Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 18 August, 2007

         

مقاصد اختلاف الدارين (4)

د. عـبدالحكيم الفيتوري

أ- التعاملات الربوية والعقود الفاسدة
جرى العرف في كتب التفاسير والفقه على الاستدلال بقوله تبارك وتعالى (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه... الآية).(النساء:161)بأنه دليل على حرمة التعامل بالربا بين بني اسرائيل وغيرهم،وأن الكفار مخاطبون بفروع شريعة.ولكن الناظر في الآية الكريمة وفي سياقها وسباقها ولحاقها،يجد أنها تشير إشارات متفاوتة كلها تقوي الأخذ بالقول القائل أن الشرائع اعتبرت للإنسان المؤمن بها قيمة ملّية ،كذلك للمكان الذي يقطنه وتظله أحكام السماء فيه،من حيث سريان الأحكام،وولاية السلطان .

فمثلا قوله تعالى في آية النساء:(وأخذهم الربا وقد نهوا عنه).(النساء:161)فإن السياق والسباق واللحاق جميعا يتجه نحو فهم فحوى نص الآية على تحريم التعامل الربوي بين بني اسرائيل دون غيرهم ، وذلك لاعتبار القيمة الملية التي تعتمدها شرائع السماء لاتباعها في زمن التنزيل والأحكام،وهذه الفهم يمكن معرفته من خلال نصوص التوراة المتضافرت في ذلك ، حيث جاء في سفر الخروج(22:25):( إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي ، ولا تضعوا عليه ربا ).وفي سفر الأوابين (الأحبار)(25:3):(وإذا افتقر أخوك وقصرت يده عندك فاعضده غريبا أو مستوطنا فيعيش معك ، لا تأخذ منه ربا ولا مرابحة بل أحش الهلك فيعيش أخوك معك ، فضتك لا تعطه بالربا وطعامك لا تعطه بالمرابحة).وفي سفر تثنية الاشتراع(23:19):(لا تقرض أخاك بربا ، وربا فضة أو ربا شيء ما مما يقرض بربا ، للأجنبي تقرض بربا ، ولكن لاخيك لا تقرض بربا) (1) .

وهذا الفهم قد أمّه ابن عاشور في تفسير آية النساء(وأخذهم الربا وقد نهوا عنه) والذي يجدر سرده في هذا المقام ، قال :( وأخذهم الربا الذي نهوا عنه) ؛هو أن يأخذوه من قومهم خاصة ويسوغ لهم أخذه من غير الإسرائليين كما في الإصحاح23 من سفر التثنية:(لا تقرض أخاك بربا، ربا قضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يقرض بربا.للأجنبي تقرض بربا). والربا محرم عليهم بنص التوراة في سفر الخروج في الإصحاح 22:( إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عنك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا)(وأكلهم أموال الناس بالباطل) أعم من الربا فيشمل الرشوة المحرمة عندهم ، وأخذهم الفداء على الأسرى من قومهم، وغير ذلك).(2)

-إشكال وتفسير :
يشكل على بعض الفضلاء حالة التوفيق والتوجيه بين قوله تعلى:( وأخذهم الربا الذي نهوا عنه) (النساء:161)وقوله تعالى(ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الآميين سبيل )(آل عمران:75)ومرد هذا الإشكال الخلط بين التعامل بالعقود الفاسدة بالتراضى وعمليات الغدر والخيانة ،فإن الغدر والخيانة ،والغش والتحائل محرم في كل الحالات حيث تضافرت نصوص الكتاب والسنة على تحريمه بأي وجه كان ،وكذلك جاء اتفاق علماء المذاهب -دون إستثناء- على تحريم ذلك ،وفلسفة هذا التحريم بأنه يعد من الحقوق والواجبات الأصلية بين الناس كافة على أختلاف أديانهم وألوانهم وأجناسهم ،لذلك لا يعد من المؤاساة التي عادة ما تفرضها ملة على اتباعها دون غيرهم باعتبار القيمة الملّية التي تضفيها الديانة على اتباعها ،وعلى الرغم من وضوح هذه المسألة عند العلماء والفقهاء نجد، أن بعض الجهلاء والمقلدة من المسلمين قد اعتمدوا على فتاوى بعض الفقهاء الذين أجازوا التعامل بالعقود الفاسدة كالربا والبيوعات الفاسدة في غير دار الإسلام ،وجعلوا ذلك أصلا للغدر والخيانة مع غير المسلمين ،وقالوا(ليس علينا في الأميين سبيلا)!!

