Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 17 November, 2007

 

الإمام مالك... وحرية الرأى!!
( 1 من 2 )

د. عـبدالحكيم الفيتوري

نريد بهذه القراءة النقدية فتح حوارات جادة بين الحاضر والماضي،بين الواقع والتراث،من أجل إعادة ما سقط ونقص من صور التراث خلال قراءته قراءة تمجيدية،وتكميل صورته بزواياها المتعددة وأبعادها المتنوعة على صعيد النظرية والممارسة،لكي تصبح الصورة مكتملة وتوضع مادة وموضوعا للقراءة،تمكن العقلاء من تصويب النظر إليه والاستفادة منه على مستوى الفهم والممارسة.ولا يخفى أن أغلب الأمم الانسانية المعاصرة انطلقت في نهضتها من خلال إعادة قراءة تراثها الممتد المستمر إلى حاضرها،حيث مارست عليه عمليات النقد والمراجعة والإضافة.ولكن المشكل الذي نعانيه يكمن في أن تراثنا قد توقف عن النمو منذ قرون طويلة بحيث يفصله عن الحاضر بون شاسع،ومع هذا التوقف قريء قراءة تمجيدية لا نقدية !!

ولا شك أن هذا المشكل(توقف التراث-والقراءة التمجيدية)إحتوى قاري التراث من الناحية الوجدانية حيث ظن فيه أنه تراث مقدس بلسان حاله.ومن الناحية النهضوية حيث حسب فيه أنه ملجأ للنظريات العلمية والعقلانية،والنظم الإدارية والقوانين الدستورية!! لذلك فهو مثقل بضغط الحاضر ومواكبته،وخاضع لسلطة تراث كتب بعقل فقهي قد توقف عطاؤه منذ زمن بعيد،مما جعله فاقدا لاستقلاله وحريته في النقد والبناء،مكتفيا بترديد تراثه تذكرا لا مكتشفا ولا مستفهما،فتحول عقله من كونه أداة تفكر ونقد إلى آلة حفظ وتذكر!!

فمثلا لو أخذنا سيرة الإمام مالك كنموذج لقراءة نقدية نحاول فيها استكشاف قيم الحريات ومكانة الرأي الاخر في سيرته ومسيرته العلمية والسياسية،كل ذلك في إطار(الاستفهام لا الاستذكار)وفي سياق قراءة(نقدية لا تمجيدية)بغية اكتشاف مدى تأثير العقل الفقهي على عقل المتلقي المعاصر في تكوين القراءة التمجيدية،وتأسيس القراءة الاستذكارية،خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن أغلب الذين كتبوا التاريخ كانوا فقهاء؛مفسرين؛ومحدثين كابن جرير الطبري،والذهبي،والبخاري،وأبي زرعة،وابن كثير،وابن الأثير،وغيرهم.

فالإمام مالك رحمة الله أشهر من نار على علم،لقد ولد بالمدينة(93- 179هـ)في عهد الوليد بن عبدالملك،وهو يعتبر مؤسس المذهب الثاني من مذاهب السنة المشهورة،وعاصر زمن خلفاء بني أمية بعد الوليد،وخمسة من خلفاء بني العباس.فهو إذن مخضرم عاش عهدين من عهود الملك العاض والجبر،وقد رأى وعرف عن كثب ماذا حل بالمخالفين لبني أمية في الفكر والرأي من قمع وتنكيل،حيث كانت تلك الفترة تعتبر بدايات الإنقلاب السياسي والمنهجي على نمط الخلافة الراشدة ومنهاج النبوة،وقد اتسمت تلك الحقبة بكثرة الصراعات خاصة من أهل العلم وأصحاب الفكر الحر كـ(ثورة الحسين،وابن الزبير،وابن الجبير،وابن الأشعث،والنفس الزكية)،ولكن ما لبث خلفاء بني أمية أن أختصروا المسافة الفاصلة بين القلم والسيف وذلك من خلال المال والهدايا والمناصب،أو بأساليب الاقصاء والتهميش والتعليق وجز الرؤس،ولعل حادثة استباحة مكة وحرق الكعبة وقتل ابن الزبيرواتباعه.واستباحة المدينة المنورة والفتك والهتك بأهلها.وفاجعة كربلاء ومقتل سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم،خير دليل على إغتيال قيمة الحرية،واحترام الرأي الأخر كما جاءت في ثنايا نصوص الوحي والهدي النبوي!!(*)

