Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 14 July, 2006

 

جدلية النص والتاريخ : مراجعـات في إشكالية فهـم السنة(*)
( 2 من 2 )

د. عبدالحكيم الفيتوري


لا ينبغي ان يكون هناك اعتبار للقرشية أو العربية وانما للتقوي والكفاءة وهذا هو مقصد الرسالة الخاتمة.
اعادة فهم حديث ولاية المرأة تسهل علينا مراجعة الاجماع والاتفاق المنعقد علي حرمة تولي المرأة الولايات الكبري.      د. عبدالحكيم الفيتوري ـ نماذج في اشكالية فهم السنة: من بدل دينه فاقتلوه.. واشكالية الفهم!!

استطراداً لما طرحناه في الحلقة الاولي، حول حل اشكالية فهم السنة النبوية، وتأكيداً علي أهمية فرزها الي تشريعي وقيادي وجبلي، واعادة تصنيفها علي هذا الأساس، ومراجعة ما بني علي كل قسم منها من اجماعات وقواعد أصولية وفقهية ؛ فما بني علي سنة تشريعية فحقه الواجب، وما بني علي سنة قيادية أو جبلية فحقه المباح، كذلك لا بد من الأخذ في الاعتبار بأن هذه المراجعة الصعبة لا محيص منها ولا مناص عنها اذ ما أردنا فهم خطاب القرآن الكريم ومقاصد الرسالة الخاتمة ؛فهما وتطبيقا ودعوة للعالمين، بما يناسب عملية النهوض بالعقل المسلم المعاصر، والاقلاع في سماء التجديد والتطوير والتدافع الحضاري لتحقيق العالمية الجديدة، والاشهاد بالحق( لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)!!

لذلك لن يغني عن الفكر الاسلامي المعاصر في خضم هذا التدافع الحضاري، والنهوض الأممي، الأخذ بأساليب المقاربة أو المقارنة أو التأويل أو التعديل الجزئي، أو الاقتباس من هنا وهنالك، قبل فرز اسلام النص من اسلام التاريخ، والسنة التشريعية من القيادية والجبلية، والأصول من الفروع، وتصحيح منظومة الفكر التي قامت علي ذلك الخلط ومحاولة اعادة صياغتها من جديد، بعيداً عن تلك التي أدت الي اراقة دماء المخالفين بغير حق، وحجبت الرأي الآخر، وأفرزت أساليب متنوعة في نفي المخالف، بل ورفضت التفهم والتعايش معه!!

ومن ضمن هذه المراجعات الجادة مراجعة فهم حديث (من بدل دينه فاقتلوه) (البخاري ومسلم) الذي ساهم بشكل مباشر في نفي الآخر من الوجود جملة وتفصيلا معنويا وحسيا (فاقتلوه)!! وقد ذكر ابن عبد البر أن (الأمة مجمعة علي ذلك) علي قتل المرتد سواء (باعتقاد، أو قول أو عمل) وبسيف هذا الاجماع أغلق باب النظر في دلالات هذا الحديث ومحاولة اعادة فهمه وفق المقاصد القرآنية، وأقسام تصرفاته النبوية صلي الله عليه وسلم.

واذا أردنا اعادة النظر في فهم هذا الحديث حسب كليات القرآن المقاصدية وتقسيمنا للسنة النبوية الي سنة (تشريعية، وقيادية، وجبلية)، فينبغي علينا مراعاة تصنيف هذا الحديث حسب سلم التقسيم الجديد؛ تشريعي أو قيادي أو جبلي، فان كان تشريعيا؛ فلا بد أن يكون مبينا أو شارحا أو مفصلا لما أجمل في الكتاب، وإن كان قياديا ينبغي أن تكون مراعاة المصالح والمفاسد في تطبيقه مردها الي الامام حسب ظروف الزمان والمكان، وإن كان جبليا تراعي فيه عوامل الأعراف والعادات والبيئات. كل ذلك نحاول تلمسه من خلال النقاط التالية:

النقطة الأولى : القرآن يؤكد على احترام الحريات العامة:

