Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 21 July, 2006

مراجعـات في فقه الجماعـات الاسلامية :
مفاهـيم الابتـلاء ، أدب المحنة والتدين
(*)

د. عبدالحكيم الفيتوري


الجبرية والقدرية المسيطرتان علي عـقول منظر الاسلاميـيـن ادت الي تحريـف معـنى الابتلاء في الديـن.
شعار الاسلام هو الحل الصقت به شوائب جعلته جزءاً من الداء وليس عين الدواء.. وطرفا في المشكلة.
                             د. عبدالحكيم الصادق الفيتوري ـ الفكر الإسلامي بين إشكالية النص والتاريخ!!

هذه مقاربة فكرية في بعض الاطروحات التي قدمتها الحركات الاسلامية، ضمن ما صار يعرف في ادبياتها
بـ الفقه الحركي، والباحث عبدالحكيم الفيتوري يقدم قراءة جديدة لها ويعرضها علي محك النقدالفكري، ويموضعها في اطار النص الديني. ويكشف تحليله عن بعض العيوب والنواقص في هذا الفهم الحركي
التي يرى انها بحاجة للمعالجة.
ومقاربته مفتوحة للنقاش وتعبرعن وجهة نظره، ونحن نرحب بأي تعليق او نقد او نقض لها. القدس العربي(*)

مصطلح الابتلاء عند الحركيين!!

ثمة مفاهيم ينبغي مراجعتها وتصحيحها ضمن منظومة الفكر الاسلامي عند الاسلاميين، فمن تلك المفاهيم، مصطلح (الابتلاء) الذي أصابه شيء من التحريف في معانيه من جراء سيطرة العقلية القدرية والجبرية علي بعض عقول الاسلاميين، حيث صار هذا المصطلح بمعانيه المغلوطة عند البعض كشماعة تعلق عليها الأخطاء والانتكاسات والفشل الذي يقع لهم في مسيرة عملهم الحركي. كذلك باتت هذه المفاهيم المشوهة ملاذا آمنا لهم من تعرضهم للمساءلة والمحاسبة وترسا واقيا لارتكاب الأخطاء والانتكاسات من جديد، بل والعجيب أن تصبح هذه المفاهيم المغلوطة شعارا لكثير من الذين يمارسون العمل الاسلامي، وتعتبر من الاضافات الحقيقية للفكر الاسلامي فيضفي علي هذه المفاهيم اسماء رنانة كفقه الابتلاء، وآداب المحنة، وتكتب كتب لتأصيل ذلك في عقول الاسلاميين؛ كالبوابة السوداء وغير ذلك من الرسائل المعروفة، ثم تتوج هذه المفاهيم بملاحم شعرية وقصائد حماسية شعارها (ضع في يدي القيد، ألهب أضلعي، ضع السكين علي عنقي)!!ولربما يقول قائل كيف هذا، والاسلام سن سنة الابتلاء، والأنبياء أوذوا، والصحابة عذبوا، وهذه طبيعة الطريق؟! وهذا كلام صحيح ولا غبار عليه، ولكن لننظر الي فهم الرسول الله صلي الله عليه وسلم لمصطلح (الابتلاء)، فقد كان ينظر اليه بأنه حالة استثنائية في مسيرة الدعوة، لذا فانه كان حريصا كل الحرص علي أن يوفر لدعوته سبلا آمنة لوصولها الي الناس، ويمهد لأتباعه مجالات العيش بسلام مخافة الوقوع في الفتنة والافتتان، فاختار السرية عن العلنية كي لا يكون هناك صدام يعرض فيه الدعوة للاستئصال والاتباع للافتتان، واعتمد نهج طلب الحماية والمنعة من مؤسسات الجاهلية آنذاك (القبائل) لتبليغ دعوته وحماية اتباعه، ولجأ الي مبدأ الجوار (اللجوء السياسي) ليحقق ذات المقصد، ثم كان خروجه الي الطائف بحثا عن الأمان وتجنبا للوقوع في الابتلاء، وعندما تراءت له الحبشة مكانا آمناً يأمن فيه أصحابه الكرام من الوقوع في المحنة والابتلاء، ثم كانت هجرته الي المدينة عندما تحققت له عوامل نجاح دعوته، ونجاة أصحابه من الفتنة والابتلاء، فقال لهم: ان الله عز وجل قد جعل لكم اخوانا ودارا تأمنون بها )كما قال تعالي:( ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم وأمنتم، وكان الله شاكرا عليما .