وهذا كما لا يخفى قول باطل جملة وتفصيلا، وجهل فاضح بالشريعة،لأن التعامل بالعقود الفاسدة بين مسلم وغيره في غير دار الإسلام بالتراضي بينهما وفق وقوانين وأعراف سائدة في تلك البلاد ؛ فهذا أمر ،والغدر والخيانة أمر آخر تماما حيث لا يوجد وجه شبه ولا علاقة بين بيع وشراء بالتراضي وخيانة وسرقة وتحائل ،فالفرق بينهما عظيم والبون شاسع،وقد ذم الله تعالى الذين يغدرون ولا يؤدون الأمانة، بل يستحلونها بالغش والخيانة بزعمهم أن ذلك من الديانة،فقال:(ومن أهل

الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما، ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون).(آل عمران:75)قال الإمام أبو جعفر الطبري:( وهذا خبر من الله عز وجل:أن من أهل الكتاب–وهو اليهود من بني إسرائيل-أهل أمانة يؤدونها ولا يخونونها ،ومنهم الخائن أمانته ، الفاجر في يمينه ، المستحل).(3)
وقال صاحب العلامة رشيد رضا بهذا الصدد:( فكأنه يقول إن استحلال هذه الخيانة جاءهم من الغرور بشعبهم والغلو في دينهم فإن ذلك يستتبع احتقار المخلف احتقارا يهضم به حقه الثابت في المعاملة).(4)
ثم رد على الذين استحلوا المخالف ولم يفهموا كلام الفقهاء الذين قالوا بجواز التعامل بالعقود الفاسدة التي لا تحل في دار الإسلام كالربا والبيع الفاسد مع غير المسلم في داره ،فقال:( ولكن هؤلاء الفقهاء لا يحلون الغش ولا الخيانة ولا السرقة ولا الكذب والإحتيال لذلك ، وإنما يقولون بجوز أكل ماله برضاه في مثل تلك العقود، علىأن المسألة خلافية لم يتفق الفقهاء عليها . فلينظر المسلم الصادق المستنير بالدليل إلى سوء مغبة التقليد ، وكيف أنه إستلزم الاجتهاد الباطل إذ صار الجاهلون من المقلدين يقيسون أكل المال بالغش والخيانة والسرقة على أكله بالعقود الفاسدة مع التراضي وبينهما فرق عظيم ).(5)
ويوضوح علامة ابن عاشور مرد ذلك الخلط إلى عدم التفريق بين الحقوق والمؤاساة عند مقلدة وعوام أهل الكتاب وأهل الإسلام ،حيث ذكر ذلك عند شرحه لقوله تعالى:( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ،ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون)(آل عمران:75)،فقال:( وأياما كان فقد أنبأ هذا عن خلق عجيب فيهم ، وهو استخفاهم بحقوق المخالفين لهم في الدين ، واستباحة ظلمهم مع اعتقادهم أن الجاهل أو الأمي جدير بأن يدحض حقه . والظاهر أن الذي جرأهم على هذا سوء فهمهم في التوراة ، فإن التوراة ذكرت أحكاما فرقت فيها بين الإسرائيلي وغيره في الحقوق ، غير أن ذلك فيما يرجع إلى المؤاساة والمخالطة بين الأمة ، فقد جاء في سفر التثنية الإصحاح الخامس عشر:(في آخر سبع سنين تعمل إبراء يبرئ كل صاحب دين يده مما أقرض صاحبه.الأجنبي تطالب ، وأما ما كان لك عند أخيك فتبرئه) وجاء في الإصحاح 23 منه:( لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام وللأجنبي تقرض بربا) .