تضافرت نصوص القرآن الكريم علي قيمة الحرية وضرورة التمتع بها علي كافة مستويات الاعتبارات الانسانية، في الاعتقاد والرأي، والتملك والاجتماع، والتجارة والانتقال، كل ذلك لكي يؤدي هذا الانسان مهامه في الارض بكامل معاني الحرية في الاعتقاد والرأي (ان الينا ايابهم، ثم ان علينا حسابهم)، فلا يكون لغيره حق في اكراهه علي ما يعتقده بوسيلة من وسائل الاكراه في البداية أو النهاية، وانما يكون له حق دعوته بالاقناع بدليل العقل، أو بالترغيب في ثواب الآخرة والتخويف من عقابها، كما قال تعالي: (ادع الي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) وقال: (قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، وقال: (لا اكراه في الدين)، ثم قال سبحانه للرسول الكريم: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفانت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين).

النقطة الثانية : القرآن يجرم الردة ولكنه لم ينص على عقوبة دنيوية عليها :

لا يخفي أنه قد وردت في القرآن الكريم نصوص تؤكد علي عقوبات دنيوية (حسية) لمجموعة من الجرائم التي تمس حياة الفرد أو الاسرة أو المجتمع، كعقوبة القتل، والسرقة، والزنا، والحرابة وغير ذلك، ولكن جريمة الردة لم تأت بشأنها عقوبة دنيوية علي الرغم من تضافر نصوص القرآن علي تجريمها، والتشنيع بها، والتحذير من الوقوع فيها،والتأكيد علي عقوبة أخروية (معنوية) بشأنها لمن مات علي ذلك، كحبوط أعماله وخسرانه في الدنيا والآخرة، قال تعالي: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)، وقوله (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) مع تجاهل كامل لعقوبة حدية في الدنيا سواء بالقتل، أو النفي أو السجن وغير ذلك!!واللافت للنظر في هذا السياق التحليلي ونسق المقابلات والمقاربات النصية أننا نجد مثلا جريمة خروج المرتد أو المرتدين عن الاسلام وبيضته من غير قتال في القرآن الكريم (ومن يرتدد منكم عن دينه) خالية من أي عقوبة دنيوية، بينما نجد في مقابل ذلك أن مجرد خروج بعض المؤمنين عن الجماعة المسلمة بامامها عقوبة دنيوية يهدر فيه الدم (قتل البغاة)، كما قال تعالي: (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت إحداهما علي الأخري فقاتلوا التي تبغي حتي تفيء الي أمر الله ..الآية). ولا شك أن هذه المقابلة والمقاربة تجعلنا نميل الي تصنيف حديث (من بدل دينه فاقتلوه) ضمن دائرة السنة القيادية التي مردها الي المحافظة علي وحدة البلاد، وسلامة دين العباد وليس شرحا وبيانا للكتاب!!

النقطة الثالثة : نصوص نبوية تؤكد على تصنيف الحديث ضمن السنة (القيادية) :

هنالك نصوص نبوية قد صدرت عنه صلي الله عليه وسلم حيال عقوبة المرتد بما يدل دلالة قاطعة علي أن حديث (من بدل دينه فاقتلوه) من الأحاديث القيادية، وأن عقوبة قتل المرتد عقوبة تعزيرية (= أي مردها الي الامام)، وليس عقوبة حدية (=التي لا دخل للامام فيها)، ومن تلك النصوص التي تشير الي ذلك توقيعه صلي الله عليه وسلم علي بنود صلح الحديبية والتي كانت في العام السادس، حيث ورد في احدي بنودها (من جاء محمدا من قريش يرده عليهم، ومن جاء قريشا من المسلمين لا ترده اليهم) وفحوي البند أن من ارتد من المسلمين الي مكة لا يجب علي الرسول استرجاعه من أجل اقامة حد الردة عليه، أو رفض التعامل معه اذا اسندت اليه القيادة المكية أعمالا دبلوماسية بينها وبين القيادة في المدينة، علما بأنه قد تقرر في الأصول بأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة في حق النبي.