ولا شك أن مصطلح الابتلاء من خلال سيرة المصطفي صلي الله عليه وسلم يشير اشارة واضحة إلي الابتلاء كان حالة استثنائية في حياة الرعيل الأول وليس أصلا كما يصوره بعض الدعاة الحركيين، الذين جعلوه أصلا يبني عليه غيره، ومجالا للتباهي والتفاخر بين الجماعات، فكلما كثرت أعداد المعتقلين، والمقتولين، والشهداء، والمبعدين في الجماعة كان عنوانا لصحة ايمانها، وصوابية مسيرتها، ووضوح استراتيجيتها!!
وبهذه المفاهيم القدرية والجبرية التي أحاطت بمصطلح الابتلاء، ومدي تمكنها من حيثيات فكر الحركيين، كانت نسبة سقوط مبدأ محاسبة القيادة داخل الحركة، ومساحة المراجعة في مسيرة الحركة واستراتيجياتها، ومجالات التجديد والخروج من التقليد!! مما حاد بالمصابين بلوثة القدرية والجبرية من الميل الي المحافظة علي الفلكور الحركي والقيادي والفقهي داخل اطار الحركة، والرغبة في الحصول علي مقاعد دائمة في صالة انتظار الابتلاء المغلوط، بدلا من اعادة فهم النصوص مجتمعة، ومعرفة الواقع، والسعي للحصول علي قدر كبيرمن الحماية والمنعة مما هو متاح في عالم الوسائل، والسياسة، والتخطيط الاستراتيجي، كما فعل رسول الله صلي الله عليه وسلم!!
ولعل نظرة سريعة في حجم ما تركه هذا المفهوم المغلوط من آثار سلبية في سجل المنتمين اليه في واقعنا المعاصر ـ أظن ـ أنها كافية بأن تفتح مجالات المراجعة واعادة النظر في برامج كثيرة، وأفكار عديدة، ووسائل مختلفة داخل أصحاب هذا الفكر!!
خذ علي سبيل المثال علي نطاق الفرد كما ترك هذا المفهوم المغلوط من مآسٍ حيث يفتن الفرد في ايمانه بقهر السجون، أو ذل المنفي. وعلي المستوي العائلي من تمزق وتفكك في البيوتات حيث كثرت الأرامل والأيتام. أو علي صعيد المؤسسات من تدميرها بتركها واخلائها من الفضيلة وتوسيع دائرة الرذيلة، أو علي صعيد المجتمع من تمزيقه وعدم التأثير الايجابي فيه، من ابراز قيادات ابداعية، أو انتاج فكري راق!!
وأحسب ان لم تفتح هذه الآثار السلبية والمدمرة مجالات للمراجعة واعادة النظر في مسائل عديدة داخل الجماعات، أن يأتي أناس في زمن من الأزمان يصفون الذين ساهموا في وقوع هذه الآثار السلبية بأنهم معتدون يجب تقديمهم للمسألة، فيؤخذوا عليها حينئذ بالنواص والأقدام!!

شعار (الإسلام هو الحل) عند الحركيين!!

من مسلمات الايمان أن نؤمن بأن الاسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، وهو الحل الشافي والمنقذ للبشرية في كل زمان ومكان، وهذا القدر لا مجال لمناقشته البتة، بل مناقشة شعار يرفع في أقطار شتي من الأرض منذ سقوط الدولة العثمانية، حيث أريد به تطبيق الاسلام وتحكيمه وتجييش الأمة خلفه، ولا يخفي أن هذه أهداف سامية وجليلة، ولكن الاشكال أن هذا الشعار رفع بمعزل عن الفهم الصحيح لمعانيه، وبدون وعي كامل لابعاده وتصور مكتمل لمرحليته، ولا امتلاك لوسائل تحقيقه، ناهيك عن القدرة علي تنفيذه كمشروع عملي لاخراج الأمة من أزماتها المتنوعة والمتعددة!! فصار هذا الشعار في الواقع كالدواء الذي يصرف بمعزل عن ارشادات الطبيب المختص، حيث تعومل معه علي أساس أنه دواء فقط، بدون معرفة صحيحة لمكوناته، وكيفية استعماله، ومقدار جرعاته، ولأي الأمراض هو، فاستخدم بطريقة خاطئة فكانت نتائجه سلبية علي المريض، وانقلب الدواء الي داء، والمشكلة آنذاك ليست في تناول الدواء، بل في طريقة استعماله والتعاطي معه!!