ولما زال الملك الأموي المشبع بالأحكام القبلية والعسكرية والاستبدادية،وبصورة سلبية عن قيمة الحرية والرأي الأخر،حل محله الملك العباسي إثر الانقلاب المعروف بقيادة أبي مسلم الخراساني القائد العسكري لابي العباس،حيث لم يكن الوضع الجديد بقيادة البيت العباسي بأحسن حال من الذين سبقوه في قمع الرأي الأخر،وأغتيال قيمة الحريات،وفي هذه الأجواء المشبعة بالأحكام الإقصائية العسكرية كان الإمام مالك يرقب أوضاع العباسيين خاصة أبي جعفر المنصور،مستحضرا تلك الصورالبشعة التي سجلها التاريخ ووعاها عقل الإمام مالك؛من أحراق الكعبة،واستباحة المدينة،ومحنة كربلاء،وغيرها.وكأنه يرى أن حرية الفكر وقيمة الرأي الأخر أصبحت أثر بعد حين،حيث أقبرت بسيف السلطة السياسية.وأن هنالك نوعا من الصراع قائم بين السلطتين؛سلطة السيف،وسلطة القلم،وفي هذا الوضع المتصارع كانت السلطة السياسية تستخدم بعبع(الفتنة)كوسيلة لترويض السلطة الدينية،وأمام هذا المنطق المتخلف من السلطة السياسية لم يجد الإمام مالك سبيلا لعمل سلطته الدينية إلا الاندراج الخجول والبطيء في هذا المسار الحتمي،مع ما يتطلبه الأمر من مخرجات وآليات دفاعية،وما يلازمه من تغييب للنقد الذاتي،وحرية الأخر،ومن تلك المخرجات فتاوى بحرمة الخروج عن أئمة الجور،وتجريم مشاركة الخارجين على خلفاء الظلم.كل ذلك اعتبارا منه بماضي التجربة التاريخية الذي لم يتبين منها إلا أن الخارج لم يأت إلا بما هو أكثر فسادا،وأبلغ فتنة،وأهتك للحرمات!!

ويبدو أن الإمام مالك لم يجد أمام محددات المنطق السلطوي الجديد إلا الاعلان عن ضم سلطته العلمية إلى السلطة السياسية معلنا عن نفسه كجزء من شوكتها،وذلك من خلال المراسيم المعروفة والشارات التي تفرق بين دائرة الموالاة والمعاداة؛من بيعة الخليفة،وقبول هداياه،ومشاركته في مجالسه،والحث على إقرار شرعيته،والتنديد بالخارجين على سلطته،وعدم التحريض عليه،ومساندة المخالفين له.وبعبارة أخرى فإن منطق السلطة السياسية(الخلفاء)هذا يفرض على السلطة الدينية(الفقهاء)شحذ الآليات الدفاعية الواقعية لتغييب الأخر،وإلغاء النقد العقلاني المعرفي لهذه السلطة السياسية بما يعني تكريس الاستبداد(وتغويل الخليفة على الرأى الأخر)!!

وفي المقابل تقوم السلطة السياسية بتوظيف سلطة العالم وفق استراتيجية النظام السياسي ومنطق الصراع،كما فعل المهدي(الخليفة)مع مالك(الإمام)حين طلب الأول من الثاني أن يضع له كتابا نصيا لا عقلانيا يضبط به شؤون المتمردين فكريا على نظام الملك خاصة وإن ظاهرة الفكر الحر الناقد لفكرة شرعية توريث الإمامة السياسية والدينية،قد استفحلت مع تسارع وتيرة النقد المعرفي للعقل الحشوي الفقهي على أيدي ما يسمى في كتب الفرق(بأهل الأهواء والبدع)!!.قال إبراهيم بن حماد،سمعت مالكا يقول:قال لي المهدي:ضع يا أبا عبدالله كتابا أحمل الأمة عليه.فقلت:يا أمير المؤمنين،أما هذا الصقع-وأشرت إلى المغرب-فقد كفيته،وأما الشام،ففيهم من قد علمت–يعني الاوزاعي-وأما العراق،فهم أهل العراق.(انظر:الذهبي سيرأعلام النبلاء،وابن عبدالبر الانتقاء،والقاضي عياض ترتيب المدارك).

وهكذا أصبحت العلاقة المتميزة بين الإمام والخليفة على كافة المستويات هي القانون الأساسي السائد بين الفضاءات السياسية والفقهية،كإرسال العطايا،والهدايا الملكية،وتقليد المناصب،وقبول الشفاعة،والهبات،والمسامرة،والزيارات،وطلب الصحبة في السفر،كما قال حسين بن عروة:قدم المهدي،فبعث إلى مالك بألفي دينار،أو قال:بثلاثة آلاف دينار،ثم أتاه الربيع بعد ذلك،فقال:إن أمير المؤمنين يحب أن تعادله–أي تصاحبه في سفره إلى بغداد-إلى مدينة السلام....(الذهبي:تذكرة الحفاظ)

وجاء في تاريخ أبي زرعة:قال مالك:وقال لي أمير المؤمنين المهدي:يا أبا عبد الله،أما لك دار؟ قال:قلت:لا والله يا أمير المؤمنين،ولأحدثنك حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن:إن نسب المرء داره!! ولقد عاتب بعض العلماء الإمام مالك على عنايته الكبيرة بأثاث بيته،وبملبسه ومأكله،فقال:(أما البيت فهو نسب الإنسان،ثم إني لا أحب لامرئ أنعم الله عليه ألا يرى أثر نعمته عليه وخاصة أهل العلم).‏

والسلام

يتبع ( 2 من 2 ) .

عـبدالحكيم
Dr_elfitouri@yahoo.co.uk
________________________

* انظر إن شئت المقال الأول والثاني من هذه السلسلة : ( القرآن والرأى الأخر ) و ( الرسول والرأى الأخر ) .


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home