Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 17 March, 2006

من بدّل دينه فاقـتـلوه.. وإشكالية الفهم!!

د. عبدالحكيم الفيتوري

استطراد في حل إشكالية فهم السنة النبوية ،وتأكيد على أهمية فرزها إلى تشريعي وقيادي وجبلي، وإعادة تصنيفها على هذا الأساس، ومراجعة ما بني على كل قسم منها من إجماعات وقواعد أصولية وفقهية؛ فما بني على سنة تشريعية فحقه الواجب ، وما بني على سنة قيادية أو جبلية فحقه المباح، كذلك لا بد من الأخذ في الاعتبار بأن هذه المراجعة الصعبة لا محيص منها ولا مناص عنها إذ ما أردنا فهم خطاب القرآن الكريم ومقاصد الرسالة الخاتمة ؛فهما وتطبيقا ودعوة للعالمين،بما يناسب عملية النهوض بالعقل المسلم المعاصر، والإقلاع في سماء التجديد والتطوير والتدافع الحضاري لتحقيق العالمية الجديدة، والاشهاد بالحق(لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)!!

لذلك لن يغني عن الفكر الإسلامي المعاصر في خضم هذا التدافع الحضاري، والنهوض الأممي، الأخذ بأساليب المقاربة أو المقارنة أو التأويل أو التعديل الجزئي، أو الاقتباس من هنا وهنالك ، قبل فرز إسلام النص من إسلام التاريخ، والسنة التشريعية من القيادية والجبلية، والأصول من الفروع، وتصحيح منظومة الفكر التي قامت على ذلك الخلط ومحاولة إعادة صياغتها من جديد، بعيد عن تلك التي أدت إلى إراقة دماء المخالفين بغير حق ،وحجبت الرأي الآخر، وأفرزت أساليب متنوعة في نفي المخالف، بل ورفضت التفهم والتعايش معه!!

ومن ضمن هذه المراجعات الجادة مراجعة فهم حديث (من بدل دينه فاقتلوه)(البخاري ومسلم) الذي ساهم بشكل مباشر في نفي الآخر من الوجود جملة وتفصيلا معنويا وحسيا(فاقتلوه)!! وقد ذكرابن عبدالبر أن (الأمة مجمعة على ذلك) على قتل المرتد سواء(باعتقاد،أو قول أوعمل) وبسيف هذا الاجماع أغلق باب النظر في دلالات هذا الحديث ومحاولة إعادة فهمه وفق المقاصد القرآنية، وأقسام تصرفاته النبوية صلى الله عليه وسلم.

وإذا أردنا إعادة النظر في فهم هذا الحديث حسب كليات القرآن المقاصدية وتقسيمنا للسنة النبوية إلى سنة (تشريعية، وقيادية، وجبلية)، فينبغي علينا مراعاة تصنيف هذا الحديث حسب سلم التقسيم الجديد ؛تشريعي أو قيادي أو جبلي، فإن كان تشريعيا؛ فلابد أن يكون مببينا أو شارحا أو مفصلا لما أجمل في الكتاب، وأن كان قياديا ينبغي أن تكون مراعاة المصالح والمفاسد في تطبيقه مردها إلى الإمام حسب ظروف الزمان والمكان، وأن كان جبليا تراعى فيه عوامل الأعراف والعادات والبيئات. كل ذلك نحاول تلمسه من خلال النقاط التالية :

النقطة الأولى : القرآن يؤكد على احترام الحريات العامة :
تضافرت نصوص القرآن الكريم على قيمة الحرية وضرورة التمتع بها على كافة مستويات الاعتبارات الانسانية، في الاعتقاد والرأي، والتملك والاجتماع، والتجارة والانتقال، كل ذلك لكي يؤدي هذا الانسان مهامه في الارض بكامل بمعاني الحرية في الاعتقاد والرأي (إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم)، فلا يكون لغيره حق في إكراهه على ما يعتقده بوسيلة من وسائل الإكراه في البداية أو النهاية، وإنما يكون له حق دعوته بالإقناع بدليل العقل، أو بالترغيب في ثواب الآخرة والتخويف من عقابها، كما قال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) وقال: (قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، وقال: (لا إكراه في الدين)، ثم قال سبحانه للرسوله الكريم: (ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)

النقطة الثانية : القرآن يجرم الردة ولكنه لم ينص على عقوبة دنيوية عليها :
لا يخفى أنه قد ورد في القرآن الكريم نصوص تؤكد على عقوبات دنيوية(حسية)لمجموعة من الجرائم التي تمس حياة الفرد أو الاسرة أو المجتمع، كعقوبة القتل، والسرقة، والزنا، والحرابة وغير ذلك، ولكن جريمة الردة لم تأت بشأنها عقوبة دنيوية على الرغم من تضافر نصوص القرآن على تجريمها، والتشنيع بها،والتحذير من الوقوع فيها، والتأكيد على عقوبة أخروية (معنوية) بشأنها لمن مات على ذلك، كحبوط أعماله وخسرانه في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)، وقوله (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) مع تجاهل كامل لعقوبة حدية في الدنيا سواء بالقتل، أو النفي أو السجن وغير ذلك!!

