدمة المؤجزة الانتقال من الإيجاز إلى الإطناب في تفصيل النظم الكلي القرآني وكيف قرر الحقيقة العيسوية وأبطل الخرافة الاسطورية التي أعتمدها أهل الكتاب ثم انتقلت إلى المسلمين !!
-أصطفاء آل عمران:( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين،ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم،إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني ، إنك أنت السميع العليم ، فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى،وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ).
-اصطفاء مريم:(وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين).
-تكفيل زكريا لها:(فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا).
- البشرى بعيسى:(إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والأخرة ومن المقربين).
-بعث جبريل لنفح الروح:(فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا...قال كذلك، قال ربك هو على هين ، ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا).
-الحمل بعيسى:(فحملته فانتبذت به مكانا قصيا).
- حالة المخاض به:(فأجاءها المحاض إلى جذع النخلة ...).
-ولادته:(فأتت به قومها تحمله..).
-مريم وقومها:(قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا..).
-عيسى يكلم الناس في المهد:(فأشارت إليه،قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا).
-عيسى يكلم الناس كهلا :( ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين).
-معجزاته:( ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم ، أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ، وأبريء الأكمه والأبرص وأخي الموتى بإذن الله ، وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم...).
-التكليفات الشرعية:(إن الله ربي وربكم فاعبدوه).(قال إني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبيا،وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصنى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا).(وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا).
-عيسى يبشر بمحمد من بعد وفاته:(وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد).
-محاولة قتله:( وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم).
-اختلاف الناس في قتله:(وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه،ما لهم به من علم إلا اتباع الظن،وما قتلوه يقينا.بل رفعه الله أليه).
-وفاته ورفعه:(إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ..).
-شهادة القرآن بموته:(إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ...). (..وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم،فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليم).وقد استدل رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية على وفاته وعدم مسؤوليته على أمته من بعده بوفاة عيسى، فقال:يا أيها الناس ، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا ... ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال،فأقول:يا رب أصيحابي، فيقال:إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.فأقول كما قال العبد الصالح(وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم،فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ).(صحيح البخاري ،فتح الباري)
- شهادة القرآن بعدم رجوع الأموات إلى الدنيا أبدا:(قال فيها تحيون ، وفيها تموتون ، ومنها تخرجون)،(إنك ميت وإنهم ميتون)،(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم..)،(وحرام على قرية أهلكناها أنهم إليها لا يرجعون)وقد ذكر مسلم في صحيحه المحاورة التي كانت بين المولى عز وجل والشهداء(... قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا ... فيقول الرب جل جلاله: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون).(تفسير ابن كثير) (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ... الحق من ربك فلا تكن من الممترين)( ذلك عيسى ابن مريم ، قول الحق الذي فيه يمترون)
- نهى القرآن عن الغلو في عيسى:(ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ،إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فأمنوا بالله ورسله ، ولا تقولوا ثلاثة، انتهوا خيرا لكم ، إنما الله إله واحد ، سبحانه أن يكون له ولد ...)،(ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمة صديقة ، كانا يأكلان الطعام ، انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أني يؤفكون)،( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ).

واللافت للنظر أن النظم الكلي القرآني على الرغم من ذكره لمعجزات عيسى عليه السلام الكثيرة والمتنوعة ومزاياه المتعددة لم يذكر من ضمنها معجزة نزوله في أخر الزمان،وقد لفت هذا الغياب نظر ابن عاشورفقال:ولم يتعرض القرآن في عد مزاياه إلى أنه ينزل في آخر الزمان. بل والأعجب من ذلك أن يذكر القرآن الكريم خروج الدابة في آخر الزمان تكلم الناس(وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)ولا يذكر مجيء عيسى وقيادته للناس وحسمه للصراع مع قوى الشر في آخر الزمان وهو أهم من خروج الدابة !!
ولا أظن أحدا يؤمن بالقرآن أنه كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن عليم خبير حكيم ؛ يريد مزيدا من البيان والشرح في هذه المسألة(كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)،(ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون)،(.. وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ، أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين..).
هذا بالنسبة لقارئ القرآن خالي الذهن من تلك الروايات التي تخبر عن نزول عيسى في آخر الزمان ،ولكن قارئ القرآن مشحون الذهن بتلك الروايات أحسب أنه في حيرة من أمره إما أن يقبل بالمنهج القرآني الكلي الذي يقرر موت عيسى وأنه لن يرجع .أو ييفتح باب تأويل الكلي القرآني لحساب روايات الأحاد المخالفة للنظم الكلي القرآني ،وصحيح الاستدلال،وصريح الاعتقاد !!

