Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 15 September, 2006

   

فـلسفة تطوّر العـقـل وتـدرّج الشرع (3)

د. عبدالحكيم الفيتوري

- أما عن مراحل نمو وتطورالعقل البشري فقد أشار الحديث أنه: (أول ما خلق الله العقل ، فقال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر . ثم قال الله عز وجل : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك ، بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب). ولا ريب أن هذا العقل قد مر بمراحل متعدد في إطار تعامله مع الأشياء والذوات والقيم ، ففي مرحلة العقل الفطري كان التعرف على الأشياء والذوات (وعلم أدم الأسماء كلها) قال ابن عباس: هي هذه الاسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودواب وسماء وأرض وسهل وبحر وخيل وحمار وأشباه ذلك . ولا فرق بين أن يكون تعلم هذه الاشياء جملة واحدة وعلى التفصيل أو أن يكن تعلمها بطريق البحث . ثم كانت مرحلة العقل الإحيائي الباحث عن العلاقة بين الإشياء من ناحية وبين الذات والقيم من ناحية أخرى كما يمكن تصوره من خلال الآية الكريمة (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ، فهدى الله الذين آمنوا لما ختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم). اي أن وحدة الأمة كانت فيما هو من مقتضى أصل الفطرة من الأخذ بما يرشد إليه العقل في الاعتقاد والعمل ، فكان الناس يهتدون بعقولهم والنظر المحض في الآيات الدالة على وجود الصانع ، ووجوب شكره ، ثم كانوا يميزون الحسن من القبيح ، والباطل من الصحيح ، بالنظر في المنافع والمضار، أو الإتفاق مع ما يليق بالله ـ على حسب ما يرشد إليه العقل ـ أو ما لا يليق به سبحانه.

وفي تقديري أن العقل بمزاولته البحث عن الحسن والقبيح والباطل والصحيح يتجه إلى العقل التقابلي الذي يقوم على أساس النظر إلى الأشياء من خلال المقابلات بين الأشياء والقيم كما جاء ذلك في آيات كثيرة منها(ومن آياته أنك ترى الارض خاشعة ، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، إن الذي أحياها لمحي الموتى)، (أم له البنات ولكم البنون)، (وأنه هو أضحك وابكى)(والشمس والقمر، والنجم والشجر)وهذه النقلة ما بين العقل الفطري الإحيائي ثم التقابلي كانت خاضعة لسنن التدرج في الفهم والتعلم وتنوع الشرائع كما أشارت إلى ذلك الآيات (ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون)،(وعلمك ما لم تكن تعلم )(ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل).

وأحسب أن ذلك كان تمهيدا لتحول العقل من عقل تقابلي إلى عقل برهاني باحث عن كل شيء بالبرهان والمنطق والاستدلال كما تجلى ذلك في قصة إبراهيم عليه السلام وتعامله مع(القلق المعرفي)(*) حين تعرف على الله سبحانه من خلال ملكوته(وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ... فلما جن عليه اليل رءا كوكبا، قال هذا ربي ، فلما أفل قال لا أحب الأفلين ، فلما رءا القمر بازغا ، قال هذا ربي ... فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي ،هذا أكبر...)!! كذلك لما طلب إبراهيم عليه السلام معرفة فلسفة الإحياء والإماتة (وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحى الموتى ، قال أولم تؤمن ، قال بلى ولكن ليطمئن قلبي..)، وأيضا في استخدامه لأساليب المناظرة والدفاع عن حقائق الإيمان والغيب (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن اتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت ، قال أنا أحي وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب).

وعلى أرضية العقل البرهاني والمنطقي الاستدلالي(هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)كانت دعوة القرآن الكريم إلى التفكر والتدبر، ومعرفة المعاني ودلالات الألفاظ ، تمهيدا للمرحلة الآخيرة من مراحل تطور العقل وتدرج الوحي، والتي تعد بحق العمدة في فلسفة تطور العقل وتدرج الشرع ، وذلك بتأسيس العقل المقاصدي الذي يدراك ضوابط العلاقات الجدلية بين فهم دلالات النصوص ومقاصد الوحي، وبين متغيرات الواقع ومستجدات التدافع البشري. وعند وصول العقل طوره النهائي واكتمله في أحسن تقويم حيث صار عقلا مقاصديا يحسن التعامل مع العلاقة الجدلية بين الثابت (=مقاصد النصوص) والمتغير (=الواقع المتجدد) بعقل مقاصدي يلتزم دلالات الأحكام ومقاصدها لا حرفيتها ، ويتعاطى مع كلياتها ويراعي جزئياتها ، ويعتبر حركية الواقع لا سكونيته ، وتجدد حاجات الانسان لا تحنطها عند حاجات الأسلاف!! ولما تمت عملية تشكل العقل المقاصدي وخرج إلى حيز الوجود انقطعت عمليات اصطفاء الرسل وأنزال الكتب ، فصار عقلا مقاصديا نيط به التكليف الشرعي ، من حيث إقتداره على استجلاء معاني الخطاب الإلهي واستهداءه إلى مقاصده فهما وتنزيلا، بمعيارية تدور في فلك تركيبية وترتيبية ؛ ترتيبية(=معرفة مراتب المصالح والمفاسد ، وخير الخيرين وشر الشرين)، وتركيبيه (=القدرة على استقراء الجزئي وتشكيل الكلي ، ورد الجزئي إلى الكلي ، وأحسان التعامل مع الكليات).

وأخال أن تلك العقلية الرسالية التي استطاعت التعامل مع مقاصد الوحي بعقلية مقاصدية تراعي ظروف الزمان وتغير المكان وتطورالانسان، قد تجلت في عقلية بن الخطاب ومن سار على دربه كالإمام علي ، وعائشة رضي الله عنهم. علما بأننا بدون هذه العقلية المقاصدية لا يمكن لنا البتة عملية النهوض ، والإقلاع في سماء التجديد والتطوير والتدافع الحضاري لتحقيق العالمية الجديدة،والاشهاد بالحق (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)!!

والسلام

عبدالحكيم
________________________

(*) بمعنى أن إبراهيم عليه السلام كان يرى الليل والقمر والشمس كل يوم رؤية عادية ،وإنما دفعه إلى التفكر في هذه الآيات الكونية والاستدلال بها على وحدانية الخالق ، تلك الخصومة التي كانت بينه وبين قومه حين دعاه قومه إلى عبادة الأصنام .فاتمنى على قارئ هذه المقالات أن يتحول بفكره إلى(القلق المعرفي) بغية إعادة قراءة القرآن والتراث بعقلية مقاصدية لا بعقلية فطرية!!


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home