واللافت للنظر في هذا السياق التحليلي ونسق المقابلات والمقاربات النصية أننا نجد مثلا جريمة خروج المرتد أو المرتدين عن الإسلام وبيضته من غير قتال في القرآن الكريم (ومن يرتدد منكم عن دينه) خالية من أي عقوبة دنيوية، بينما نجد في مقابل ذلك أن مجرد خروج بعض المؤمنين عن الجماعة المسلمة بإمامها عقوبة دنيوية يهدر فيه الدم(قتل البغاة)، كما قال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بغت أحداهما على الآخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ..الآية). ولا شك أن هذه المقابلة والمقاربة تجعلنا نميل إلى تصنيف حديث(من بدل دينه فاقتلوه)ضمن دائرة السنة القيادية التي مردها إلى المحافظة على وحدة البلاد، وسلامة دين العباد وليس شرحا وبيانا للكتاب!!

النقطة الثالثة : نصوص نبوية تؤكد على تصنيف الحديث ضمن السنة(القيادية):
هنالك نصوص نبوية قد صدرت عنه صلى الله عليه وسلم حيال عقوبة المرتد بما يدل دلالة قاطعة على أن حديث (من بدل دينه فاقتلوه) من الأحاديث القيادية، وأن عقوبة قتل المرتد عقوبة تعزيرية (=أي مردها الى الإمام)،وليس عقوبة حدية(=التي لا دخل للإمام فيها)، ومن تلك النصوص التي تشير إلى ذلك توقيعه صلى الله عليه وسلم على بنود صلح الحديبية والتي كانت في العام السادس ، حيث ورد في إحدى بنودها (من جاء محمدا من قريش يرده عليهم، ومن جاء قريشا من المسلمين لا ترده إليهم)وفحوى البند أن من ارتد من المسلمين إلى مكة لا يجب على الرسول استرجاعه من أجل إقامة حد الردة عليه، أو رفض التعامل معه إذا اسندت إليه القيادة المكية أعمالا دبلوماسية بينها وبين القيادة في المدينة، علما بأنه قد تقرر في الأصول بأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة في حق النبي.

وفي عام الفتح السنة الثامنة ورد عنه ما يشير بوضوح إلى أن عقوبة قتل المرتد من العقوبات التعزيرية، وذلك حين أمر بقتل نفر من هؤلاء النفر عبدالله بن أبي السرح وإن كان متعلقا بأستار الكعبة، وابن أبي السرح هذا كان من كتاب الوحي ثم ارتد وصار يشكك الناس في القرآن، وعندما تمكن منه قبل شفاعة عثمان بن عفان فيه ولم يقم عليه عقوبة الردة والتجديف، فتأمل قبوله صلى الله عليه وسلم شفاعة عثمان في إسقاط عقوبة الردة عن عبدالله بن أبي السرح أيام فتح مكة، وعدم قبوله صلى الله عليه وسلم شفاعة أسامة بن زيد في حد السرقة حين سرقت المرأة المخزومية أيام فتح مكة كذلك، بل رفض شفاعة أسامة بشدة واعتبر ذلك انتهاكا لحدود الله، وتضييعا للدين، وسببا في هلاك الأمم السابقة، فقال عروة: (فلما كلمه اسامه فيها تلون وجه رسول الله فقال: أتكلمني في حد من حدود الله... والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، ثم أمر رسول الله بتلك المرأة فقطعت يدها).(البخاري)

ولا يخفى أن الواقعتين قد وقعتا في زمن ومكان واحد، وعلى الرغم من ذلك فقد اختلف موقف النبي إزاءهما، ففي عقوبة المرتد ـ ابن أبي سرح ـ وبعد القدرة عليه قبل رسول الله شفاعة عثمان فيه، بيد أنه في عقوبة السارقة ـ المخزومية ـ لم يقبل شفاعة أسامة فيها. وفي هذا التفريق بين هذه وتلك دلالة واضحة، على أن عقوبة المرتد في حد ذاتها لا تعد من العقوبات الحدية، وإنما تصنف ضمن العقوبات التعزيرية التي مردها إلى إمام المسلمين.(*)

النقطة الرابعة : لم يقم رسول الله حدا على مرتد :
فإذا تقرر أن القرآن الكريم أعلى صرح قيمة الحرية، وسد كل أنواع الإكراه حتى ولو كان بصيغة الحرص (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) وأن رسول الله كان دأبه الحوار والدعوة بالموعظة الحسنة حتى مع ألد خصوم الإسلام، وقد آمن بدعوته أناس وكفر أخرون، ودخل في دينه أناس ليس لهم من الإسلام إلا أسمه، كأبن سلول وجماعته الذين قالوا(ليخرجن الأعز منها الأذل)، وذو الخويصرة الذي قال (أعدل يا محمد)، وابن أبي السرح الذي قال ما قال وغيرهم كثير، وعلى الرغم من ذلك لم يثبت أنه قتل هؤلاء بحجة إرتدادهم عن الدين سواء من باب(حتى لا يقول الناس أن محمدا يقتل أصحابه)، أو بما أسستها المبادئ القرآنية والكلياتات المقاصدية التي حفظت لهؤلاء حرية قبول الدين من عدمه و(لا إكراه في الدين) في البداية والنهاية، وجعلت جزاء المرتد في الآخرة لله تعالى وحده (ومن يرتدد منكم عن دينه، فيمت وهو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).

وإلى لقاء آخر
والسلام

عـبدالحكيم
Suhel1956@yahoo.com ________________________________________________

(*) انظر إن شئت : كتابي صلح الحديبية وأبعاده السياسية المعاصرة ، الطبعة الثالثة دار المدني:63


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home