ثانيا: تأويل النظم الكلي القرآني لصالح روايات آحادية:
فهذا حال من ينظر إلى القرآن وهو مشحون الذهن بتلك الروايات الأحادية فأنه لا يمكنه أن يتعاطى مع نظم آي القرآن الكريم على أسس كلية تفيد العموم والاطلاق،والإحكام والقطع ، فيرد إليها الجزئي ويصدر من خلالها ،وما شذ عنها فهو حكاية حال وقضية عين لا عموم لها ولا إطلاق .ومرد هذا الإشكال المعرفي أسباب متعددة ليس هذا مجال ذكرها بالتفصيل، ولكن في مجملها تحوم حول تلك المناهج البشرية التي رفعت من صرح العقل القياسي الذي يتعاطى مع الجزئي دون مراعاة الكلي،والحرفي دون الكلي المقاصدي مما جعل عملية التعامل مع آي القرآن بطريقة مفككة كأنها جزر مفصولة بعضها عن بعض(وجعلوا القرآن عضين)سمة ذلك العقل والمنهج الكلاسيكي، فسهلت عملية تأويل النص الجزئي القرآني لصالح أقوال بشرية واجتهادات مذهبية وتأويلات طائفية ،مما جعل هذا المسلك يعود على كثير من الأصول القرآنية بالشبهات ،كالتشكيك،أو بإيقاف مفعولها،أو بأبطال دلالاتها جملة وتفصيلا !! فلنأخذ بعض تجليات هذه العقلية لتتضح الصورة وتكتمل.

نماذج من هذه التأويلات :
أولا :
تأويل قوله تعالى:(إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ...الآيات)فتأول بعضهم معنى(الوفاة) بوفاة نوم،وقال آخرون:يعني إني قابضك.وقال كعب ما كان الله عز وجل ليميت عيسى ابن مريم .. فأوحي الله إليه (إني متوفيك ورافعك إلي)، وليس من رفعته عندي ميتا.ثم قال كعب الأحبار: وذلك يصدق حديث رسول الله حيث قال: كيف تهلك أمة أنا في أولها ، وعيسى في آخرها.(انظر:تفسير الطبري)تأمل الاعتماد على تفسيرات كعب الأحبار!! والواضح أن الذى دعاهم إلى تأويل معنى الوفاة وصرفها على ظاهرها وحقيقتها ما ورد في خبر أحاد عن(أبي هريرة)نصه كالذي ذكره(كعب)أنفا.لذلك رأوا تأويل معنى الآية أولى من تأويل حديث(كعب+أبوهريرة) !!

1-وبشيء من إمعان النظر في مفردة(الوفاة)من خلال النظم القرآني نجد أنها مغايرة تماما لما ذهب إليه القوم،فمثلا الوفاة في قوله تعالى:(إني متوفيك)ظاهر معناه كما يقول ابن عاشور:إني مميتك،هذا هو معنى هذا الفعل في مواقع استعماله لأن أصل فعل توفي الشيء أنه قبضه تاما واستوفاه...ويطلق التوفي على النوم مجازا بعلاقة المشابهة في نحو قوله تعالى:(وهو الذي يتوفاكم بالليل)،وقوله(الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى)أي وأما التي لم تمت الموت المعروف فيميتها في منامها موتا شبيها بالموت التام كقوله(هو الذي يتوفاكم بالليل– ثم قال- حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا)فالكل إماته في التحقيق ، وإنما فصل بينهما العرف والاستعمال،ولذلك فرع بالبيان بقوله:فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى. فالكلام منتظم غاية الأنتظام ، وقد اشتبه نظمه على بعض الأفهام.وأصرح من هذه الآية آية المائدة:(فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم)لأنه دل على أنه قد توفي الوفاة المعروفة التي تحول بين المرء وبين علم ما يقع في الأرض،وحملها على النوم بالنسبة لعيسى لا معنى له،لأنه إذا أراد رفعه لم يلزم أن ينام؛ولأن النوم حينئذ وسيلة للرفع فلا ينبغي الاهتمام بذكره وترك ذكر المقصد،فالقول بأنها بمعنى الرفع عن هذا العالم إيجاد معنى جديد للوفاة في اللغة بدون حجة ....ولذلك قال ابن عباس ووهب بن منبه: إنها وفاة موت وهو ظاهر قول مالك في جامع العتبية:قال مالك : مات عيسى وهو ابن إحدى وثلاثين سنة.قال ابن رشد في البيان والتحصيل : يحتمل أن قوله : مات وهو ابن ثلاث وثلاثين على الحقيقة لا على المجاز .(انظر:التحرير والتنوير لابن عاشور)