وأحسب أن شعار (الاسلام هو الحل) كشعار قد أصابه شيء من ذلك التشويه، حيث أن الاسلام كقيم ومباديء دواء ناجع لكل ما تعانيه الأمم من ظلم وتخلف وقهر واستبداد (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقي) فهو يحمل في طياته قيم التوحيد، والعدل، والمساواة، ويمنح حق الحريات، ويحفظ الكرامة الانسانية، ويصون المثل الحضارية. الا أن شعار (الاسلام هو الحل) قد الصقت به شوائب شتي ومتنوعة مما جعله جزء من الداء وليس عين الدواء، وطرفا في المشكلة وليس حلا لها كما تصوره رافعوه، ومرد هذه الشوائب الخطيرة جملة من المفاهيم المغلوطة التي أحاطت به، منها، عدم تحرير نصوص الاسلام من الفهم التاريخي، وفصل القيم عن الذات، وكلام الشارع عن الشارح، وقيم الدين وأشكال التدين. كذلك العفوية في ايقاع أحكام الاسلام علي غير مناطاتها وعللها، مما زاد من حالة الالتباس والارتباك في الفكر والواقع، وهيج أجواء الارهاب والمطاردة لكل محاولة للاصلاح والتجديد.
ومنها اقامة شخوص ورموز للتدين المغلوط وإضفاء شيء من العصمة عليها، فصار الحديث بنقد أو تقويم أو مراجعة لهؤلاء الشخوص والرموز تعني انتقاصاً لقيم الاسلام ومبادئه المطلقة، الأمرالذي جعل رافعي شعار (الاسلام هو الحل) في حالة ارتباك وعجز فاضح عن فك الاشتباك بين الشارع والشارح، وبين القيمة والذات، مما أدي الي تجرئة خصومهم علي قيم الاسلام ومبادئه سرا وعلانية، فزاد الطين بلة، وتأزمت حالة الأمة من سيء الي أسوأ، كل ذلك من جراء عدم الفهم الصحيح، وممارسة النقد والمراجعة، والتجديد والاجتهاد!!
وبنظرة متأنية في مسيرة قرن كامل من العمل والتضحيات، تضعك أمام حقيقة حجم النتائج والحلول التي تحققت خلال هذه المسيرة مقارنة بالجهد الذي بذل، فلا شك أنه لا يوجد تناسب بين النتائج والجهود التي بذلت علي صعيد الفهم والفكر، والتأصيل والتنظير، أو علي مستوي الواقع وتغييره، وتأسيس النموذج الحضاري الذي يمتثل قيم الالتباس في مفهوم الفروض الكفائية عند الحركيين!!
لقد قام السبيل في علم الاصول بأن الفروض في الاسلام علي مرتبتين، مرتبة الواجب العيني والكفائي، فالواجب العيني: هو المفروض علي كل شخص مكلف بعينه، كالصلاة والزكاة والصيام، وأداء الأمانة، والوفاء بالتزامات العقود، وما الي ذلك، وهو منظور الي فاعله بالذات أصالة. والواجب الكفائي: هو فعل يقصد الشارع حصوله في المجتمع، دون نظر الي فاعل معين بالذات، فاذا قام به البعض سقط الاثم عن الباقين. أما الواجب العيني، فلا ينوب مكلف عن مكلف في أدائه، ولا تبرأ ذمة كل مكلف الا بأدائه هو لما كلف به عينا.
وفي اطار هذا التعريف تعامل الفقه التقليدي والفكر الحركي مع فروض الكفاية المدونة في كتب الأصول ومراجع الفقه عبر الأمثلة التي اختزلت الفروض الكفاية في بعض جوانب المناسك، كصلاة الجنازة، وغسل الميت وتكفينه، ثم تشييعه وتقبيره، وهو ما يسمي بـ (فقه الجنائز أو الميت) الذي صار فيما بعد الحد الفاصل والمثال الناجع بين الكفائي والعيني الذي ينبغي أن يقاس عليه علوم الاستخلاف (اني جاعل في الأرض خليفة) ويوزن به فقه الحياة (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، كالاجتهاد والتجديد، والصناعة والتعمير، والادارة والتخطيط، والسياسة والاعلام، والاقتصاد والحماية التي جعلت فروضا كفائية !!
