Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 15 December, 2007

   

الإمام الشافعي... وحرية الرأي!! (3)

د. عـبدالحكيم الفيتوري

قد تمهد القول في المقالين السابقين(الشافعي وحرية الرأى 1 و 2) بأن قيمة الحرية واحترام الرأي الأخر في إطار ما يسمى بأهل الأهواء والبدعة؛ناهيك عن أهل الملل الأخرى،لا مكان لها ضمن النظم المعرفية والانساق الفكرية في مشروع الشافعي.ولكننا إذا ما ولينا وجوهنا شطر الوجه الأخر من الصورة للبحث عن قيمة الحرية واحترام الرأى الأخر في إطار ما يسمى بأهل السنة والجماعة،سوف نجد أن التمتع بقيمة الحرية وأبداء الرأى المخالف يتسع ويضيق بحسب قرب وبعد هذا الفصيل أو ذاك من المنظومة الوراثية في السياسة والخطاب الديني الرسمي(السيف والقلم)،هذا على الجملة.وفي هذا المقال نروم قصره على مدى حقيقة شعار الإمام الشافعي(رأي صواب يحتمل الخطأ،ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)دون غيره،بحكم أن هذا الشعار كان ولا يزال -عند العقل التمجيدي-عنوان قيمة الحرية واحترام الرأي الأخر،يرفعه متى شاء في وجه من يشاء تدليلا على أن مبدأ احترام الرأي،وقيمة الحرية كانت عند الأسلاف مبسوطة للجميع!!نحاول التنقيب في أرضية هذا الشعار،وإقامة الحفريات حوله،من خلال ما دار من صراع فكري بين الإمام الشافعي وأتباع الإمام مالك في مصر،بغية الوقوف على مدى إنبساط قيمة الحرية،وإنسياب مبدأ احترام الرأي الأخر في الأوساط العلمية والمعرفية(=الشافعي وأتباع مالك).

-سبب سفره إلى مصر:في عام(199)اعتزم الشافعي السفر إلى مصر بعد تولى المأمون الخلافة عام(198)،ولعله كانت هنالك اسباب وراء اعتزامه ترك بغداد والرحيل إلى مصر،ومن أبرز هذه الأسباب سببين:أحدهما:أن الغلبة في عهد المأمون صارت للعنصر الفارسي، إذ أن المعركة التي قامت بين الأمين والمأمون كانت في الواقع بين معسكر العرب الذي يمثله الأمين وقواده،ومعسكر الفرس الذي كان قواده وجنده من الفرس،وانتهت المعركة بغلبة الفرس، وصار لهم بعد ذلك النفوذ والغلبة،وما كان لهذا القرشي أن يرضى بالمقام في ظل سلطان فارسي في نفوذه وصبغته.ثانيهما:أن المأمون كان من الفلاسفة المتكلمين فأدنى إليه المعتزلة،والشافعي ينفر من المعتزلة ومناهج بحثهم،ويفرض عقوبة على بعض من يخوض مثل خوضهم.(أنظر:الشافعي،لأبي زهرة)

ولعل ما يقوي هذين السببين أن هنالك دعوة وجهت إلى الإمام الشافعي من والى مصر العباس بن عبدالله بن العباس(الهاشمي القرشي)بأن يأتي مصر ويقيم فيها مكرما معززا.ولبى الشافعي هذه الدعوة الكريمة،ولكنه قبل رحيله إلى مصر قام بمسحة ثقافية للمسرح الفكري والثقافي وأهم قيادته ورموزه،من خلال سؤاله للربيع المرادي مولاه وتلميذه النجيب.قال الربيع:سألني–أي الشافعي-عن أهل مصر قبل أن يدخلها،فقلت:هم فرقتان:فرقة مالت إلى قول مالك وناضلت عليه،وفرقة مالت إلى قول أبي حنيفة وناضلت عليه،فقال:أرجو أن أقدم مصر إن شاء الله،فأتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين جميعا.قال الربيع:ففعل ذلك-والله-حين دخل مصر!!