ولكن شتان بين الحقوق وبين المؤاساة ؛ فإن تحريم الربا إنما كان لقصد المؤاساة ، والمؤاساة غير مفروضة مع غير أهل الملة الواحدة . وعن ابن الكلبي قالت اليهود:الاموال كلها كانت لنا ، فما في أيدي العرب منها فهو لنا ، وإنهم ظلمونا وغصبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم ، وهذا الخلقان الذميمان اللذان حكاهما الله عن اليهود قد اتصف بهما كثير من المسلمين ، فاستحل بعضهم حقوق أهل الذمة ، وتأولوها بأنهم صاروا أهل حرب ، في حين لا حرب ولا ضرب ).(6)
ولعله بهذا التمييز بين مفهومي المؤاساة والحقوق ،والتفريق بين التعامل بالمعاملات الربوية وفق القوانين السائدة وتحريم الغدر والخيانة يمكن لهذه الورقة أن تسهم بشكل ما إلى تحقيق مفاهيم المواطنة بأبعادها الإيجابية في إطار(التوطين،والتأثير،والتأثر الإيجابي)والتي تأسس إلى عملية الإندماج الطبيعي بين المسلم وغيره عبر دوائر مكونات المجتمع في الغرب،مع مراعاة الخصوصيات الدينية(الملّية) لكل ملة.

-قرائن ومتابعات في هذه المسألة:
لا يخفى أنه في حادثة العباس وتعامله بالمعاملات الربوية في غير دار الإسلام ، في مكة المكرمة قبل فتحها خير شاهد على ذلك ، على الرغم من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم بتعامله ذلك ولم ينهه إلا عندما فتحت مكة وصارت دارا إسلامية ، وكانت سيادة الشريعة وسلطان الرسول صلى الله عليه وسلم يمارس في تلك الجهة والحيز المكاني ، كما فقال صلى الله عليه وسلم : وأول ربا أضعه ربا العباس تحت قدمي.(7)
قال السرخسي تعليقا على حادثة العباس:( لأن العباس رضي الله عنه بعد ما أسلم رجع إلى مكة ، وكان يرابي ، وكان لا يخفي فعله عن رسول الله فما لم ينهه عنه دل أن ذلك جائز ، وإنما جعل الموضوع من ذلك ما لم يقبض حتى جاء الفتح ، وبه نقول وفيه نزل قوله تعالى:( وذروا ما بقي من الربا ).(8)أيضا قال ابن رشد:( وفي هذا ما يدل على إجازة الربا مع أهل الكفر في دار الكفر ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف لأن مكة كانت دار كفر وكان العباس مسلما إما من قبل بدر على ما ذكره ابن اسحاق ، أو من قبل فتح خيبر إن لم يصح ما ذكره ابن إسحاق).(9)