2-وبمراجعة مفردة(الرفع)في الآيتين نجد أنها جاءت بعد مفردة(الوفاة)مما يدل على أن الوفاة هي الموت المعروف والرفع رفعة مكانة،ففي آل عمران(ورافعك إلي)بعد قوله:(إني متوفيك)فدل ذلك على أن الرفع جاء بعد التوفي،والظاهر أنه رفع المكانة لا رفع الجسد،خصوصا أنه جاء بعد استيفاء أجله كما ذكر المفسرون،ثم تلاه ..التطهير من الكافرين..(ومطهرك من الذين كفروا).وفي آية النساء(بل رفعه الله إليه)أخبارا عن تحقيق الوعد الذي تضمنته الآية الأولى،وقد كان هذا الوعد بالتوفية والرفع والتطهير من الذين كفروا،فإذا كانت الآية الثانية قد جاءت خالية من التوفية والتطهير،واقتصرت على ذكر الرفع إلى الله فإنه يجب أن يلاحظ فيها ما ذكر في الأولى جمعا بين الآيتين .والمعنى أن الله توفي عيسى عليه السلام ورفعه إليه وطهره من الذين كفروا .
ويؤيد أن الرفع كان بمعنى رفع منزلة وكرامة هو منهج القرآن في استخدامه لمفردة(الرفع)بذات المعاني كما في قوله تعالى:(في بيوت أذن الله أن ترفع) و(نرفع درجات من نشاء)و(رفعنا لك ذكرك)و(رفعناه مكانا عليا)و(يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)و(إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه). كذلك جعل الذين اتبعوه فوق الذين عارضوه(وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا)فالمراد بالفوقية هنا أن رفعة منزلة وعلم وبرهان.ومن جنس هذا قولنا(لحق بالرفيق الأعلى)بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم،كذلك قوله تعالى(عند مليك مقتدر)فكل هذه المفردات لا يفهم منها سوى معنى الرعاية والحفظ والدخول في كنف الله.فإذا كان ذلك كذلك فمن أين تؤخذ كلمة السماء من كلمة إليه(بل رفعه الله إليه)؟!! (انظر:الفتاوى، للإمام الأكبر محمود شلتوت)

3-ولا يفوتني في هذا المقام أن أذكر بالقاعدة المشهورة:(إذا اجتمعتا افترقتا، وإذا افترقتا اجتمعتا)،وتطبيقات ذلك؛فمثلا إذا اجتمعت كلمة الإيمان والإسلام في القرآن في سياق واحد كقوله تعالى:( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين،فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) يعنى أن مفردة الإيمان في هذا السياق غير مفردة الإسلام ،فمفردة الإيمان تشير إلى معنى حقيقة الإيمان،ومفردة الإسلام تشير إلى معنى ظاهر الإسلام.فأنت ترى حين اجتمعت الكلماتان افترقتا في المعنى.بيد أنهما إذا افترقتا في السياق اجتمعتا في المعنى،فالإيمان هو الإسلام إذا افترقا في السياق القرآني.كذلك تتجلى تطبيق هذه القاعدة على مفردة(الكفر والشرك)في القرآن حالة الافتراق وحالة الاجتماع،وأيضا مفردة(الوفاة والموت)،(النوم والوفاة)حالة الافتراق والاجتماع.