-أولى المهام التي قام بها الشافعي في مصر:أولى هذه المهام كانت إعادة النظر في مشروعه المعرفي الرائد،حيث جدد تأليف(الرسالة)وأحكم بنيانها البياني في الاستدلال والاحتجاج.كما وأنه أعاد النظر في كتابه(الحجة)الذي ألفه في بغداد ضد أراء أبي حنيفة وغيره،حيث ألف بدله كتاب(الأم)وهو المعروف بأراء الشافعي في الجديد،وبهذه المهمة المعرفية تهيأ الإمام الشافعي إلى عملية المنافسة والتأثير في سوق المعرفة بمصرالتي كانت حكرا على المذهبي المالكي وقليل من المذهب الحنفي،كما وصف الإمام الشافعي استعداده النفسي لولوج هذا الحلبة المعرفية التنافسية،فقد قال:أرجو أن أقدم مصر إن شاء الله،فأتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين جميعا!!قال الربيع:ففعل ذلك-والله-حين دخل مصر!!

بالفعل حقق الشافعي في هذه المنافسة المعرفية نجاحا بلغ الذروة،فقد بلغ الأقبال عليه مبلغا لم يصله غيره في زمانه،يصورالنووي هذا الإقبال بقوله:سار ذكره في اللبدان،وقصده الناس من الشام واليمن والعراق وسائر النواحي والاقطار..وساد أهل مصر وغيرهم.(تهذيب الاسماء واللغات)

-الخوف من الرأى الأخر:وهكذا ساد الشافعي أهل مصر،وقبلوه إماما لهم،وهو في هذه السيادة لم يزل يقول بقول مالك،ولا يخالفه إلا كما يخالف بعض أصحابه.ولهذا كله سكت المالكيون عنه مادام لم يصرح بمخالفة مالك.ولكن قيادة المذهب المالكي كانت تخشى على المدى البعيد من سيطرة الإمام الشافعي ببيانه وحجته وأراءه على مصر قاعدة المالكية،وينشر فيها مذهبه(=رأيه)،وبذلك يقضي فيها على مذهب(=رأي)مالك.ومن هنا فإن أخذ الحيطة ومراقبة الشافعي في أفكاره وأراءه؛أمر واجب.صور لنا أبو الشيخ الحافظ وغيره خشية المالكية من رأي الشافعي(=الأخر)،بقوله:إن الشافعي لما دخل مصر أتاه جلّة أصحاب مالك،وأقبلوا عليه،فلما أن رأوه يخالف مالكا،وينقض عليه،جفوه وتنكروا له،فأنشأ يقول: أأنثر درا بين سارحة النعم وأنظم منثورا لراعية الغنم!!(مناقب الشافعي،سيرأعلام النبلاء،معجم الأدباء).وهنا كانت بداية التراشق بالألقاب لمنع حرية الرأي وإقصاء الأخر.

-استدعاء السلطة ضد المعرفي:وحين وقع من الشافعي ما كان يخشاه المالكية بتأليفه الكتب بمخالفة ونقض أقوال مالك،وتبادل الإتهامات على طريقة الشعراء(أأنثر درا بين سارحة النعم...وأنظم منثورا لراعية الغنم)،حينئذ لم يجدوا(المالكية)حرجا في استدعاء السلطة ضد خصمهم في المعرفة(الرأى الأخر=المذهب الأخر)،فاستعانوا عليه بالسلطة وسعوا به عند السلطان لكبته وطرده من البلاد،قال ابن حجر:لما وضع الشافعي كتاب الرد على المالكية سعوا به عند السلطان،وقالوا له:أخرجه عنا،وإلا أفتتن البلد،فهمّ بذلك،فأتاه الشافعي والهاشميون،فكلموه فامتنع،وقال إن هؤلاء كرهوه،وأخشى الفتنة..(توالى التأسيس)

ولم تنحصر عملية استعانة المالكية بالسلطان(=السيف)على المعرفي(=القلم)ضد رمز الرأي الأخر(الإمام الشافعي)بل طالت تلاميذه وأتباعه،حيث تم التضييق عليهم لدرجة منعهم من حق الاجتماع ومدارسة أفكارهم وأراء شيخهم،يقول ابن حجر:ولم يكف المالكيون عن السعي بأصحاب الشافعي عند السلطان حتى بعد موته،يقول البويطي-خليفة الشافعي-:لما مات الشافعي اجتمع في موضعه جماعة من أصحابه،فجعل أصحاب مالك يسعون بنا عند السلطان،حتى بقيت أنا ومولى للشافعي،ثم صرنا بعد نجتمع ونتألف،ثم يسعون علينا حتى نفترق،فلقد غرمت نحوا من ألف دينار،حتى تراجع أصحابنا وتألفنا.(توالي التأسيس)

