Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 17 February, 2007

المقـتـرب الإدراكي.. بين الصغـير بفطرتـه والكبير بعـاهته!!

د. عـبدالحكيم الفيتوري

إنه لمهم أن تعرف فكرة معينة أو مبدأ ما ، ولكن الأهم من ذلك ، هو أن تتبين الأسس التي تقوم عليها معرفتك . هنالك فارق هام بين رأي يتفق أن تقول به ، ورأي تعتمده لأسباب قوية وقيمة ، ويظل الفارق هاما حتى ولو كان الرأي الأول هو الرأي الثاني ذاته . إن مجرد معرفة الرأي المصيب لا تساوي معرفته المستندة إلى البينات المتعارف على قبولها ، يظل الملتزم بالثاني أوسع أفقا وأعمق نظرا وأقوى حرية من حامل الأول. وفي هذا النسق المعرفي نحاول التعرف على المقترب الإدراكي بين مستوى الإدراك عند صغير السن بفطرته وكبير السن بعاهته التي أصابته من جراء المنهج التلقيني .

في هذا السياق نأخذ مثلا تقسيمات علماء التربية حين قسموا مستويات الإدراك البشري إلى أربعة مستويات،المستوى الأول: هو مستوى الطفولة المبكرة ويبدأ مع الانسان منذ مولده ويستمر حتى الثالثة من عمره، وفي هذا المستوى يقبل الطفل الجمع بين المتناقضات ولا يميز بين الخيال والواقع. والمستوى الثاني: هو مستوى الطفل المتقدم إلى عمر السابعة، وفيه يميز الطفل بين الحقيقة والخيال، ولكنه يستقي الحقيقة من الثوابت العرفية التي تلقى إليه من سلطة عليا، فترى طفلين في هذه المرحلة يتخاصمان حول أي السيارات أفضل(س أم ص)، ومرجعية كل وأحد منهما الأباء (أبي قال كذا وكذا). والمستوى الثالث: يتطور بعد ذلك ليتمكن الانسان من معرفة المنطق وراء ما يقدم إليه من ثوابت، فترى نفس الشخصين وقد نضجا يتحاوران بموضوعية حول ميزة كل طراز من السيارتين. أما المستوى الرابع فهو المستوى الأبداعي : وهو الذي يمكن الانسان من مراجعة ما كان يقدم إليه من الثوابت العرفية، والمعرفية ، والتراثية والخروج عنها إذا وجد لذلك مقتضى .

وإذا ما نظرنا إلى هذه المستويات الأربعة لأجراء المقترب الإدراكي بين مستوى أدراك الصغير بفطرته ومستوى أدراك الكبير بعاهته، نجد أن هنالك أوجه شبه كبيرة جدا بين المرحلة الثانية من مستويات الإدراك وبعض ضحايا المنهج التقليني الحشوي الذي ساد منطقتنا برمتها، حيث نجد أن خريجي التعليم العام – بسبب اعتماده على التلقين - يقفون عند المستوى الثاني ، فيتخرج الخريج من الجامعة للحياة معتمدا على ما حشر في عقله من معلومات حفظها دون عقل طوال فترته التعليمية ، يستوى في ذلك طالب الطب وطالب الحقوق .

وحين نناقش قضية التعليم الديني داخل (الجامعات - والجماعات الإسلامية) فللقضية وجه آخر تماما، وذلك لكونه لا يقدم معلومات بل ثوابت مستقاة من تراث ديني اختلط فيه الغث بالسمين،والمطلق بالنسبي، والإلهي بالبشري، والدين بأشكال التدين، والقيمة بالذات، فيجبر العقل أجبارا على قبول هذه المتناقضات بأنها دين وثوابت،ومقطوع بها ، وكلها من عند الله سبحانه!!