أضف الي ذلك أن العقل التقليدي والحركي المعاصر تلقف تلك الصور المغلوطة لفقه فروض الكفاية وتحرك بها وهو يحمل علي عاتقه شعار (ضرورة بعث الأمة واحيائها) كل ذلك بفقه الجنائز والموتي، وأدوات الغسل والتكفين، والردم والتقبير!! بل إنه لم يجد حرجا في أن يتعامل مع هذه الصور المغلوطة بمعزل تام عن تصور صحيح لتلك الأجواء التي تم فيها تدوين هذا الفقه وتلك الأمثال المضروبة لفروض الكفاية، أي من حيث حجم علاقة أصحاب هذه المدونات بالأمراء، ودورهم في السياسة وممارسة الوظائف السيادية، ومدي تأثير نظرية الزهد في هذه المدونات تأصيلا وتمثيلا، وعلاقة هؤلاء الزهاد بقضايا المجتمع والتغيير الاجتماعي والانقلاب السياسي، ومقدار تأثير العزلة والعقلية الفردية علي مصنفات الفقيه ومعالجاته!!
ولا يخفي أن تلقف العقل الحركي لاشكالية فروض الكفاية بفقه (الميت) وبمعزل (عن معرفة البيئة وعلاقة أصحاب المدونات بالسياسة وقضايا المجتمع) أحدث اشكاليات كثيرة وعاهات مستديمة قد تبدو للوهلة الأولي أنها لا علاقة لها بمفهوم الكفائي، وذلك كاضطراب مفهوم العبادة ومجالاته وشمولية دلالاته، واللبس والالتباس في تمييز السنة التشريعية والقيادية والجبلية، وتضخيم فروض الكفاية في المناسك وفقه العبادات واضمحلال ذلك في علوم الاستخلاف وفقه الاحياء، وتورم فروض الكفاية الفردية والمذهبية وتلاشي ذلك علي مستوي الأمة والبشرية، حتي صار هذا الاضطراب بين الفرض الكفائي والعيني الفردي والجماعي، والالتباس بين الواجب والسنة سمة ظاهرة في حراك الحركي ومنهجه التقليدي تجلي ذلك من خلال توصيفه وتكييفه للواقع، واضطرابه في اختيار وسائله ومناهجه التغييرية، وارتباكه بين القديم والجديد، بين الانفتاح والانغلاق، وأخيرا حيرته في اقباله وادباره في علاقته مع خصومه!!

الخلط بين الدين وأشكال التدين في الفكر الحركي!!

لا يخفي علي دارس للفكر الاسلامي خاصة في جانبه الحركي والسياسي أنه يخلص الي أن ثمة اشكالاً في جانب الفهم والتطبيق؛ من حيث فهم دلالات النصوص وأبعادها، وتحرير مناطاتها وعللها، ومن ثم ايقاع الدلالات علي مناطاتها الصحيحة علي الوقائع، وأحسب أن مرد هذا الاشكال الي عوامل كثيرة منها؛ عدم التمييز الدلالي بين العام والخاص، والمطلق والمقيد، والكلي والجزئي، والقطعي والظني، والعلة والسبب، والمناط والوصف والقيد، ونصوص الشارع وكلام الشارح، والذي يهمنا في هذا المقال الأخير من هذه الأسباب، وهو عدم احسان عملية الفرز بين كلام الشارع سبحانه وكلام الشارح، بين نصوص الدين وأشكال التدين في مجالات الحركة والسياسة، طبعا لا مجال للحديث عن الجانب التعبدي النسكي.