وفي عام الفتح السنة الثامنة ورد عنه ما يشير بوضوح الي أن عقوبة قتل المرتد من العقوبات التعزيرية، وذلك حين أمر بقتل نفر من هؤلاء النفر عبد الله بن أبي السرح وان كان متعلقا بأستار الكعبة، وابن أبي السرح هذا كان من كتاب الوحي ثم ارتد وصار يشكك الناس في القرآن، وعندما تمكن منه قبل شفاعة عثمان بن عفان فيه ولم يقم عليه عقوبة الردة والتجديف، فتأمل قبوله صلي الله عليه وسلم شفاعة عثمان في اسقاط عقوبة الردة عن عبد الله بن أبي السرح أيام فتح مكة، وعدم قبوله صلي الله عليه وسلم شفاعة أسامة بن زيد في حد السرقة حين سرقت المرأة المخزومية أيام فتح مكة كذلك، بل رفض شفاعة أسامة بشدة واعتبر ذلك انتهاكا لحدود الله، وتضييعا للدين، وسببا في هلاك الأمم السابقة، فقال عروة: (فلما كلمه اسامة فيها تلون وجه رسول الله فقال: أتكلمني في حد من حدود الله ... والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، ثم أمر رسول الله بتلك المرأة فقطعت يدها). (البخاري).

ولا يخفي أن الواقعتين قد وقعتا في زمن ومكان واحد، وعلي الرغم من ذلك فقد اختلف موقف النبي ازاءهما، ففي عقوبة المرتد ـ ابن أبي سرح ـ وبعد القدرة عليه قبل رسول الله شفاعة عثمان فيه، بيد أنه في عقوبة السارقة ـ المخزومية ـ لم يقبل شفاعة أسامة فيها.وفي هذا التفريق بين هذه وتلك دلالة واضحة، علي أن عقوبة المرتد في حد ذاتها لا تعد من العقوبات الحدية،وانما تصنف ضمن العقوبات التعزيرية التي مردها الي امام المسلمين.

النقطة الرابعـة : لم يقم رسول الله حدا عـلى مرتد :


فاذا تقرر أن القرآن الكريم أعلي صرح قيمة الحرية، وسد كل أنواع الاكراه حتي ولو كان بصيغة الحرص (أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين) وأن رسول الله كان دأبه الحوار والدعوة بالموعظة الحسنة حتي مع ألد خصوم الاسلام، وقد آمن بدعوته أناس وكفر آخرون، ودخل في دينه أناس ليس لهم من الاسلام الا اسمه، كابن سلول وجماعته الذين قالوا (ليخرجن الأعز منها الأذل)، وذي الخويصرة الذي قال (أعدل يا محمد)، وابن أبي السرح الذي قال ما قال وغيرهم كثير، وعلي الرغم من ذلك لم يثبت أنه قتل هؤلاء بحجة ارتدادهم عن الدين سواء من باب (حتي لا يقول الناس أن محمدا يقتل أصحابه)، أو بما أسستها المبادئ القرآنية والكليات المقاصدية التي حفظت لهؤلاء حرية قبول الدين من عدمه و(لا اكراه في الدين) في البداية والنهاية، وجعلت جزاء المرتد في الآخرة لله تعالي وحده( ومن يرتدد منكم عن دينه، فيمت وهو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).

الأئمة من قريش... واشكالية الفهم!!

جاء في كتب السنن أحاديث كثيرة آمرة بأن تكون الأمامة العظمة في قريش الي يوم القيامة، ومن تلك الأحاديث (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم إثنان). (البخاري) و(الأئمة من قريش). (أحمد ) و(ان هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد الا كبه الله في النار علي وجهه ما اقاموا الدين). (البخاري) و(قريش ولاة الناس في الخير والشر الي يوم القيامة). (الترمذي) وعلي هذا الأساس انعقد الاجماع كما قال الماوردي عند ذكره شروط الامام الاعظم (وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه، وانعقاد الاجماع عليه). (الأحكام السلطانية).