بعبارة أخرى فإن التعليم الديني في (الجامعات والجماعات) يؤدي إلى الانتكاسة بعقل طالب العلم إلى مرحلة الطفل قبل الثالثة بعد أن يكون قد تجاوزها ببلوغ سن الدراسة، ويستمر عقل خريجيه عند هذا المستوى الإدراكي المتخلف حتى آخر السلم الأكاديمي، فيتخرج من الجامعة ويخرج إلى الناس من خلال المنابر المسجدية، والتربوية، والتعليمية، والإعلامية، وهو لا يحسن فهم ما يحفظه أو ما يقوله ، ولا يستطيع التمييز بين الإلهي والبشري ، ولا يين القيمة والذات، فيتحول هذا العقل إلى مجرد جهاز تسجيل تم حشره بكم هائل من المعلومات المقدسة والبشرية (إسلام النص – إسلام التاريخ)، ويظل يمارس عملية الترديد والتكرار لتلك المعلومات الملتبسة عبر تلك الوسائل التعليمية المتاحة له بالولاء والموالاة دون فرز وتمييز، أو فهم وتحليل.فمن يستطيع أن يراجع ذلك العقل المبجل ،أو ينتقده ، أو يستدرك عليه، ناهيك أن يختار أو يرجح من الأراء والأقوال ما لم يعرفها ، ثم يظل بعد ذلك في دائرة الإسلام !!

أذن : نحن أمام مشكل منهجي عويص مرده إلى تعميم المنهج التلقيني في المناهج الدراسية عامة ومنهج الدراسات الإسلامية(الجامعات - الجماعات) خاصة ، مما يعني أننا حيال عمليات أغتيال سافرة لعقول الناس بالجملة بقصد أو بدون قصد،ألا ترى آثار عمليات الأغتيال هذه على أرض الواقع ، فيما نسمعه ونقرؤه ونشاهده لعقول لا تفرق بين الثابت والمتغير، وبين الإلهي والبشري، وبين القيمة والذات، وبين المعرفي والعرفي ؟!!

أوليس هذا المستوى الإدراكي بين الطفل بفطرته والكبير بعاهته هو الداء العضال الذي ينخر في كل عضلة من عضلات الحياة ؛الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، والأخلاقية ، والدينية ؟!! لذلك فمن المفترض أن لا نقنع بكون العقل مجرد اسطوانة يسجل عليها ما يقوله غيره من رجال المنهج التلقيني، إن العقل يتوق بحكم طبيعته الانسانية والمنهج القرآني الذي جعله مناطا للتكليف؛ إدراكا وإيقاعا، إلى تكوين فكرة خاصة به تستند إلى الكلي القرآني وتستفيد من تجارب الغير دون الاكتفاء بها (أولم يسيروا في الأرض فينظروا). وأرجو أن يدفعنا هذا المقترب الإدراكي إلى الاستقصاء المعرفي والتعرف على آثار المنهج التلقيني السالبة على معارف الناس وتطورها بشكل يسمح بتقييمها تقييما صحيحا يبين معالم تبعاتها الفكرية والعملية ، وبدون هذا الإجراء المعرفي يصعب علينا التفريق بين السطحي وغير السطحي من الأفكار، وبين الراجح والمرجوح من الأراء ، وبين الصواب والخطأ من الاجتهادات ، وبين المسؤال وغير المسؤول من القرارات ، وبالضرورة يصعب علينا كذلك التمييز بين الإلهي والبشري ؛ على ما بينهما من فوارق بينة .

وفي هذا المقترب تكمن بذور تفريقنا بين منهج التلقين ومنهج التحليل ، وأوجه الشبه بين مستوى إدراك الصغير بفطرته والكبير بعاهته في النسق المعرفي من حيث التسليم لسلطة الكبار بكل معنى الكلمة، والاعتماد على الحفظ والتقليد ، وتكريس روح المصادفة دون المثاقفة ، مع الإصرار المستميت على تغييب الرأى الآخر جملة !!

والنتيجة غياب تام لمنهج التحليل والتركيب الذي يمثل روح المعرفة، وسيطرة سلطة الأباء المعرفي (إنا وجدنا أباءنا على أمة ، وإنا على آثارهم مهتدون... مقتدون)!! والتي تعني أنه لن يتطور حال الناس ما دام العقل يرسف في أغلال المنهج التلقيني وسلطة رموزه !!

والسلام

عـبدالحكيم


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home