ثانيا : تأويل قوله تعالى:(وإن منكم إلا ليؤمن به قبل مؤته)أختلف أهل التفسير في إعادة الضمير في قوله تعالى (قبل مؤته)منهم من قال : يعود على عيسى، اي إلا ليؤمن بعيسى قبل موت عيسى.نصر هذا المذهب أبو هريرة والحسن وقول لابن عباس. ومنهم من قال أن الضمير يعود إلى الكتابي وليس لعيسى وهو القول الثاني لابن عباس وعكرمة وغيره من العلماء.(ورجح جماعة هذا المذهب بقراءة أبي بن كعب(إلا ليؤمن به قبل موتهم)أي أهل الكتاب.(راجع:فتح البارى شرح صحيح البخاري) ونصر هذا المذهب النووي وغيره وجمهورة من المتأخرين،كالإمام محمد عبده،ورشيد رضا،والإمام شلتوت، والمراغي،وابن عاشور،وسيد قطب وغيرهم .

ثالثا : تأويل قوله:(وإنه لعلم للساعة فلا تمترون بها واتبعون)اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله(وإنه)وما المعني بها،ومن ذكر ما هي، فقال بعضهم هي من ذكر عيسى،وهي عائدة عليه.وقالوا:معنى الكلام:وإن عيسى ظهوره علم يعلم به مجيء الساعة، لأن ظهوره من أشراطها،ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا، وإقبال الآخرة.(انتصر لهذا المذهب:ابن عباس ومجاهد وقتادة).وقال آخرون:الهاء التي في قوله(وإنه)من ذكر القرآن،وقالوا:معنى الكلام:وإن هذا القرآن لعلم للساعة يعلمكم بقيامها،ويخبركم عنها وعن أهوالها.(انظر:تفسير الطبري)
وأحسب أن مرد هذا الإشكال يعود إلى عدم وضوح المنهج المعرفي للتعامل مع آي القرآن الكريم والذي أشرت إليه آنفا بسيطرت العقل التجزيئي في التعامل مع النظم القرآني الكلي.والغريب أن هذا المشكل ليس طاريء بل هو متجذر في العقل الكلاسيكي القياسي.فلو أردنا قراءة آية الزخرف(وإنه لعلم للساعة)من خلال نظم السورة ومقاصدها الكلية لأسفرت تلك القراءة عن النتائج التالية،أولا السورة مكية بمعنى لم يكن ثمة أهل كتاب،ثانيا:من أهم أغراض السورة كان التحدي بإعجاز القرآن على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به،فكان التذكير بالقرآن والتنويه به في مواضع عدة،(حم،والكتاب المبين،إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون،وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكم...وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم...ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين...فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم،وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون...وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون،هذا صراط مستقيم..).ثالثا: لو أردنا إعادة ضمير(وإنه لعلم للساعة)عبر النظم الكلي القرآني كما مر معنا لعاد إلى كلمة(القرآن)لأن التأكيد على القرآن كان من أهم أغراض السورة جملة كما مر معنا.
كذلك لو أعدنا تناول ضمير(وإنه لعلم للساعة)من زاوية آخر أي باعتبار السياق والسباق واللاحق القرآني فأننا نجد أن البداية كانت من قوله(ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون...)وهي عطف قصة من أقاصيص كفرهم وعنادهم على ما مضى من حكاية أقاويلهم،جرت في مجادلة منهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.وهذا تصدير وتمهيد بين يدي قوله:(ولما جاء عيسى بالبينات ..)الآيات الذي هو المقصود من عطف هذا الكلام على ذكر رسالة موسى عليه السلام .ثم أشارت الآية(إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل)إلى إبطال الذين زعموا عيسى عليه السلام ابنا لله تعالى،لكونه عبدا لله أنعم الله عليه بالرسالة وأنه عبرة لبني اسرائيل.ثم جاءت الآية(وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون ، هذا صراط مستقيم).والأظهر –كما قال صاحب التحرير والتنوير-أن هذا عطف على جملة( وإنه لذكر لك ولقومك)ويكون ما بينهما مستطردات واعتراضات اقتضته المناسبة .ولما أشبع مقام إبطال إلهية غير الله بدلائل الوحدانية ثني العنان إلى إثبات أن القرآن حق،عودا على بدء.وضمير المذكر الغائب في قوله:(وإنه لعلم للساعة) مراد به القرآن وبذلك فسره الحسن وقتاده وسيعد بن جبير،فيكون هذا ثناء ثامنا على القرآن، فالثناء على القرآن استمر متصلا من أول السورة آخذا بعضه بحجز بعض متخللا بالمعترضات والمستطردات ومتخلصا إلى هذا الثناء الأخير بأن القرآن أعلم الناس بوقوع الساعة. ومعنى تحقيق أن القرآن علم للساعة أنه جاء بالدين الخاتم للشرائع فلم يبق بعد مجيء القرآن إلا انتظار انتهاء العالم . وهذا معنى ما وري من قول الرسول صلى الله عليه وسلم : بعثت أنا والساعة كهاتين ، وقرن بين السبابة والوسطى مشيرا إليهما. والمشابهة في عدم الفصل بينهما .ثم أشارت الآية(ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ، فاتقوا الله واطيعون..)وبهذا يتضح أن هذا هو المقصود من ذكر عيسى عليه السلام فهو عطف على قصة إرسال موسى !!