ومن هذا المنظور أري أن الفكر الاسلامي في جانبيه (الحركي والسياسي) يمر بمرحلة من أصعب مراحله من حيث تنوع البيئات التي يعمل فيها، والمجالات التي يتحرك من خلالها، وسرعة الأحداث العالمية وتشابك أسبابها وتعقدها لدرجة تصعب معها المتابعة ناهيك عن التحليل والتطوير، مما يحتم علي أهل الفكر والاجتهاد فرز جملة من القضايا الحركية والسياسية، واجراء عمليات الفرز والفك، ثم التحليل والتركيب لتلك الحزم من القضايا الأساسية في السياسة والحركة، وتحرير ما هو نص قطعي الدلالة لا يحتمل غيره وما هو ظني، وبين الفهم المتفق عليه والمختلف فيه، وبين اشكال التدين التي تعضدها دلالات النصوص والتي أملتها ظروف البيئة وعوامل تقدير المصالح ودرء المفاسد، ولكن هذه العملية الهامة والضرورية والخطيرة في آن واحد ينبغي أن يتناولها من هم أهل للبحث والتدقيق، والأمانة والدين.
والمدخل لهذه العملية لا بد من الاعتماد علي قاعدة هامة مفادها أن تحمّل الشريعة يدور علي منهجين لا غني لأحدهما عن الآخر، منهج فهم النص ، ومنهج تطبيقه، فمنهج الفهم يقوم علي الاستكشاف والتجريد والتعميم، وأما منهج التطبيق فهو يهدف الي اجراء الأحكام المجردة علي واقع المستجدات والأوضاع بملابسات وعوامل المتغير الذي لا ينضبط بالمنطق المجرد الثابت، وكل ذلك جار وفق ضوابط عملية؛ تخريج؛ وتنقيح؛ وتحقيق المناط المعروفة عند أهل الأصول والمقاصد. وقد عبر الشاطبي عن هذين المنهجين بعبارة جامعة رائعة فقال: فهم النص وتحقيق مناطه، وعبر عنهما ابن القيم: فهم الرواية وعلم الدراية وانزال احداهما علي الأخري والا يحدث شذوذا في الفتوي.
وعلي ضوء هذا يمكن فرز نصوص الدين من أشكال التدين في فضاءات الفكر الاسلامي السياسي التي وردت الينا عبر التاريخ الاسلامي، فقد وردت نصوص قرآنية وسنية عامة في مجالات الفكر السياسي والحركي تدين بها السلف بصور متعددة وفهمت بطريقة تتناسب وزمانهم ومكانهم وانسانهم الذي عاش تلك الحقبة، حتي أنهم أدرجوا بعض تلك الاشكال والصور في كتب العقائد واستدعوا عليها دليل الاجماع، كما قال امام الحرمين في مقدمة كتابه غياث الامم : فما أجدر هذه السدة المنيفة بمجموع يجمع أحكام الله تعالي في الزعامة بين الخاصة والعامة ليكون شوف الرأي السامي قدامه وأمامه فيما يأتي ويذر أمامه. ثم تتأبد فائدته الي قيام القيامة )غياث 48 ـ 49)، وقد جاءت مباحث في كتاب العقيدة الطحاوية، والمواقف للايجي وغيره تشير الي عمق التدين بتلك الاشكال والصور الاجتهادية!!
وبعد هذه التوطئة العلمية وجدت أن كتب أعلام السلف قد زخرت بصور وأشكال من صور التدين، فكانت فكرة القريشية، وانماط الحكم، وأنواع ولاية العهد والتوريث، وبيعة المتغلب التي صارت الأصل في الولاية، حتي قال محمد بن عبدالوهاب (فلا جرم قد صار العمل علي هذا والاتفاق) (الدررالسنية :9/29)!!، وتحت هذا الاتفاق علي ولاية المتغلب صودرت قيمة الشوري شكلا ومضمونا، وتقلص دورها ومجالها لدرجة أن البيعة الكبري أصبحت تنعقد للرضيع في مهده، بل تنعقد بالواحد دون الأمة ونوابها!! كما قرر ذلك الجويني بقوله: ان بايع رجل واحد مرموق كثير الاتباع والاشياع، مطاع في قوم، وكانت بيعته تفيد ما أشرنا اليه ـ من نصرة الامام وحمايته ـ انعقدت الامامة (88)، وبذلك تمهد السبيل الي نزع حق الأمة عامة والنساء خاصة في أخص آدميتهم، من حيث ممارسة السياسة والحركة والحراك الاجتماعي؛ كتنصيب