باديء ذي بدء ينبغي أن تجري عملية الفك والتركيب والفهم والتحليل لهذه النصوص من خلال الرؤية الكلية المقاصدية للقرآن الكريم النص الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بحيث يعاد تصنيف هذا النص من خلال المنهج المعتمد في هذه السلسلة؛ باعتبار قربه من اسلام النص أو اسلام التاريخ، ومن حيث مكانته من تقسيم السنة التشريعي، والقيادي، والجبلي، ثم من حيث سلطته عبر دائرة اللازم والمباح.

أولا : الرؤية المقاصدية للقرآنية :

لا يخفي علي متدبر للقرآن الكريم بأن خطابه قد مر بمراحل متدرجة حسب تطور العقل البشري من العقل الغريزي الفطري، الي الاحيائي التقابلي، الي التأملي البرهاني (قالوا هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين). ثم تدرج الخطاب القرآني الاصطفائي الذي يقوم علي دوائر بشرية معينة (ان الله اصطفي آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران علي العالمين ذرية بعضها من بعض) ثم توسع الخطاب القرآني رأسيا من آدم وابراهيم عليهما السلام الي خلائفهما (ومن آبائهم وذرياتهم واخوانهم،واجتبيناهم وهديناهم الي صراط مستقيم )، ثم امتد أفقيا اذ يبدأ التخصيص بالعرب كنهاية لمرحلة الاصطفاء والخطاب الحصري (وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون)، وايذانا بتأسيس خطاب عالمي في ذات الوقت (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم). ثم امتد الخطاب العالمي الي البشرية كافة (هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله) (يا أيها الناس اني رسول الله اليكم جميعا)، وبذلك ألغي الخطاب الحصري والاصطفائي المرحلي، وحلت مكانه التقوي التي لا تنتقل بالوراثة (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، ان أكرمكم عند الله أتقاكم، ان الله عليم خبير). فلا شك ان الرجوع الي الخطاب الحصري والاصطفائي بعد هذا البيان القرآني المبين يعد ضربا من ضروب الاختزالية، وعودة الي الاصطفائية المنافية لمقاصد التنزيل وأهداف الرسالة الخاتمة التي هي للعالمين كافة (وما أرسلناك الا رحمة للعالمين)!!

ثانيا : منهج النبي ونص الحديث :

لا يخفي أن الرسول صلي الله عليه وسلم قد قام بنشر قيم ومباديء الاسلام في مراحل الدعوة والتأسيس وأطوار الدولة والتمكين، وبني صرح الاسلام العظيم بمن آمن بالاسلام من الأصحاب الكرام رضوان الله عليهم، فكان منهم العربي والفارسي والرومي والحبشي، ومنهم القرشي والخزاعي والأوسي والخزرجي والقيسي واليماني وغير ذلك (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين)، ولم يثبت عنه صلي الله عليه وسلم أنه قام بأي فعل سياسي باسم قريش أو باسم قبيلة ما، ولم يقم بجمع القبائل من حوله علي أساس أنه قرشي، وانما كنبي وكرسول وحسب، بل إن قبيلته قريش علي الجملة تعد من أشد القبائل أذية له وصدا عن دعوته حتي صدق عليهم في التاريخ وصف الطلقاء والمؤلفة قلوبهم!!

