Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Thursday, 17 May, 2006

عـقوبة الخمر... وإشكالية الفهم!!

د. عبدالحكيم الفيتوري

تمهد القول في نصوص الكتاب والسنة على حرمة الخمر وأنها أم الخبائث،ومقالنا هذا لا يتناول هذه الحيثية لا من قريب ولا من بعيد(1)، وإنما متوجه صوب عقوبة الخمر هل هي عقوبة حدية(2) أم تعزيرية(3)، وهل الأحاديث الورادة في ذلك تصنف ضمن السنة(التشريعية)أو(القيادية)؟ حيث وردت نصوص متضافرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان يؤتى بشارب الخمر في عهده، فيضرب بالأيدي والجريد والثياب والنعال،نحو أربعين أو أقل من ذلك أو أكثر!! ويستفاد من مجموع الروايات أن المشروع في العقاب على شرب الخمر هو الضرب المراد منه إهانة الشارب وتنفير الناس من الشرب ، وإن ضرب الشارب أربعين وثمانين كان اجتهادا من الخلفاء فاختار الاول ابو بكر لأنه أكثر ما وقع بين يدي النبي صلى لله عليه وسلم وأختار عمر الثمانين بموافقته لاجتهاد عبدالرحمن بن عوف وعلي ابن أبي طالب بتشبهه بحد قذف المحصنات !! ثم انعقد الاجماع على ذلك (4)!!

فإذا ما أردنا أجراء عملية الفك والتركيب والفهم والتحليل وإعادة تصنيف عقوبة أم الخبائث من خلال المنهج المعتمد في هذه السلسلة، ومن حيث مكانتها من الهيكل السني (تشريعي، قيادي، جبلي)، ثم من حيث سلطتها الإلزامية. نجد بادي ذي بدء أن نص الحديث المتفق عليه عن علي أبن أبي طالب أنه قال: ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه). وذكر البخاري عن السائب بن يزيد قال:كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله وإمرة أبي بكر فصدرا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين).(5)

ولو نظرنا لعقوبة الخمر من خلال منظومة نصوص القرآن الكريم لرأينا أنها أقرت تحريم الخمر وتجريم شاربها (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)، ولكنها في المقابل قد خلت من أي عقوبة دنيوية على شاربها. كذلك تظافرت نصوص السنة البنوية على تحريم الخمرو وسمها بأم الخبائث وثأثيم شاربها وحاملها وبائعها، ولكنها خلت من عقوبة مقدرة سوى مطلق الضرب والإهانة، وهي بهذا تدفع بعقوبة الخمر لإخراجها من دائرة العقوبات (الحدية) التي لا مجال للإجتهاد فيها، وإدخالها ضمن دائرة العقوبات (التعزيرية) التي مردها إلى إمام المسلمين وعوامل الاجتهاد وفقه المصالح ودرء المفاسد، والتي تعد ضمن السنةالقيادية (=التي تفيد المباح) وليس السنةالتشريعية (=التي تفيد اللازم)!!

واللافت للانتباه في مجمل نصوص السنة النبوية التي وردت فيها عقوبة الخمر قبل اختلاط هذه النصوص بإسلام التاريخ أنها تشير إلى اعتبار عقوبة الخمر من العقوبات التعزيرية وقد فهم الصحابة رضوان الله عليهم أن عقوبتها اجتهادية وليس نصية،فهذا علي ابن أبي طالب يصرح في رواية البخاري بأن عقوبة الخمر اجتهادية فقال: (لم يسنه) أي لم يسن فيها عددا معينا، وفي رواية شريك (لم يستن فيه شيئا) وفي رواية الشعبي (فإنما هو شيء صنعناه)!! فتأمل قوله (فإنما هو شيء صنعناه) أي اجتهدنا في وضعه، وتؤكد رواية ابن عباس على ذلك حين نقل عن أبي بكر قوله : (لو فرضنا لهم حدا، فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم) أي ليس لها حد معين، (فتوخي نحو)،أي اجتهد في تحديد عقوبتها!! وجاء في قول ابن السائب (حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين) ظاهره أن التحديد بأربعين إنما وقع في آخر خلافة عمر اجتهادا. قال الطحاوي: جاءت الاخبار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يسن في الخمر شيئا!! ولا يخفى ان استخراج الحد بطريق الاستنباط دل على أنه لا توقيف عنده من الشارع في ذلك!!

ولا يخفى أن العقوبات الحدية المقدرة في نصوص الكتاب لا اجتهاد فيها(تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) وهي عقوبات الفئات الخمس:الذين يسعون في الأرض فسادا، والذين يقتلون النفس بغير حق،والذين يرمون المحصنات، والزاني والزانية، والسارق والسارقة، وأن الاجتهاد في هذه العقوبات عدولا أو تعديلا يعد اعتداء على حق الله سبحانه في التشريع، وشرخ في جناب التوحيد. ولهذا قال المازري : لو فهم الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم حد في الخمر حدا معينا لما قالوا فيه بالرأي، كما لم يقولوا بالرأي في غيره، فلعلهم فهموا أنه ضرب فيه باجتهاده في حق من ضربه. وهذا هو اللائق بأولئك الأخيار دينا وعلما وفهما رضي الله عنهم.(6)

ولكن الطريف في المسألة أن تتواطأ المنظومة الفقهية الكلاسيكية بعد ذلك على أن عقوبة الخمر حدية وأن الاجماع منعقد عليها!! بينما يحكى ابن المنذر والطبري وغيرهما عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها وإنما فيها التعزير، وينتصر الشوكاني لهذا الرأي في سيله الجرار ونيله الأوطار!!

والله ولي التوفيق.

عـبدالحكيم
Suhel1956@yahoo.com
________________________________________________

(1) أوكد على هذا المعنى نظرا لإصابة كثير من أفراد الأمة بداء الأمية الفكرية، ولنا مع مفهوم الأمية وقفة في مقال أخر.
(2) الحد في الاصطلاح: عقوبة مقدرة بتقدير الشارع وجبت حقا لله تعالى.
(3) التعزير في الاصطلاح: تأديب على معصية لا حد فيها ولا كفارة، وهو منوط بالإمام أو نائبه.
(4) راجع إن شئت مقالنا(الإجماع.. وإشكالية الفهم).
(5) توجد نصوص آخرى ورد فيها أربعين جلدة، وثمانين، والقتل في الرابعة.
(6) لا شك عندما تتضح حدود (إسلام النص وإسلام التاريخ) وتتمايز دوائر (اللازم والمباح) حينئذ فقط يقبل جميع الفرقاء على محاولة فهم الشريعة الإلهية والرغبة في تحكيمها، بما تحقيقه من سعة وسماحة وعدل وإنصاف للبشرية.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home