كذلك قال أبو جعفر أحمد الطحاوي تعليقا عن حادثة مراباة العباس في مكة:( فكان في ذلك ما قد دل على أن الربا قد كان بمكة ، قائما لما كانت دار كفر حتى فتحت ، لأن ذهاب الجاهلية إنما كان بفتحها ، وكان في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:( أول ربا أضع ربانا ،ربا العباس بن عبد المطلب). فدل ذلك أن ربا العباس قد كان قائما حتى وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه لا يضع إلا ما قد كان قائما ، لا ما قد سقط قبل وضعه إياه .وكان فتح خيبر في سنة سبع من الهجرة ، وكان فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، وكانت حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة.ففي ذلك ما قد دل أنه قد كان للعباس ربا إلى أن كان فتح مكة ، وقد كان مسلما قبل ذلك ، وفي ذلك ما قد دل على أن الربا قد كان حلالا بين المسلمين وبين المشركين بمكة لما كانت دار كفر ، وهو حينئذ حرام بين المسلمين في دار الإسلام ، وفي ذلك ما قد دل على إباحة الربا بين المسلمين وبين أهل الكفر في دار الكفر كما يقوله أبو حنيفة والثوري).(10)
وهناك شواهد أثرية،واعتبارات معنوية،ومتابعات اجتهادية،تقوي هذا المذهب،منها فتاوى كوكبة من علماء السلف منهم:أبو حنيفة،ومحمد ابن الحسن الشيباني،والكاسائي،والسرخسي،وسفيان الثوري،وابراهيم النخعي،ابن رشد،وابن تيمية الجد،وابن تيمية شيخ الإسلام،وابن القيم،وابن مفلح،والمرداوي،وأبو الحسن اللخمي،ورواية عن أحمد،ورواية عن مالك،وغيرهم، وننقل لك من هذه الأقوال قول ابن تيمية.(11)

- قول شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة:
لا يخفى على أحد مدى تأثير كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على الدعوة الإسلامية المعاصرة ، فهو شيخها الأول بدون منافس ،كما هو في زمانه ، فقد وصفه رئيس القضاة ابن الحريري في زمانه بقوله: إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام فمن هو ؟! ومن هذا المنطلق جعلت لكلامه هذه الخصوصية ، فأفردت له ولابن القيم هذه المساحة .
فقد ثبت عن هذا الإمام الجليل قوله بعدم حرمة الربا بين مسلم وغيره في غير دار الإسلام ، كما ورد نص ذلك في كتابه( المستدرك على مجموع الفتاوى) الذي صدر أخيرا،في باب الصرف أنه قال:( لا يحرم الربا في دار الكفر ، وأقرها شيخنا على ظاهرها).(12)

والذي يظهر أن قائل:(وأقرها شيخنا على ظاهرها)،هو ابن مفلح،ويقصد بشيخنا: تقي الدين ابن تيمية ،حيث جاء ذكر هذه الرواية بتمامها عند ابن مفلح في كتابه الفروع،وأيضا ذكرها المرداوي مفصلة في كتابه الانصاف عن ابن تيمية.ولا ريب أن ابن مفلح من أعلم الناس بمذهب الإمام أحمد،وكان من أبرز تلاميذ ابن تيمية ، وأخبر الناس بمسائله واختياراته ،حتى أن ابن القيم كان يراجعه في ذلك.(13)
وأيضا فأن العلاقة التي بين أبي الحسن المرداوي وابن مفلح،كانت علاقة علمية بين شيخ وتلميذه،ينزعان من منزع واحد،ويصدران من مشكاة واحدة (14)،كذلك كانت علاقتهما بابن تيمية على هذه المنهجية.لذا نراهما قد أثبتا ذات الرواية بدون خلاف،ونسباها إلى شيخهما ابن تيمية رحمه الله بدون اضطراب بينهما،ولم يذكرا أن له رأيا أخر يخالف هذا القول،علما بأن ابن مفلح يُعد من أخبر الناس بمسائل واختيارات ابن تيمية،ما يعزز القول بأن مذهبه في هذه المسألة هو عدم حرمة الربا بين المسلم وغيره في غير دار الإسلام.
وهذا نص ابن مفلح يؤكد ما قلته،فقد قال في فروعه:(وفي المستوعب،والمحرر(15):إلا بين مسلم وكافر لا أمان بينهما،ونقله الميموني،وهو ظاهر كلام الخرقي في دار كفر،ولم يقيدها في التبصرة وغيرها بعدم الأمان.وفي الموجز رواية:لا يحرم في دار الكفر،وأقرها شيخنا على ظاهرها،وعنه:لا ربا بينه وبين مكاتبه،كعبده،فعلى المنع فلو زاد الأجل والدين جاز، في احتمال).(16)
وهذه رواية أبي الحسن المرداوي مفصلة،تثبت ما قلته،قال وفي(الموجز رواية):( لا يحرم الربا في دار الكفر. واقرها الشيخ تقي الدين (ابن تيمية)على ظاهرها).(17)