اذن لم يكن هنالك خصوصية لقريشي في الامامة والسياسة لا في نسق آي القرآن ولا في منظومة الحديث، ولعل تصور روايات المساجلة والجدل التي كانت بين أولئك الأخيار من المهاجرين والأنصار يوم السقيفة يعين علي هذا الفهم، حيث لم يستدل أحد من أولئك الأخيار بآية من القرآن ولا بحديث وقد كانوا في أمس الحاجة الي نص يرفع عنهم الخلاف، ويضبط الأمور، ويحفظ الأمة من الانقسام، وانما كان السائد في تلك المساجلات هي منطق السياسة مراعاة لعملية التوازن بين القوي والعصبة والشوكة وتقدير المصالح ودفع المفاسد، فقال ابو بكر رضي الله عنه نيابة عن المهاجرين: (لن تعرف العرب هذا الأمر، الا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا). منطق سياسي وليس تنصيصياً. كذلك بادر الأنصار هذا الخطاب السياسي بلغة سياسية كذلك حيث اقترحوا حلا لأزمة الحكم بأن يكون (منا أمير ومنكم أمير). علما بأن جميع الروايات التي تعكس مواقف الصحابة المختلفة يوم السقيفة تشير الي غياب النص (الأئمة من قريش) غيابا تاما مما يعني أن المسألة برمتها ليست من القواطع التي تفيد الالزام والوجوب كما ذكر الماوردي!! وربما يكون من المفيد أن نعرف أن عمر رضي الله عنه قد اعتبر بيعة أبي بكر فلتة وقي الله شرها المسلمين، كذلك لما أراد أن يستخلف من بعده فقال لو كان سالم مولي حذيفة حيا لاستخلفته عليكم، بمعني لا اعتبار للقريشية أو العربية أو ما شاكل ذلك انما الدين والتقوي والكفاءة وهذا هو منطق الوحي ومقاصد الرسالة الخاتمة.

والعجيب الغريب أن ينعقد بعد ذلك الاجماع علي ولاية قريش الي يوم القيامة، وأن يصبح مفهوم القرشية مفهوما دينيا مقطوعا به، كما قال النووي في شرحه حديث القرشية: (مستمر الي يوم القيامة، ما بقي من الناس اثنان. وانه ظهر ما قاله النبي صلي الله عليه وسلم فمن زمنه الي الآن لم نزل الخلافة في قريش ومن تغلب علي الملك بطريقة الشوكة لا ينكر أن الخلافة في قريش وانما يدعي أن ذلك بطريق النيابة عنهم). (مسلم بشرح النووي)!!

وبهذا الفهم المغلوط تم اعتماد ولاية المتغلب في التاريخ الاسلامي وتقنينها، علي الرغم من أن مفهوم القرشية في حل خلافات المسلمين في التاريخ قد تقلصت الي حد الرمزية كالدعاء لها علي المنابر بالخلافة، أما السلطة الفعلية فقد انتقلت الي المتغلب صاحب الشوكة أيا كان شكله وعرقه ولونه، ففي عهد المتوكل واخوانه كانت الغلبة للأتراك، والفرس في عهد البويهيين، والترك والمغول في عهد السلاجقة، ثم المماليك والأتراك في عهد العثمانيين. والمضحك أن يستمر مفهوم القرشية الي يومنا هذا حيث يدعو بعض خطباء الجمعة في مساجد بعض دول أوروبا بالمغفرة للعباس وبنيه مغفرة ظاهرة وباطنة لكونه رمز الخلافة القرشية، وللناس من ورائهم يؤمنون!!

ثالثا : الحديث وتصنيفه :

هب جدلا أن هذا الحديث لا يخالف الرؤية المقاصدية للقرآن الكريم،ولا يخالف منهج النبي الكريم صلي الله عليه وسلم وسيرته العطرة التي لم تعرف التفريق بين الناس الا بالتقوي، ففي أي أقسام السنة يمكن أن نصنف هذا الحديث، أفي السنة (التشريعية) أم السنة (القيادية) أم السنة (الجبلية) وأحسب أنه أقرب الي أن يصنف ضمن السنة (القيادية) وليس ضمن السنة التشريعية باعتبار أن السنة التشريعية تقوم بدور البيان لآي القرآن وهذا الحديث ليس به دلالة بيانية،مما يجعل تصنيفه في قسم السنة (القيادية) التي تفيد المباح هي الأصوب، فاذا كان ذلك كذلك فكيف تنتج السنة المباحة وجوبا كما قال أبو يعلي (والدلالة عليه أنه ورد الشرع بالامامة في قريش)، أو اجماعا كما قال الماوردي (أن يكون من قريش لورود النص فيه، وانعقاد الاجماع عليه)!!

لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة... واشكالية الفهم !!

جاء في صحيح البخاري عن أبي بكرة أنه قال: (لما بلغ النبي صلي الله عليه وسلم أن فارسا ملكوا ابنة كسري قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وبناء علي هذا الحديث انعقد الاجماع علي حرمة تولي المرأة الامامة العظمي، والاتفاق علي عدم ولايتها الولايات العامة كالوزارات وديوان الحسبة والمظالم والقضاء، وصار شرط الذكورة شرطا اساسيا في الولاية الكبري في الفكر السياسي الاسلامي !! واذا ما أردنا أن ننظر الي هذا الحديث من خلال المنهج المتبع في سلسلة مقالات السنة هذه،والذي يقوم علي ضرورة التمييز بين (اسلام النص واسلام التاريخ) وترسيم حدود دائرة (الواجب والمباح) وفك الاشتباك بين (الشكل والمضمون)، فينبغي علينا أن نتناول هذا الحديث عبر ثلاث نقاط، أولها معرفة مكانة المرأة في القرآن الكريم، وثانيهما أسباب ورود الحديث، وثالثهما مكانة الحديث من الهيكل الجديد لتقسيم السنة النبوية علي صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.

النقطة الأولي : مكانة المرأة في القرآن الكريم :

لم يدع استعراض القرآن الكريم برؤيته المقاصدية الانسانية مجالا للشك في أن أحد مهماته الكبري كانت ضرورة محاربة التمييز والتفريق الذي عانت منهما المرأة في تاريخ الجاهليات قبل الاسلام، لذلك نجده ينص علي أن المرأة تشارك الرجل في أصل الخلقة (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) وهي تشاركه في أصل التكليف والمسؤولية الشرعية من ايمان واقامة الصلاة وايتاء الزكاة وصيام رمضان، وحج البيت، ومن هجرة وجهاد وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، اولئك سيرحمهم الله) وهي تشاركه في مجالات الأعمال المباحة كلها (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثي، بعضكم من بعض) ومن ثم تشاركه في الجزاء والعقاب في الدنيا والآخرة (ومن يعمل من الصالحات من ذكر وأنثي وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) (من عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) وهي مستقلة عن شخصية الرجل تماما (للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن) (ان المسلمين والمسلمات..) (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار).. (يوم تري المؤمنين والمؤمنات يسعي نورهم بين أيديهم). كذلك فهي تقاسم الرجل قيادة البيت الأسري كلا في مجاله (الرجال قوامون علي النساء بما فضل الله بعضهم علي بعض وبما انفقوا من أموالهم) والقوامة في الاستخدام القرآني كما جاءت في ثلاثة مواضع (الرجال قوامون) و(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط) (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط) فهي تعد احدي صفات المؤمنين رجالا ونساء، وتعني القيام علي أمر هذا الدين وفق منهج الشرع، والالتزام بالعدل والقسط، أما في البيئة الذكورية فالقوامة لها دلالات تغايرالاستخدام القرآني تماما فهي تعني القوة والغلبة لممارسة حق التهميش والسلب لحقوق المرأة وشخصيتها!!

وقد دون القرآن الكريم لنا ممارسة المرأة الأعمال الدعوية والتنظيمية والتجارية والرسالية والسياسية عبر تاريخ الأنبياء السابقين، كزوجة ابراهيم عليه السلام، وأم موسي، وبنات شعيب، وام مريم، ومريم (النبية علي قول)، وزوجة نوح وفرعون،ونقف عند مثال واحد برز فيه نجاح مرأة لقيادة سلطة عليا، وذلك من خلال قصة بلقيس ملكة سبأ التي كانت علي رأس هرم المملكة (اني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم)، وكانت صاحبة عقل وحزم (قالت يا أيها الملأ أفتوني في امري ما كنت قاطعة أمرا حتي تشهدون، قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر اليك فانظري ماذا تأمرين) وقد تمهد القول عند أهل فن التفسير علي أن ورود قصة ما في القرآن الكريم بدون تعقيب وتعليق تفيد الاقرار وصحة الاستدلال بها (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا اليك هذا القرآن وان كنت من قبله لمن الغافلين).