رابعاً: تأويل قوله:( يكلم الناس في المهد وكهلا)تأول بعض الناس هذه الآية بما يوافق الحديث الأحاد الذي ينص على نزول عيسي آخر الزمان،فقالوا:يكلم الناس في المهد أي في فترة حياته،ويكلم الناس كهلا، أي في فترة نزوله من السماء!! والحقيقة أن الانجيل أنزل على عيسى وهو ابن ثلاثين سنة،كما قال ابن كثير، والآية خصته بتكليمه في حالين:حال كونه في المهد،وحال كونه كهلا،مع أنه يتكلم فيما بين ذلك،لأن لذينك الحالين مزيد اختصاص بتشريف الله إياه فأما تكليمه الناس في المهد فأنه خارق عادة إرهاصا لنبوءته.وأما تكليمهم كهلا فمراد به دعوته الناس إلى الشريعة.فلا حجة لأؤلئك المتأولون الذين يلوون أعناق آي القرآن الكريم لتوافق أخبارا أحادية !!

ولا شك أن مآل هذا المنزع التأويلي للكلي القرآني لصالح أقوال البشر وأخبار الأحاد يعود على الأصول قرآنية بالإبطال والإفساد ومن ذلك:هيمنة القرآن الكريم على الكتب السابقة،وأنه الكتاب الخاتم كما وصفه الله جل في علاه(وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه).(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا).وأن محمدا خاتم النبيين والمرسلين(وخاتم النبيين).فنزول عيسى يعني مخالفة هذا النص الصريح،ونزول عيسى ببعض الأحكام التشريعية مخالفة صريحة لهيمنة القرآن وإحكامه !!

لذلك ينبغي على بعض الفضلاء الذين يعتقدون بأن عيسى سوف يأتي ويحكم بالقرآن،فليعيدوا قراءة متون الأحاديث التي تنص على أن عيسى سوف يأتي بأحكام جديدة كوضع الجزية،ويقتل الخنزير،ويقتل القرد،ويكسر الصليب ...الخ ،وليعلموا أن هذا الاعتقاد مخالف لصريح أصول القرآن،بل ناسخ لها،أليس نقرأ في القرآن حكم الجزية،وعدم قتل الخنزير،والقرد،وعدم الأمر بكسر الصليب؟!! كذلك فيعلم هؤلاء الفضلاء المتأولين بأن المسيح لم يأت لليهود بشريعة جديدة ولكنه جاءهم بما يزحزهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسى ويوقفهم على فقهها والمراد منها،بمعنى أن الانجيل تابع وفرع عن التوراة وليس مستقلا عنها وبالرغم من ذلك وصفه القرآن بوصفه كتابا وشريعة مستقلة(مصدقا لما بين يدي من التوراة).ومن هنا فإن الاعتقاد بأن عيسى سيكون في آخر الزمان بدون كتاب أحسب أنه اعتقاد ساذج وسطحي !! يتبع ...

عـبدالحكيم


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home