-تحقيق وتحرير قول ابن القيم في هذه المسألة :
جاء في كتاب بدائع الفوائد لابن القيم قوله:(قال في المحرر الربا محرم إلا بين مسلم وكافر لا أمان بينهما،ولم يذكر هذه المسألة في المغني،وذكر تحريم الربا مطلقا.وقال أبو حنيفة لا يحرم الربا في دار الكفر.قال الشيخ:قلت رأيت في تحريم الربا بين المسلم والكافر الذي لا أمان بينهما روايتين منصوصتين).(18)

وبعد نظر وتأمل طويل في هذه النص ،وجدت أن فيه اضطراب يوحي بوجود خلل ما؛إما بتحريف النص اثناء النقل من النسخة الأصلية، وإما يإسقاط اثناء الطباعة، ما حملني إلى البحث والتدقيق والمقارنة بين الروايات والنصوص الأخرى؛كرواية المحرر ،والمؤجز، والتذكرة، والمستوعب،والفروع، والانصاف، والتبصرة التي جاء ذكرها في كتاب الانصاف والفروع وغيرهما . وجدت أن هناك تحريف في أصل النص الذي جاء ذكره في كتاب البدائع حيث قال ابن القيم:(قال الشيخ(ابن تيميه)(19):قلت رأيت في تحريم الربا بين المسلم والكافر الذي لا أمان بينهما روايتين منصوصتين).
والصواب ينبغي أن يكون على هذه الصيغة:( رأيت في عدم تحريم الربا بين المسلم والكافر الذي لا أمان بينهما روايتين منصوصتين).
ولا يخفى أن الروايتين التي اشار إليهما العلامة ابن القيم،هما:روايتا الموجز،والمحرر،التي جاء ذكرهما في كتاب الانصاف،والفروع.والروايتان تنصان على عدم تحريم الربا بين المسلم وغيره في غير دار الإسلام وليس كما جاء ذكرهما في كتاب البدائع.وهذا نص رواية الموجز كما ذكرها المرداوي في الانصاف:(لا يحرم الربا في دار الكفر.واقرها الشيخ تقي الدين(ابن تيمية)على ظاهرها).
وهذا نص رواية المحرر كما ذكرها ابن مفلح في الفروع:(إلا بين مسلم وكافر لا أمان بينهما).وكما ذكرها ابن القيم في بدائع الفوائد:(قال في المحرر:الربا محرم إلا بين مسلم وكافر لا أمان بينهما).

فإذا كانت الروايتان التي اشار إليهما ابن القيم في البدائع ،هما اللتان جاء ذكرهما في الانصاف والفروع؛وهما تنصان على عدم حرمة الربا بين مسلم وكافر في غير دار الإسلام،وبذا يثبت تحريف النص الثاوي في البدائع القائل بحرمة الربا بينهما كما مر معنا.كذلك ينبغي أن نشير في هذا السياق أن صاحب المحرر هو مجد الدين ابن تيمية،جد شيخ الإسلام ابن تيمية،ويعتبر من أوئل شيوخه،ورواية المحرر-كما عرفت-تنص على عدم حرمة الربا،ما يقوى أن نص ابن القيم الصحيح هو:عدم حرمة الربا بينهما .
فإذا كان ذلك كذلك،يمكن أن يفهم من تصدير ابن القيم رواية المحرر التي تنص على عدم حرمة الربا بينهما أنها تشير إلى ترجيحه لها،لما علم عند أهل العلم من أن التصدير يؤذن بالتشهير،ثم بعد ذلك ذكره لمذهب أبي حنيفة القائل بالجواز،ثم أعقب ذلك بتأكيده على نقل روايتين منصوصتين عن شيخه ابن تيمية–بعد إزالة التحريف-بعدم حرمة الربا بين المسلم وغيره،ما يشير بقوة إلى أن مذهب ابن القيم في هذه المسألة مؤيد لما ذهب إليه شيخه ابن تيمية في هذه المسألة،لما غلب عليه حب ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله،بل ينتصر له في الغالب الأعم.والله أعلم