وأخيرا نود أن نذكر بأن سيرة المصطفي صلي الله عليه وسلم قد جاء في ثناياها اسماء لنساء لمعن في فنون كثيرة، كالسرية والتنظيم، والهجرة والجهاد، والبيعة السياسية الكبري (بيعة العقبة)، والتجارة والسياسة، والعلم والدعوة، كأمثال السيدة خديجة، وأم جميل، وهند، وأم نسيبة، وأم طلحة، وأم الشفاء، وأم سلمة، وعائشة صاحبة الجمل وعملها السياسي العسكري رضي الله عنهن جميعا.

النقطة الثانية : ورود الحديث :

1 ـ لا بد أن نذكر بايجاز ملخص ما جاء في صحيح البخاري، وفتح الباري، ومصنف ابن أبي شيبة، وتاريخ الطبري، وتاريخ الاسلام للذهبي وغيرها عن ذكر أسباب سياق الأحاديث ونسقه العام حيث تجمل هذه المصادر الأحداث والتطورات التي أحاطت بسياق هذا الحديث وهي مما تسهل علينا الامساك بالمقدمات التاريخية والاسباب الاجتماعية والسياسية لفهم هذا الحديث، فان الحديث قد قيل يوم معركة الجمل وما أدراك ما يوم الجمل، تلك المعركة التي كانت بعد مقتل الخليفة عثمان، وانفراط عقد المسلمين، وايقاد الفتن بين الاخيار والتي تذبذب فيها ولاء الأمة السياسي بين ولاية علي ومعاوية؛ الأمويين والطالبيين، فكان مما كان أن تقدم طلحة والزبير لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها علي أن تقوم بعمل سياسي لاصلاح ذات البين ورأب الصدع بين دمشق والبصرة، والمطالبة بالقصاص من قتلة عثمان، وقد تم الاتفاق علي ذلك وتم تجييش الناس حول هذه القضية، وانطلق الجميع صوب مدينة البصرة مقر خلافة علي، وحالما التقي الجمعان لم يلبثا أن تنازعا ونشبت الحرب بين الجمعين فراح ضحية تلك المعركة ثلاثة عشر ألف قتيل (كما قال الذهبي)، وفي هذه الاجواء التدافعية الملأي بأغبرة المعركة وتنازع السلطة جاء ورود حديث (لن يفلح قوم ولوا امرهم امرأة)، علما بأن راوي الحديث ابن أبي بكرة كان من مؤيدي أصحاب الجمل (عائشة) قبل أن يهزموا!! فقد أخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكرة أنه قيل له: (ما منعك أن تقاتل مع أهل البصرة يوم الجمل؟ فقال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: يخرج قوم هلكي لا يفلحون قائدهم امرأة في الجنة. فكأن أبا بكرة اشار الي هذا الحديث فامتنع من القتال معهم، ثم استصوب رأيه ذلك في الترك لما رأي غلبة علي)!!
ولجملة هذه الاعتبارات وظروف الفتنة التي ورد في سياقها الحديث يمكن القول بأنها تمهد السبيل الي فهم هذا الحديث علي أساس أنه تنصيص سياسي أكثر منه نص شرعي،زد علي ذلك فان هذا الحديث لم يذكر لعائشة أم المؤمنين قبل المعركة حتي تراجع نفسها عن مخالفة الرسول صلي الله عليه وسلم وهي من فقهاء الصحابة، كما تم ذلك لبعض الصحابة حين ذكروا بعد نشوب المعركة بنصوص تشير الي عدم صحة قتال علي وقد استجابوا لذلك التذكير ومن أمثال هؤلاء الزبير فعندما خلي به علي يوم الجمل قال له: أنشدك الله هل سمعت رسول الله يقول وأنت لاوي يدي: لتقاتلنه وأنت ظالم له ثم لينصرن عليك..) فقال نعم ثم رجع عن مقاتلته، ولا يخفي أن الزبير وطلحة هما أصحاب فكرة خروج عائشة كرمز سياسي وهما فارسا المعركة من الناحية العسكرية .كذلك لو كان لعلي علم بعدم ولاية المرأة لما تواني لحظة واحدة عن الاستدلال والاحتجاج به علي عائشة أم المؤمنين لكي ترجع من حيث أتت كما فعل مع الزبير وقد كان علي في أمس الحاجة الي نص يفك الاشتباك ويحفظ الدماء ،بيد أنه تعامل مع عائشة بعد المعركة بما أخرجه أحمد والبزار بسند حسن من حديث أبي رافع أن رسول الله قال لعلي بن أبي طالب: انه سيكون بينك وبين عائشة أمر، قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال: لا ولكن اذا كان ذلك فارددها الي مأمنها) وكان منه ذلك حيث ردها بعد انتهاء المعركة الي مأمنها مع أخيها عبد الرحمن.