الامام وتعيينه، ومحاسبته وعزله، والمشاركة الفاعلة في حراك المجتمع السياسي، وسنن التدافع بين الخير والشر، والصواب والخطأ، يقول الجويني: فما نعلمه قطعا، أن النسوة لا مدخل لهن في تخّير الامام وعقد الامامة فانهن ما روجعن قط، ولو استشيرت في هذا الأمر امرأة لكان أحري النساء وأجدرهن بهذا الأمر فاطمة رضي الله عنها، ثم نسوة رسول الله أمهات المؤمنين، ونحن بابتداء الأذهان، نعلم أنه ما كان لهن في هذا المجال مخاض في منقرض العصور ومكرّ الدهور، وذلك لا يناط هذا الأمر بالعبيد، وان حازوا قصب السبق في العلوم، ولا تعلق له بالعوام الذي لا يعدون من العلماء وذوي الأحلام، ولا مدخل لأهل الذمة في نصب الأئمة، فخروج هؤلاء عن منصب الحل والعقد ليس به خفاء. (الغياث81)
وقد يكون لأولئك الأسلاف تأويل ومخرج. يسعفهم في تدينهم بتلك الصور والاشكال المغلوطة، وليس هذا بيت القصيد ولا محل الاشكال والمعالجة في هذا المقال، ولكن الاشكال الحقيقي يكمن بأن تقدم هذه الصور والانماط والمفاهيم والاشكال من التدين الي الأجيال اللاحقة علي أساس أنها من الدين، بل من معالم أهل الايمان والمنهج القويم الذي ينبغي المحافظة عليه وتدريسه في قاعات الجامعات ومحاضن الجماعات، علي الرغم من تغير أبعاد المعادلة بالكامل (الزمان، والمكان، والانسان)، ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل أعطيت هذه الأنماط والمفاهيم والاشكال ما للنص القرآني والسني من قوة استدلالية من حيث القداسة والعموم والاطلاق عبر الزمان والمكان والانسان ـ وان لم تعط لها نظريا فانها تتمتع بها فعليا ـ وهنا يكمن الخلل، ويستفحل الداء، ويصعب الدواء، ويختلط الحابل بالنابل، وكلام الشارع بكلام الشارح، وهذا هو بيت القصيد ومربط الفرس!!
لذلك فان اشاعة هذه الاشكال والانماط من التدّين بطريقة المثاقفة والمدارسة، ومحاولة تعميم فلسفتها بدون نقد وفرز، وتقديمها للأجيال علي اساس أنها من الثابت والمحكم، وأنها من سمات ومعالم المنهج القويم لفهم الدين السليم، قد فتحت مجالات رحبة؛ ومناخات واسعة للاستبداد داخل الفكر الحركي، وممارسة شرسة لقمع الشوري وقيمها وأخلاقها وتضيق مجالاتها، وابعاد الأمة جملة وتفصيلا، وتجريم المرأة وسلب حقوقها في التنظير والممارسة(3)، واغتيال ما تبقي من قيم العدل والاجتهاد والتجديد،واحياء العقلية الذرائعية؛ عقلية التسويغ والتبرير، واذاعة روح العبودية، وأنه ليس في الامكان أفضل مما كان، وما ترك الأول للآخر شيئا، فكانت النتيجة ـ كما ترون ـ صورا من ألوان طيف التخلف الحركي في الفكر والسياسة، والمدافعة والممارسة في الواقع والمواقع.
والمحير والمقلق أن الحركات الاسلامية تضم في صفوفها خيرة عقول الأمة في كل المجالات الا أنها قد ابتليت بقيادات لا تضع لمنهج الفهم والتطبيق اعتبارا، ولا تعرف لقواعد التمييز بين الاسلام وتاريخ المسلمين ميزانا، بل تغفل عن هذا المتطلب الأساسي للنهوض بالأمة، متوهمين أن اخلاص العزم في الأخذ بأحكام الشريعة، والاحتماء بتجارب الأسلاف، وانماط التاريخ، كفيلة بنهوض الأمة وتغيير حالها الي أحسن حال. وفي تقديري أن الفكر الحركي بهذه العقلية المتخلفة قد يشهد نكسة شديدة حينما لا تؤدي مفاهيمه الي مقاصده لسوء فهمه وتطبيقه المغلوطين، لذا فان لم تجر عملية التغيير القيادي، والتجديد المفاهيمي، والتطوير الوسائلي، قد يصبح حالهم كمن يبني قصرا ويهدم مصرا!!