-إشكالية تقديس المعرفة:المعرفة نشاط علمي تأويلي يصدر عن العقلاء،في إطار تجادلهم مع الثلاثي(العقل،والنص،والواقع).وبالتالي فإن المعرفة ليست مقدسة،بل هي عملية بشرية اجتهادية قابلة للتطوير والتجديد دائما.والخطورة كل الخطورة في أدراج المعرفة البشرية في مصاف المقدس(الوحي)الذي حقه مطلق الزمان والمكان والإنسان،وهنا مكمن الداء وموطن الخلل.فتأمل الأجواء التي وضع فيها الإمام الشافعي أراءه الأصولية البيانية،واجتهادته الفقهية،في إطار مبادرة(عبدالرحمن بن مهدي من بغداد)،وفي إطار إكمال مشروعه في مصر في أجواء التدافع بينه وبين المالكية ،كما صورها ابن عبدالحكم أحد تلاميذ الشافعي الأربعة المشهورين بقوله:لم يزل الشافعي يقول بقول مالك،ولا يخالفه إلا كما يخالف بعض أصحابه،حتى أكثر فتيان-ابن أبي السمح-عليه،فحمله ذلك على ما وضعه على مالك...).(الذهبي،وتوالى التأسيس)،ولم يلبث-ابن عبدالحكم-أن ترك المذهب الشافعي،وعاد إلى مذهب مالك مذهب أبيه،ثم انتهى به الحال إلى أن صنف كتابا سماه(الرد على الشافعي فيما خالف فيه الكتاب والسنة).(انظر:الشافعي فقيه السنة الأكبر،للدقر)

ويبدو أن المعرفة كانت في ذلك الجيل غير مقدسة،فهذا الشافعي لم يقدس المنتج المعرفي للإمام مالك(الموطأ)،كذلك ابن عبدالحكم تلميذ الشافعي-سابقا-لم يجد حرجا في نقد المعرفة التي انتاجها الإمام الشافعي،وكذلك فعل محمد بن الحسن الحنفي مع منظومة الشافعي المعرفية.ويبدو أن المشكل الذي يعانيه العقل التمجيدي(المعاصر)حين تلقيه لتلك الجهود المعرفية الرائدة في زمانها،أنه تلقفها بمنهج(استذكاري)وليس(استكشافي)،مما حمله ذلك على إدراج هذه الجهود المعرفية البشرية في مصاف المقدس،فأضحى نقدها نقدا للوحي،وصار الخروج عليها خروجا على الوحي سواء بسواء،وبذلك يكون (العقل التمجيدي)قد حرم نفسه من عملية النقد والإضافة والتطويرالتي كان يؤمن بها منظري تلك المعارف حين سطروا تلك الاجتهادات المعرفية الرائدة في زمانها.فمن منا لا يعرف تلك الشعارات التي كانت تحمل منهج أؤلئك العلماء في المعرفة،كشعار(إذا خالف قولي قول رسول الله فالحجة في قول رسول الله،واضربوا بقولي عرض الحائط )،(وما منا إلا من رد،أو رد عليه،إلا صاحب هذا القبر).(ولا تقلدني وتقلد أحمد،وخذ مما أخذنا)!!

-الاستعانة بالدعاء على المخالف في الرأي:وأحسب أن أغلاق فضاءات الحرية،وتكتيم الأفواه،وسد مسام الجلد،يقلب القيم إلى عكس مقصودها الأساسي،ويسهل جر الوسائل النافعة الشرعية؛كالدعاء،والاستغاثة بالله سبحانه خاصة في حالات الاستجابة؛كحال السجود(أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)إلى وسائل إنتقامية يستعان بها على التشفي من المخالف في الرأي(= في المذهب،أو الفكر)وذلك بتمني الموت له،أوإصابته بعاهات،أوأمراض مزمنة،ولو كان هذا المخالف منتمي إلى حزبه(أهل السنة والجماعة).فهذا الذي حصل من أشهب ابن عبدالعزيز إمام المالكية في مصر عهد الشافعي.قال الربيع:رأيت أشهب ابن عبدالعزيز ساجدا يقول في سجوده:اللهم أمت الشافعي لا يذهب علم مالك،فبلغ الشافعي،فأنشأ يقول:تمنى رجال أن أموت وإن أمت....فتلك سبيل لست فيها بأوحد!!(الذهبي،تاريخ ابن عساكر)

