Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Wednesday, 15 February, 2006

الفكر الإسلامي بين إشكالية النص والتاريخ !!

د. عبدالحكيم الفيتوري

لا شك أن العقل الجمعي المسلم قد تأثر بدرجات متفاوتة في مناحيه التشريعية والفقهية والسياسية بأجواء (تاريخ السلطة، وسلطة التاريخ).(1) التي جعلت منه عقلا عاجزا عن استخدام أداة العقل ومناط التكليف كما أراد بارؤه سبحانه، فكان الخلط بين إسلام النص وإسلام التاريخ، والعجز على ترسيم حدود منطقة الواجب ومساحات المباح،والإلتباس بين وجوب المضمون وتنوع الشكل، حتى صار يعيش تاريخ السلطة ظنا أنه الإسلام الخالد، وأضحى يتقلب في عرصات المباح على أساس منطق الواجب والإلزام، وبات ينادي بأشكال تاريخية في إدارة الحكم وأنماط الخلافة ظنا منه أنها القيم بذاتها!!
وأحسب أن مناقشة هذه النقاط المفصلية المنهاجية ومراجعتها وفق نصوص الوحي والأطر المقاصدية للرسالة تعتبر بمثابة الخطوة الأولى والأساسية التي تضعنا على الطريق المستقيم المؤدي إلى نهضة شاملة بالعقل الجمعي المسلم، في الفهم والاستدلال، والفكر والسلوك.لذا يصعب على العقل الجمعي المسلم المعاصر التطور والتجدد والمواكبة لمستجدات العصر والزمان دون الولوج في مناقشة هذه النقاط المحورية المفصلية بصراحة،وبمنهج إحاطي يقوم على أساس الاستقراء، والملاحظة، والفك، والتحليل، والتركيب، وإلا كان كمن ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء!!
ويمكن أن نتناول هذه النقاط الثلاثة المفصلية والمنهاجية بشيء من الشرح والتبيان بما يناسب المقام، ولكل مقام مقال، والغرض من ذلك استثارت العقول النيرة والمفكرة، وفتح مجال مشاركة للعقل الجمعي في عملية البناء والتطوير والنهوض بالأمة لمن كان أهلا لذلك.

النقطة الأولى : (التمييز بين إسلام النص وإسلام التاريخ)

ينبغي أن يحرر إسلام النص والوحي ؛كتابا وسنة (تشريعية، قيادية، جبلية) مما ألصق بهما من اجتهادات بشرية، وتطبيقات تاريخية، وتأويلات طائفية ومذهبية، وتأصيلات فقهية عاشت في بلاط السلاطين المستبدين ردحا من الزمن!!
فإسلام النص هو ما قاله وقرره سبحانه في كتابه (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )، (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا)، (واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله، وهو خير الحاكمين)، (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(قل أطيعوا الله والرسول)(ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) وطاعة الرسول كما لا يخفى تتمثل بإلالتزام بسنته صلى الله عليه وسلم خاصة التشريعية منها، قال الشاطبي: (السنة راجعة في معناها إلى الكتاب فهي تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره، وذلك لأنها بيان له، وهو الذي دل عليه قوله تعالى في سورة النحل: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) فلا تجد في السنة أمرا إلا والقرآن قد دل على معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية). (الموافقات)
فهذا إسلام النص، والقدر المقدس الذي له مطلق الزمان والمكان، والذي له قوة الإلزام، وما عدا ذلك فهو نسبي بشري مقيد لا يتمتع بهذه الخاصية وإن جاور النص في التاريخ والتصنيف، ومحاضن العلم والتعليم، فلكل شيء قدرا!! ولكن وللاسف مع هذا الوضوح والجلاء نجد أن عقل المسلم الفردي والجمعي المعاصر قد اضفى على إسلام التاريخ شيئا من خصائص إسلام النص لدرجة عجز معها على القيام بعملية الفرز والتمييز في مسالك الاستدلال، ومدارج الفهم، ودرجات الإلزام!!

