Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Monday, 17 September, 2007

يتـلونه حق تـلاوتـه...

د. عـبدالحكيم الفيتوري

في سياق أخباري يقدم لنا النص القرآني (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) على أن هنالك أناس يتلون كتاب الله حق تلاوته، من حيث فهم معانيه،وتتبع مقاصده، والإلتزام بقيمه، دون التقيد في ذلك بأراء من سبقهم، ولا سيما إذا كانوا زعماء دينيين وميتين!! ولعل الصلة بين (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) وبين ما قبلها من الآيات،واضحة الدلالة (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)... الاتباع والتقليد هما أخص خصائص التلاوة غير الحق، تلاوة الحروف دون فهم ووضوح، والتي تساوي الأمية بلغة القرآن (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني...) أي ترديد حروفه والاعتناء بمخارجه، دون فهم لمقاصده ومعانيه وقيمه. لذلك كان رفع الأمية عن الناس من أبرز مهام النبي صلى الله عليه وسلم الرسالية (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب، والحكمة) .

وعلى الجملة فإن هذه الآيات الكريمات وغيرها تشير إلى أن الذي يتلو القرآن لمجرد التلاوة ، مثله(..كمثل ... يحمل اسفارا)،فلا حظ له من الإيمان بالكتاب،لأنه لا يفهم معانيه،ولا يعرف مقاصده.ولا يخفى أن قراءة الألفاظ والحروف لا تفيد الهداية وإن كان القاريء يفهم مدلولاتها الحرفية حسب قول المفسر والمعلم له !! وقد قال صاحب الإحياء وهو في سياق حديثه عن موانع فهم القرآن(أولها:أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها،وهذا يتولى حفظه شيطان وكّل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل.ثانيها:أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد،وجمد عليه،وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة،فهذا شخص قيده معتقده عن أن يتجاوزه فلا يمكن أن يخطر بباله غير معتقده،فصار نظره موقوفا على مسموعه،فإن لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني التي تخالف مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك ؟!! فيرى أن ذلك من الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله)!!

إذن .فماذا معنى التلاوة الحقة ؟
بالطبع لا تعني التلاوة مجرد القراءة والترنيم بالصوت الحسن فقط لأن ذلك لا ينسجم مع عظمة القرآن،وعمق المهمة التي يضطلع بها هداة الله في الأرض من الانبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم،وكذلك التلاوة لا تعني فقط مجرد التتابع واتباع الآيات بعضها بعضا بل تاتي القيمة لهذا التتالي والتتابع من إبراز قضايا ومبادئ وافكار وتصورات فيها من الترابط المنطقي المنسجم،لذا فإن موضوع التلاوة هو الآيات(وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعثت في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا)،كذلك قد جاءت مفردة(تلاوة)مرتبطة بالأنباء(نتلوا عليك من نبأ)،مما يعني أن تلاوة الآيات والأنباء -العلامات والعبر والعجائب ،والأخبار والحجج والحقائق التاريخية- ليس مقصودها قراءتها ونطقها؛بل تصويرها لتكون منظومة ورؤية تقود المخاطب وترسم له حياته بكل تفاصيلها،لكي ينهض بالواقع والمواقع بقيم الوحي الإلهي .

لذلك فإن -مفهوم التلاوة الحق-يختلف تماما عن مفهوم مجرد القراءة،فالحق مصاحب للتلاوة كما قال تعالى:(نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون). فالتلاوة الحق هي بسط لحقائق كونية وشرعية مترابطة متراصة في سياق ونسق يقود إلى استخلاص قواعد وسنن كلية تنظم الحياة الهادفة،وتثور العقل والسلوك بقيم الوحي ، لإنجاز عملية النهوض والإقلاع الحضاري في سماء التطور والتجدد(رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور).

وبالتالي فإن التلاوة الحقة هي أظهار متسلسل للحقائق الحية التي تقود إلى العمل الصالح،الذي يقود بدوره زمام الحياة لتمتد إلى الآخرة ... وهذه التلاوة الحقة هي التي تهدي إلى الاعتبار بما خلق الله في السموات والأرض.وهكذا نلحظ أن الحركة أصبحت جزءا حقيقيا في التلاوة،تبرز أمام الأفهام لتعلن عن إمامتها الفكرية والاجتماعية والروحية.فالرسول صلى الله عليه وسلم حين يتلو الآيات والأنباء ويعرض هذا المركب من التاريخ والواقع،وسنن الكون والاجتماع المتتابعة ليجسد بتلك التلاوة ؛التلاوة الحقة التي تؤسس المقاصدية في الفهم والرؤية.ولعل هذه التلاوة المرجوة كانت أمنية سيدنا إبراهيم عليه السلام في دعوته(ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم أياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) .

إذن.فمقصود التلاوة الحقة ليست فقط تجويدها وتحبيرها وتحقيق نطقها !! بل تجسيد حروفها ومعانيها على هيئة كليات مقاصدية تجمع بين الفكر والسلوك،وتربط بين سنن الاجتماع ونواميس الكون،في تتالي منطقي،وواقعي،وهدفي،يلتمس منه ترتيب الحقائق والبراهين والحجج،بغية فهم مراد ومقاصد وقيم الكتاب الخاتم والمهيمن. وبهذه التلاوة دون غيرها يجافي تالي القرآن الوعيد الوارد في قوله تعالى على لسان رسوله الكريم(وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذواهذا القرآن مهجورا)وهجره عدم تدبره، وتفهمه،ومعرفة ما أراد المتكلم به منه كما قال ابن القيم !!

والسلام

عـبدالحكيم
Dr_elfitouri@yahoo.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home