فإذا كانت وسيلة الدعاء(الدعاء هو العبادة)على المخالف لم تجدي نفعا في حسم المخالف في الرأي(المذهب)،فلا حرج حيئذ من جر الكليات الخمسة(الدين،النفس،العقل،النسل،المال)بهذا الترتيب،فالمحافظةعلى(الدين)الكلية الأولى مقدم على إزهاق الكليات الأربعة الأخرى(النفس،والعقل،والنسل،والمال).فبمجرد زعم رجل السلطة السياسية،أوالدينية(السيف،والقلم)بأن كلية الدين في خطر،وبدون فرز بين الدين المنزل(=الوحي)،والدين المؤول(=الاجتهادات البشرية)،تصبح التضحية بالكليات الاربعة الأخرى(النفس،العقل،النسل،المال)،في إطار الخوف من بعبع الفتنة،أمر مشروع لا غبار عليه.وقالوا للسلطان:أخرجه-الشافعي-عنا،وإلا أفتتن البلد!!

- الاستعانة بالحديد لإزالة المخالف رأيا وذاتا:ويبدو لي أن كثرة مراعاة هذا النسق والترتيب للكليات الخمسة،وإتساع دائرة ضم الدين المؤول للدين المنزل،وجعلهما في مرتبة واحدة، أنه كان وراء استباحة دماء كثيرة في التاريخ الإسلامي،ولعل الإمام الشافعي رحمه الله كان من ضحايا هذا التأويل،وهذه الانساق التراتيبية،حيث جاء في بعض الروايات التي جاء فيها ذكر أسباب مقتل الشافعي،بأنه أغتيل على يد شيخ من كبراء أصحاب مالك المتعصبين لمذهبه،وهو فتيان بن أبي السمح!!يقول ابن حجر:وقد اشتهرأن سبب موت الشافعي،أن فتيان بن أبي السمح المصري،وقعت بينه وبين الشافعي مناظرة،فبدرت من فتيان بادرة،فرفعت إلى أمير مصر،فطلبه وعزره فحقد لذلك،فلقي الشافعي ليلا،فضربه بمفتاح حديد فشجه،فتمرض الشافعي منها إلى أن مات،ولم أر ذلك من وجه يعتمد.(توالي التأسيس)

وعلى الرغم من أن ابن حجر شافعي المذهب لم ير ذلك من وجه يعتد به عنده،واختار موته بالبواسير.ولكنه مع ذلك لم يجد بدا من نقل قصيدة أبي حيان التي تثبت عملية الاغتيال بتفصيلها،قال ابن حجر،وقد ضمن ذلك شيخ شيوخنا أبو حيان في قصيدته التي مدح بها الشافعي.قال فيها:

ولما أتى مصر انبرى لإذائه      أناس طووا كشحا على بغضه طيا
أتى ناقدا ما حصلوه وهادما       لما أصلوه إذ كان بنيانهم وهيا
فدسوا عليه عندما انفردوا به      شقيا لهم شلّ الإله له يديا
فشجّ بمفتاح الحديد جبينه          فراح قتيلا لا بواء ولا نعيا.
                                                    (توالي التأسيس)

وجاء في(معجم الأدباء)تصويرا كاملا لحيثيات أغتيال الإمام الشافعي رحمه الله،قال ياقوت الحموي:إنه كان بمصر رجل من أصحاب مالك بن أنس،يقال له فتيان،فيه حدة وطيش،وكان يناظر الشافعي كثيرا،ويجتمع الناس عليهما،فتناظرا يوما في مسألة بيع الحر-وهو العبد المرهون إذا أعتقه الراهن ولا مال له غيره- فأجاب الشافعي بجواز بيعه على أحد أقواله،ومنع فتيان منه،فظهر عليه الشافعي في الحجاج،فضاق فتيان بذلك ذرعا،فشتم الشافعي شتما قبيحا،فلم يرد عليه الشافعي حرفا،ومضى في كلامه في المسألة،فرفع ذلك رافع إلى السري،فدعا الشافعي وسأله عن ذلك وعزم عليه،فأخبره بما جرى،وشهد الشهود على فتيان بذلك.فقال السري بن الحكم –أمير من ولاة المأمون-:لو شهد آخر مثل الشافعي على فتيان لضربت عنقه،وأمر فتيان فضرب بالسياط،وطيف به على جمل،وبين يديه مناد ينادي،هذا جزاء من سب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم،ثم إن قوما تعصبوا لفتيان من سفهاء الناس،وقصدوا حلقة الشافعي حتى خلت من أصحابه وبقي وحده،فهجموا عليه وضربوه،فحمل إلى منزله،فلم يزل فيه عليلا حتى مات).