ومن هنا ينبغي ممارسة عملية النقد والتقويم الذاتي، والفك والتركيب، والفرز والتمييز بين ما حقه الاطلاق والعموم والقداسة وبين طرق التدين وأشكال التدّين، بغية التحول والتطور والارتقاء بالفكر والوسائل، ومن ثم احياء الأمة الواعية الراشدة، مما يحتم علي العقلاء في الحركات الاسلامية الواسعة تجديد القيادات التي أصبحت مع الزمن جزءا من الواقع المتأزم، وهي بطبيعة الحال قيادات مرحلة ايقاظ وتحريض، وشحذ الهمم، وقرع الأجراس، وليست قيادات مراحل هدم وبناء، وتجديد واجتهاد، ووضع رؤي واستراتيجيات!! علما بأن الخطورة كل الخطورة أن تستمر قيادات مرحلة قرع الطبول بكل ضجيجها وبأشخاصها، علي الرغم من تبدل الظروف، وتغير الأحوال، وتجدد المسؤوليات، وتنوع المواقع!!
وأحسب أننا ان لم نقم بتلك العملية نكون قد حكمنا علي أنفسنا بالعجز وعدم الأهلية، وهذا هو الغياب الرهيب عن الشهود الحضاري، والغيبوبة عن الوعي، وباختصار شديد انه يعني أن يصير الماضي هو المستقبل، وصور التدين هو الدين، ويظل الافتتان بالتاريخ والعيش فيه هو البديل عن التعامل مع الحاضر، واستشراف المستقبل.

مفهوم نعمل وليس علينا النتائج عند الحركيين!!

نحن مطالبون بالعمل وليس بالنتائج له أبعاده السلبية التي استقرت في عقل الحركي وفكره مما أدي الي ظهور اعوجاج فاضح في سلوكه، وخطل بين في تخطيطه ورؤاه، واملاق في الآثار والنتائج!!
بيد أن هذا المفهوم كغيره من المفاهيم تم تسجيله في ذاكرة الحركي بطريقة مشوهة، وادخاله في أبجديات الفكر الحركي وأدبياته بمضامين سلبية غير مسؤولة، وذلك من خلال قراءة خاطئة لجملة من النصوص الكريمة، كقوله تعالي: انك لا تهدي من أحببت وقوله: وان الله يدافع عن الذين آمنوا وقوله: ان الأرض يرثها عبادي الصالحون . فاذا كان الله سبحانه هو الهادي، فلماذا اجهد نفسي في الأخذ بأسباب هداية البشرية ومتابعة نتائج تلك الأسباب!؟! واذا كان الله سبحانه هو الذي يدافع عن المؤمنين، فلماذا ابحث عن مكامن قوتي ونقاط ضعفي، أو امكانيات توفير أساليب الحماية وطرق الوقاية ومسارب الدفاع؟! واذا كان الله سبحانه هو الذي يورث أرضه، ويقيم دولة القرآن، فلماذا افكر في خطة قيامها، وتحديد زمانها ومكانها، وتعيين وسائل انجازها في اطار (متي، وأين، وكيف)؟!! ما دام الله سبحانه وتعالي يورث أرضه لمن يشاء من عباده، ويهب دولته لمن شاء من خلقه، وهي منة منه سبحانه وتعالي وليس بجهد جهيد وفكر رشيد، كما عبر عن ذلك أحد الزعماء الحركيين الذين تربوا علي هذه المفاهيم المغلوطة الجبرية القدرية، حيث قال مخاطبا اتباعه (دولة الاسلام لا تحتاج الي تفكيركم ولا الي تخطيطكم، لا تفكروا لدولة القرآن فإنها قائمة لا محالة)!! وصرح زعيم آخر بأن (أقيموا دولة القرآن في قلوبكم تقم علي أرضكم) هكذا بكل بساطة وسذاجة!!
