Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 15 March, 2007

       

قراءة نقدية لحديث
( النساء ناقصات عـقل ... )

( 1 من 5 )

د. عـبدالحكيم الفيتوري

ورد نص هذا الحديث في صحيح البخاري،وغيره من كتب الحديث،وروي من طرق متعددة،ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال:خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر؛ إلى المصلى،فمر على النساء فقال:يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثرأهل النار،فقلن:وبم يا رسول الله قال:تكثرن اللعن وتكفرن العشير،ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن،قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يارسول الله؟ قال أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل قلن:بلى:قال فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن:بلى،قال:فذلك من نقصان دينها.(1) أثيرت حول هذا الحديث شبهات حول حقيقة احترام الاسلام للمرأة من قبل المستشرقين أول الأمر،فكانت أجابة المدرسة الكلاسيكية(العقل التمجيدي)على هذه الشبهة،بأن كل ما ورد في حديث(النساء ناقصات عقل ودين)يعد من جنس تكريم المرأة واحترامها ورفعت مكانتها!!(2).أما إيجابة المدرسةالإصلاحية بقيادة الشيخ محمد عبده،ورشيد رضا وغيرهما مما سار على منهج الاصلاح والتجديد.على هذه الشبهة،بإمكانية فهم منطوق الحديث في أجواء بيئة وروده(والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها فأنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل يعني أن من طبع البشر ذكرانا وإناثا أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر إشتغالهم بها).(3)

تتفق هذه القراءة مع جملة ما توصل إليه صاحب المنار في هذا السياق،ولكنها توضيف إضافة حقيقية في سياق تحرر الآية من الرواية،والعقل من فهم التاريخ،وذلك بنقد الحديث وفهمه من خلال آية الدين(المداينة)عبر سياقاتها المقاصدية،وفحص مفردات الحديث باعتبار السياق التاريخي لاستعمال هذه المفردات،ثم المقارنة والمقاربة بين منطق الحديث ومنطق الواقع. المحور الأول:فهم الحديث من خلال آية الدين.

ارتبط الشطر الأول من هذا الحديث(قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يارسول الله؟ قال أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل قلن:بلى:قال فذلك من نقصان عقلها)باطول آية في القرآن الكريم،وهي آية(الدين)أوالمداينة من سورة البقرة(يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلا أجل من مسمى..واستشهدوا شهيدين من رجالكم،فإن لم يكونا رجلين،فرجل وامرأتان،ممن ترضون من الشهداء).فكان لزاما علينا أن تناول هذا المحور على مستويات ثلاث،مستوى اعتبار النسيج الاجتماع،ومستوى النظم المعرفي،النسق التاريخي للآية والحديث.

1-اعتبار النسيج الاجتماعي:يبدومن خلال النظم القرآني والنسق المعرفي لهذه الآية الكريمة،باعتبار سياقها وسباقها ولحاقها،تضعنا أمام حركة مجتمع وليد تشكل من نزع من قبائل متناثرة في الجزيرة العربية،فهنالك قلة في هذا المجتمع الوليد تملك المال،وأما الأغلبية الساحقة فقد كان الفقر حليفها،لكونها هاجرت من أوطانها،ونازعت قبائلها،وتركت موارد إرتزاقها الطبيعية.

2-اعتبار النظم المعرفي:وذلك على ثلاث مستويات،سباق الآية وسياقها ولحاقها.فعلى المستوى الأول:جاءت آية المداينة بعد جمهرة من الآيات التي تحث على الانفاق بالليل والنهار،وإعطاء الصدقات سرا وعلانية،ومراعاة أهل الحاجة من القاطنين في المجتمع الإسلامي الوليد،وكان ذلك عبر ثلاثة عشر آية في ثلاثة صحفات متتالية،من قوله تعالى(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة...إلى قوله الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).المستوى الثاني:بعد هذا الزخم الآياتي في الحث على الإنفاق بدون ربح مادي،وإنما الأجرء والمثوبة من الله سبحانه،جاءت آيات الربا عبر صحفة كاملة،تنهى افراد المجتمع الوليد من احتكار المال واستغلال المحتاجين الذين تقطعت بهم سبل الحياة،أو تعسرت عليهم سبل المعيشة،لأن الربا إقراض مال إلى إجل بربح،ولا يقدم على الاقتراض أحد إلا لدفع حاجة الإنفاق على النفس والأهل،وكان هذا التداين هما وكربا للسواد الأعظم من المجتمع الإسلامي الوليد،حتى استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم(اللهم أني أعوذ بك من الهم والغم،ومن غلبة الدين وقهر الرجال). المستوى الثالث:وبعد هذا النسق المعرفي ابتداء من آيات الأنفاق مرورا بآيات الربا،كان نزول آية المداينة وهي أطول آية في القرآن الكريم،ترشد أصحاب الأموال إلى كيفية حفظ المال والمساهمة في عملية ترابط المجتمع وتماسكه من خلال التعاون والتراحم،وذلك من خلال دفع المال على هيئة قرض حسن،لا صدقة ولا ربا،فكان الأمر الارشادي بكتابة الدين،والإشهاد عليه،لحفظ حق صاحب المال،ومخافة ضياع حقوقه؛بنسيانها أو حجدها،وبالتالي يصون المجتمع الناشئ من أفة فساد ذات البين خاصة في الأموال.وهكذا يتضح من السياق والسباق واللحاق بأن آية المداينة أمر إرشادي وليس واجبا،وأنها نزلت لغرض حفظ حقوق الداين والمجتمع من فساد ذات البين،وليس بغرض تفضيل شهادة الرجل عن المرأة،علما بأن هذا الأمر محمول على الندب، وعلى هذا جمهور الفقهاء المجتهدين، والدليل عليه أنا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد، وذلك إجماع على عدم وجوبهما،ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:بعثت بالحنيفية السهلة السمحة.