وأحسب أن هذه العملية البشعة بكل المقاييس الدينية،والانسانية، والاخلاقية،التي أتت على الرأي الأخر؛ رأيا وذاتا جملة وتفصيلا،لم تأتي من فراغ فكري، بل يبدو أنها كانت منسجمة مع قواعد الفكر(التأثيمي) والفقه(الجنائزي) الذي قام أساسا على إقصاء الأخر وإلغائه، بقاموسه ومفرداته المعروفة، من تأثيم، وتجريم، وجلد، وتشريد، وتهجير، وقتل!!

-وقفة مع بعض حيثيات أغتيال الشافعي:لفت نظري في هذا النص التاريخي الذي أورده الحموي،عدة نقاط يبدو من خلالها أن الفكر الإسلامي كان يعاني من أزمة حادة في أصل الاعتراف بقيمة الحرية،ومبدأ احترام الرأي الأخر،منذ مرحلة تدوينه.أولا:أن مناظرة الشافعي وفتيان،والتي راح ضحيتها الإمام الشافعي رحمه الله،كانت تدور حول مسألة(الرق).ولا يخفى أن مسألة الرق برمتها كانت من القضايا التي تنزل القرآن لمعالجتها وإلغائها؛من خلال فتح أبواب الكفارات،ولم يتنزل لتأصيلها والتفريع عليها،وعلاوة على ذلك فإن آيات القرآن التي تناولت هذه قضية من الآيات غير المعيارية التي يراعى فيها السياق التاريخي،والنسيج الاجتماعي للمعالجة.فكان الأولى بهم مناقشة قضايا الحرية بدلا من قضايا العبودية(الرق)!!

ثانيا:هل استعان الشافعي،أو أحد مريديه، في هذه المناظرة الفكرية،بالسلطان على خصمه(فرفع ذلك رافع إلى السري،فدعا الشافعي وسأله عن ذلك وعزم عليه،فأخبره بما جرى)؟! وهل يفهم من هذا السياق أن الشافعي كان يرى كبت خصمه بجبروت السلطان(لو شهد آخر مثل الشافعي على فتيان لضربت عنقه).وهنا يحق لنا طرح سؤال استفهامي مفاده،أين تجليات ذلك الشعار المشهورعن الإمام الشافعي:رأي صواب يحتمل الخطأ،ورأي غيري خطأ يحتمل الصوب؟!!

ثالثا:هل كان الشافعي يرى قتل المخالف له في الرأي(وإن كان هذا المخالف من تلاميذ استاذه الإمام مالك)؟!! أو هل كان يرى ضرب المخالف في الرأي بالسياط والتشهير به في الأسواق(وأمر فتيان فضرب بالسياط،وطيف به على جمل)؟!! وإذا لم يكن يرى هذا ولا ذاك،فلماذا لم تنقل لنا المراجع التاريخية استنكاره وشجبه لهذه الجرائم التي ترتكب في حضرته ضد تضييق قيمة الحرية وإدانة الرأي الأخر؟!!

رابعا:هل كان الشافعي يعتقد بأن مخالفته في الرأي(=آل البيت)توجب عقوبة المخالف(وأمر فتيان فضرب بالسياط،وطيف به على جمل،وبين يديه مناد ينادي،هذا جزاء من سب آل رسول الله)؟!! فإذا كان ذلك كذلك،أليس ذلك مخالفة صريحة لهدي القرآن وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المنافقين والمخالفين له في الرأي،والاعتقاد،والسلوك؟!!(1)