والغريب أننا في مقابل هذه المفاهيم السلبية، وهذا الطرح الانسحابي، وهذه العقلية القدرية الجبرية، نجد طرحا جادا فاعلا يأخذ بعين الاعتبار عملية الربط بين الايمان بالغيب ونواميس الكون، وبين العمل والنتيجة، والسبب والمسبب، وذلك من خلال الطرح اليهودي الذي قام عليه مؤتمر بازل في سويسرا، والذي قال فيه تيودور هرتزل ومن حوله من الاقطاب أن دولة اسرائيل ستقوم بعد خمسين سنة في اطار (متي، وكيف، وأين)، وقامت بالفعل في هذا الوقت الذي حددوه لها! والعجيب أيضا أن هذا الفهم (ربط العمل بنتائجه) هو عين ما قررته جملة نصوص الكتاب والسنة التي أمرت باستفراغ الجهد، وتقديم أقصي الممكن في عالم التخطيط، والاسباب والوسائل عند الشروع في أي مشروع، لكي يؤتي هذا الجهد ثماره ونتائجه المرجوه( انظرالي عمل النبي صلي الله عليه وسلم في مرحلة الدعوة والتأسيس، والدولة والتمكين).
ولا يخفي أن عدم تحديد معالم العمل زمانا ومكانا، وتقدير النتائج الناجمة عن هذا العمل كما وكيفا، أو عدم الأخذ بالأسباب الكاملة، أوالتملص منها والتقصير فيها تحت أي مسمي، ثم تحميل النتائج السلبية الناجمة عن هذه العقلية القدرية الجبرية للأقدار (قدر الله ما شاء فعل) تعتبر جريمة شنعاء، تحرم صاحبها النتائج أبدا، وتوقعه في المصائب ابدا حتي يراجع نفسه (ان الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم)، لأن الله سبحانه وتعالي من حكمته أنه قد أجري هذا الكون العظيم علي سنن ونواميس ثابتة (فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا) وهذه السنن لا تعرف الا من أخذ بها ولا تحابي في ذلك أحدا مؤمنا كان أو كافرا (كلا نمد هؤلاء، وهؤلاء، من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا) ولهذا لما قصر اولئك الأخيارمن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يوم (أحد) في استفراغ الجهد،والاخذ بعالم الأسباب والتخطيط، وتلمس سنن الكون ونواميسه؛ في جزئية من جزئيات معركة ولم يكن ذلك منهجا ولا سمتا لهم،كانت نتيجة المعركة تميل لكفة خصمهم الذي أخذ بسنن ونواميس الكون في تلك المعركة، ولأهمية ذلك سجل لنا القرآن الكريم هذه الحادثة، فقال أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها، قلتم أني هذا!! قل هو من عند أنفسكم !!فاذا كان ذلك في زمان ليس به دوائر، ومراكز، وجامعات تقدم الاستشارات الادارية، والمواد العلمية، والدورات الاستراتيجية، والدوريات الانسانية وغير ذلك، فكيف ونحن نعيش اليوم عالما يقدم علوما منضبطة في الادارة، والتخطيط، والتفكير الاستراتجي الذي يرسم الأهداف الغائية، والعامة، والخاصة، والوقائية،والبديلة، ويتم ضبط ذلك باطار زمني عام مجزء الي أزمان جزئية لكل مرحلة، ثم يأتينا من يقول: (نحن نعمل فقط، والنتائج ليست علينا، قد تأتي بعد عام أو بعد مائة عام، المهم العمل)؟!!!
وبهذا الفهم القدري الجبري تتدثر بعض القيادات الفاشلة، فيصير لهم وقاية من المحاسبة والمساءلة، وذريعة للتملص من العجز والفساد خلال عشرات السنن، ويا ليت هذا الفهم المغلوط توقف عند هذا الحد، بل قدم الي الاتباع بأنه دين وفهم سليم!! وبالتالي، فاذا كان هذا الفهم المغلوط دينا وفهما سليما هل يحق للاتباع مراجعة القيادات الفاشلة عن حصاد عشرات السنين، وهل يمكن للزعامة الفاشلة أن تمثل أمام محكمة يسألون فيها عن سبب تأخر النصر، وعدم التمكين والاستخلاف ؟!!
أليس من المحزن والمخزي أن كل الأعمال اليوم تخضع للمنهجة والتخطيط، حتي مجالات بيع السندويشات والبيتزا، وتبقى أمور الدعوة واقامة أمر الله سبحانه تسير بالاعتباط والارتجال والعفوية؟!!

ـ باحث أكاديمي مختص في شؤون الفكر الإسلامي مقيم ببريطانيا
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "القدس العربي"، 3 مارس 2006م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home