النقطة الثانية : (ترسيم حدود الواجب والمباح)

لا يخفى أن عملية التمييز بين إسلام النص وإسلام التاريخ تتبعها العملية التالية وهي لابد من فرز القدر الواجب واللازم من مساحات المباح، ووضع الضوابط والحدود الحاسمة والواضحة لكل دائرة منهما؛ الواجب والمباح، وهذه العملية تعد حجر الزاوية في بناء العملية التشريعية والفقهية والسياسية برمتها، إذ أن عدم الفرز ووضع الضوابط والحدود بين دائرة الواجب ومساحات المباح تنشيء حالة من الفوضى الفكرية، والاضطراب الاستدلالي، والتدمير العقلي؛ التي تسمح لقبول المتناقضات، والتسوية بين المختلفات،والتفريق بين المتماثلات، ولعله في بعض كتب المذاهب والفرق والأحكام السلطانية شواهد كثيرة على ذلك!! والغريب أن حالة الفوضى هذه وعدم والتمييز والوضوح دفعت بالعقلية المتخلفة التي لا تميز بين دائرة الواجب والمباح إلى عملية تضييق دائرة المباح والسطو والإفتئات والتقليص من مساحاته من خلال إضفاء خصائص (إسلام النص) الواجبة على أقوال وفتاوى وإتفاقات وإجماعات مذهبية عبر تاريخ المسلمين!!
ولا يخفى أن مرد هذا الخلط يعود إلى عدم التمييز بين (إسلام النص والتاريخ)، وفي تقديري أن الذين يميزون بين(إسلام النص)و(إسلام التاريخ) هم أقدر من غيرهم على فهم هذا الاعتداء السافر غير المبرر على دائرة المباح (خلق لكم ما في الأرض جميعا)، (وقد فصل لكم ما حرم عليكم)، وهم أعلم من غيرهم بأن هذه العملية تصنف في عداد الانتهاكات بجناب التوحيد وممارسة التشريع الذي هو حق خالص لله سبحانه (ألا له الخلق والأمر). علما بأن السنة النبوية تضافرت نصوصها على عدم المساس بدائرة المباح تحت أي مسمى كالزهد والورع وغير ذلك، فقد فقال صلى الله عليه وسلم ـ فداه أبي وأمي ـ : (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على انبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عن شيء فدعوه).(مسلم)

النقطة الثالثة : (التفريق بين الشكل والمضمون)

بالضرورة المنطقية والبرهانية أن العقل الذي استطاع أن يميز بين نصوص الوحي وأقوال البشر، وبين المطلق والنسبي، وبين الواجب والمباح، يمكن له أن يلج إلى العملية الأخيرة بسلاسة ووعي، وهذه العملية تقوم على ضرورة التمييز بين الإطار الشكل وأنماطه، والمضمون ومفاهيمه في جانب العادات والمعاملات وأنماط الحكم وإدارة الناس. ولا ريب أن الإسلام قد راعى المضمون وأوجبه وترك النوع والشكل ولم يوجبه، ففي إطار المضمون أوجب إقامة قيم العدل والمساواة، والحريات، والإنصاف والإكرام، واحترام المواثييق والعهود، وغير ذلك من القيم الرائعة والراقية الحضارية التي كانت من أبرز معالم الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، إلا أنه في المقابل لم يلزم في تحقيق تلك القيم والمبادئ والأخلاق العادلة شكلا أو إطارا معينة محددا، وإنما ترك ذلك للعقل البشري أن يجتهد في اختيار الوسائل الناجعة التي تمكنه من تحقيق تلك القيم وإيقاعها في الواقع والمواقع، لأن القيم والمبادئ في دائرة الواجب، والشكل وتنوعه في دائرة المباح الذي يتغيير حسب تغيير الزمان والمكان والانسان والبيئات، لذلك فإن إدخال الشكل ضمن دائرة المضمون والخلط بينهما يعد من قبيل الافتئات على دائرة التشريع(2) التي هي من أخص خصائص عقيدة التوحيد التي تجعل حق ممارسة الحكم التكليفي، (الحلال ـ والحرام ـ والواجب ـ والمباح ـ والمكره) من حقوق الله سبحانه وتعالى كما قال : (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله).

وإلى لقاء آخر، والسلام.

عـبدالحكيم الفيتوري
Suhel1956@yahoo.com ________________________________________________

(1) انظر مقالي السابق ( المحاجزة بين الفكر الإسلامي والعالماني ).
(2) الكلام متوجه صوب القيمة وتحريرها وليس الذات وتجريمها.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home