يتبع ...
________________________

1-محمد الطاهر ابن عاشور ، المفسر الأصولي ، توفي 1971م بتونس،تفسيرالتحرير والتنوير ،مؤسسة التاريخ ، بيروت ،2000م :5/109-110
2-مرجع سابق ، تفسير التحرير والتنوير :4/311-312
3- تفسير الطبري المسمى جامع البيان في تأويل القرآن ،لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة 310هـ:3/315
4-تفسير القرآن العظيم المعروف بتفسير المنار،تأليف الشيخ محمد رشيد رضا ، المتوفى سنة1354هـ:3/296
5- تفسير المنار ، مرجع سابق :3/297
6-تفسير التحرير والتنوير،لابن عاشور مرجع سابق:3/134
7-رواه مسلم في صحيحه ،رقم الحديث:(1218)
8-مرجع سابق ،الجزء الرابع عشر:57-58
9-ابن رشد الجد أبو الوليد محمد القرطبي ،الفقيه الأصولي ،توفي عام 520،المقدمات الممهدات:2/10
10-أبو جعفر أحمد بن محمد المصري الطحاوي،الفقيه الشافعي الحنفي ،المحدث المفسر الأصولي،توفي321،تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار،دار بلنسية للنشر والتوزيع،الرياض،الطبعة الأولى،1999م:4/229
11-لصاحب هذا الورقة ،دراسة مكتملة في ذلك تحت عنوان(فصول من حديث مكحول لا ربا بين مسلم وغيره في غير دار الإسلام ،دراسة حديثية،فقهية،مقاصدية)وقد أجازها الأزهر الشريف مجمع البحوث الإسلامية بتاريخ:21-2-2006
12-المستدرك على مجموع الفتاوى ، لابن تيمية :4/18
13-قال ابن القيم عنه :ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح ، وحضر عند الشيخ تقي الدين ونقل عنه كثيرا وكان يقول له : ما أنت ابن مفلح ، بل أنت مفلح، وكان أخبر الناس بمسائله واختياراته، حتى أن العلامة ابن القيم كان يراجعه في ذلك .(انظر: جلاء العينين :38-39)
14- جاء عن ابن العماد في تحديد العلاقة والصلة بين ابن مفلح والمرداوي قوله :ابن مفلح هو الشيخ الإمام العالم العلامة،وحيد دهره،فريد عصر،شيخ الإسلام ، وأحد الأئمة الأعلام،تفقه وبرح ودرس وافتى وناظر ، وأفاد وناب في الحكم عن قاضي القضاة المرداوي،وتزوج ابنته ،وكان آية وغاية في نقل مذهب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه،وقال ابو البقاء السبكي :ما رأت عيناي أحدا أفقه منه،وكان ذا حظ من زهد وتفف وورع ودين متين ).(الذيل على طبقات الحنابلة :2/432)
15-لقد راجعت هذا النص في أصل الكتاب(المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل )للعلامة مجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن تيمية،المتوفى652،تحقيق محمد حسن وأحمد محروس،طبعةدار الكتب العلمية بيروت:1/464)،كذلك كتاب ابن مفلح (المبدع:4/154)،فوجدته كما نقله ابن مفلح في (الفروع)والمرداوي في (الانصاف).
16- الفروع لابن مفلح :4/110
17-الانصاف لابي الحسن المرداوي :كتاب الربا،مسألة(ويحرم الربا بين المسلم والحربي):135
18- بدائع الفوائد لابن القيم :4/214
19- كلمة ابن تيمية من عندي وليس في أصل النص .


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home