خامسا:هكذا وبكل بساطة تنتهك حرمة دم المسلم المخالف في الرأي،وتستباح حرمة المسجد من أجل أغتيال الأخر رأيا وذاتا،في زمن الزهد والإخوة والإيثار(ثم إن قوما تعصبوا لفتيان من سفهاء الناس،وقصدوا حلقة الشافعي حتى خلت من أصحابه وبقي وحده،فهجموا عليه وضربوه،فحمل إلى منزله،فلم يزل فيه عليلا حتى مات)!!ومَنْ هؤلاء السفهاء(=اتباع الشيخ فتيان!!)الذين قاموا بهذه الجريمة النكراء في بيت من بيوت الله؟!ألم تمنعهم أية موعظة سمعوها من شيخهم(فتيان)في الورع،والزهد،والخوف من الله عن إرتكاب هذه الجريمة في حق الإمام الشافعي؟!!

أحسب أن هذه النهاية المأساوية للإمام الشافعي رحمه الله-إن صحت هذه الروايات-،تشير إلى مدى إختناق قيمة الحرية واحترام الرأي الأخر منذ بداية التدوين على كافة المستويات(سنة+سنة)(2)،(سنة،وأهل الأهواء).ومن المنطق أن هذه الصورة كافية لحمل العقلاء إلى السعي من الحد لهذه القداسة المفرطة للتاريخ وصانعيه،وفك الاشتباك بين دائرة(إلاسلام المنزل)ودائرة(الإسلام المؤول).من أجل تقديم قيم القرآن الكريم،وسيرة من كان خلقه القرآن صلى الله عليه وسلم،والتخفيف من الحمل الثقيل الملقى على عاتق العقل التمجيدي الذي اتعب نفسه بالدفاع عن وقائع تاريخية بشرية مشحونة بصراعات سياسية،ومذهبية،وطائفية،قد لا يعلم ماهيتها وتفصيلها على وجه الحقيقة.علاوة على ذلك فهو مثقل بضغط الحاضر ومواكبته،وخاضع لسلطة تراث كتب بعقل فقهي،قد توقف عطاؤه منذ زمن بعيد،مما جعله فاقدا لاستقلاله وحريته في النقد والبناء،مكتفيا بقراءة التاريخ تذكرا(ذكرا المناقب،والمأثر)لا مكتشفا ولا مستفهما،فتحول عقله من كونه أداة تفكر ونقد إلى آلة حفظ وتذكر!!

وهكذا أناخ العقل التمجيدي بكلكله على الواقع الفكري والسياسي والسلوكي في كل جنباته،يكرر مسلسل(فتيان واتباعه)مستذكرا تفاصيل تلك الصور البشعة في إقصاء الأخر؛رأيا وذاتا،دون محاولة منه للانقطاع،والانفصال عن إنماط مسلسل(فتيان وأتباعه)،والسعي لإحياء منهج الوحي،ومن كان خلقه القرآن صلى الله عليه وسلم!!

وبعد.دمتم بصحة،وكل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الأضحى.علما بأن المقالات سوف تتوقف هذه الفترة.وشكرا للجميع على المتابعة.

والسلام

عـبدالحكيم
Dr_elfitouri@yahoo.co.uk
________________________

1-انظر إن شئت المقال الأول والثاني من هذه السلسلة(القرآن والرأي الأخر)،و(الرسول،والرأي الأخر)
2-يعلم الجميع من سجن ابن تيمية،وحرمه من القرطاس والقلم؟! ويعلم الجميع من ضرب ابن القيم بالسياط وطاف به في الاسواق؟ والنماذج في ذلك كثيرة داخل البيت السني!!
* قائمة باسماء بعض مراجع هذه السلسلة :
-تاريخ الطبري.
-تاريخ الذهبي.
-تاريخ أبي زرعة.
-تاريخ بغداد .
-تاريخ ابن عساكر.
-سير أعلام النبلاء.
-في مناقب الإمام الشافعي،توالى التأسيس لمعالي محمد ابن أدريس.
-مناقب الشافعي .
-موسوعة الإمام الشافعي .
-الأم.
-الرسالة.
- تهذيب الاسماء واللغات.
-معجم الأدباء.
- ترتيب المدارك.
- العقد الفريد.
- حلية الأولياء .
- وفيات الاعيان.
-المنتظم في التاريخ.
-الإمام الشافعي فقيه السنة الأكبر.(للدقر)
-الشافعي،حياته،وعصره،وآراؤه،وفقهه.(لأبي زهرة)


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home