وأبعد النجعة من قال:الآية كانت واجبة،ثم نسخة بقوله(فإِن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ٱؤمن أَمانته)وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم وابن عيينة،وقال التيمي:سألت الحسن عنها فقال:إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد،ألا تسمع قوله تعالى:(فإن أَمن بعضكم بعضا).(4)فهل يعقل أن الآية نزلت جملة واحدة،فيكون السطر الأول فيها محكم،والسطر الثاني ناسخ له،أولها محكم وعجزها ناسخ؟!! المهم.إذا كانت الكتابة والاشهاد في الآية للإستحباب فمن شاء كتب أو أشهد،وإن لم يشاء فلا يكتب ولا يشهد،هذا قول الجمهور،فكيف ينسب لرسول الله أنه قال:ونقصان عقل يعني نصف شهادة المرأة للرجل،ويشير في ذلك إلى آية المداينة ؟!! والغريب أن الأمر بالكتابة والاشهاد في الآية ورد موردا ارشاديا الغرض منه توثيق حقوق الناس وحفظ المجتمع الوليد من التشرذم والتمزق،ولم لكن من غرضه تمييز عقول الناس بين ذكر وأنثى.

وبالتالي فإن منهج تعضية القرآن،وتمزيق نسيجه المقاصدي،ونزع آياته من أنساقها المعرفية،منهج مدان قرآنيا(الذين جعلوا القرآن عضين)،والمطلوب اعتماد منهج التعامل الكلي المقاصدي الذي يراعي النظم والانساق المعرفية،ويعتبر السياقات التاريخية،والانسجة الاجتماعية حال نزول القرآن.

3-اعتبار السياق التاريخي لآية المداينة:لا نقصد بالضرورة ذلك النمط الكلاسيكي في التعامل مع اسباب النزول،ولكن المقصود اعتبار السياق التاريخ في نزول الآية،والنسق المعرفي الجامع بين آيات الصدقة والربا والدين،واعتبار النسيج الاجتماعي الذي عالجته تلك الايات.يذكر شيخ المفسرين ابن جرير الطبري،أن آية المداينة من سورة البقرة آخر ما نزل من القرآن،يقول:عن سعيد بن المسيب أنه بلغه‏:‏أن أحدث القرآن بالعرش آية الدَّين‏.وذكر ابن كثير عن جمهرة من العلماء كابن عباس وابن جبير أن الآية(281)‏(‏واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى اللّه ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون‏)،والتي هي آخر آيات الربا وقبل آية الدين مباشرة(282)،أنه آخر ما نزل من القرآن كله،قال سعيد بن جبير‏:‏آخر ما نزل من القرآن كله‏(‏واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى اللّه ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون‏)،وعاش النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول‏.‏وعن عبد اللّه بن عباس قال‏:‏آخر شيء نزل من القرآن‏‏(واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى اللّه ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون‏)وقال ابن جريج، قال ابن عباس‏:‏آخر آية نزلت‏(‏‏واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى اللّه‏)الآية،قال ابن جريج‏:‏يقولون إن النبي صلى اللّه عليه وسلم عاش بعدها تسع ليال وبدىء يوم السبت ومات يوم الأثنين.ولا يخفى أوجه الاتفاق بين قول ابن جرير وابن كثير لأن كثير من المفسرين يفسرون آيات الربا والمداينة في سياق واحد.قال صاحب مباحث في علوم القرآن:ويجمع بين الروايات الثلاث بأن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف،آية الربا،فآية(واتقوا يوما)فآية الدين،لأنها في قصة واحدة.فأخبر كل راو عن بعض ما نزل بأنه آخر،وذلك صحيح،وبهذا لا يقع التنافي بينها).(5)

اللافت للنظر،أن آية الدين أخر ما نزل من القرآن على رسول الله،ولم يلبث عليه السلام بعدها إلا تسع ليال،ومات في بداية ربيع الأول،أي بعد عيد الأضحى الذي في ذي الحجة،وقبل عيد الفطر الذي في شوال،فكيف ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه خرج في أحدى العيدين( شك راوي الحديث،أفي عيد الأضحى أوعيد فطر)؟!! كذلك كيف ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحديث المنسوب(ناقصات عقل ودين..أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل) أشارة إلى آية المداينة كما قال صاحب فتح الباري،علما بأن أية المداينة لم تنزل إلا في شهر ربيع الأول أي بعد ثلاثة أشهر من عيد الأضحى،وقبل ثمانية أشهر من عيد الفطر ؟!!

يتبع...

عـبدالحكيم
www.a-znaqd.com


       

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home