2 ـ ولعل في رواية أبن أبي شيبة عن أبي بكرة لما سئل: (ما منعك أن تقاتل مع أهل البصرة يوم الجمل؟ فقال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: يخرج قوم هلكي لا يفلحون قائدهم امرأة في الجنة). دلالة وبيانا علي أن الرواية اخبارية تصف طائفة تنهزم وتخسر معركة ما، ومن أوصاف هذه الطائفة أن قائدها امرأة من أهل الجنة،واللطيفة في هذا الحديث أنه وسم الطائفة بالهلكة وعدم الفلاح في المعركة الا أنه قد أضفي علي قائدتها (قائدهم امرأة) وصف القيادة ولم يسلبها ذلك الوصف مما يفهم منه أن سياق الحديث كان متوجها صوب تصويب الجيش المنتصر وقربه من الحق وليس ادانة لقيادة المرأة للجيش المنهزم!!

من خلال ذلك يمكن فهم دلالة حديث (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) علي أساس أنه حديث إخباري وليس انشائيا وذلك بالنظر الي المحتوي التاريخي وعلاقة الفعل السياسي وردوده، فقد كان سياق الحديث بعد مراسلة الرسول صلي الله عليه وسلم قيادات العالم بالدعوة الجديدة وكان كسري ضمن أولئك الملوك الذين كاتبهم النبي، فلما وصله كتاب النبي وقرأه مزقه، فدعا عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يمَّزقوا كل ممزق. وبعد فترة من الزمان تناقلت الأخبار الي مسامع رسول الله بأن كسري قد مات فملكوا ابنته بوران، فقال صلي الله عليه وسلم (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)!!

واللافت للنظر أن مكاتبة النبي صلي الله عليه وسلم لـ(كسري ابرويز) ملك فارس كانت السنة التاسعة من الهجرة كما أشار الي ذلك البخاري، ثم تولي ابنه (شبرويه بن كسري ابرويز) الذي هلك لثمانية أشهر من مقتل أبيه، ثم وتولي ابنه (أردشير) وكان طفلا ابن سبع سنين وقتل بعد سنة ونصف من ملكه،ثم ملكوا (بوران) بنت (شيرويه بن كسري بن برويز)، وهكلت لسنة وأربعة أشهر من حكمها!! والذي استوقفني في دراسة هذا الحديث أن مراسلة كسري كانت العام (9) هجريا، ثم تولي ابنه لمدة (8أشهر)، ثم ابنه الآخرلمدة (عام ونصف) وهي في مجموعها تصل الي (عامين وشهرين)، ثم تولت بعد تلك الحقبة (بوران) بنت شيرويه لمدة (سنة وأربعة أشهر)، أي أن مدة حكم الذكورمن آل كسري امتدد من العام (9) الي ما يقرب العام (11) هجريا!! والمتفق عليه أن النبي ـ فداه أبي وأمي ـ قد انتقل الي الرفيق الأعلي السنة (10) هجريا أي قبل تولي بنت كسري الحكم بعامين!! ومن هنا فإن التأمل في جملة هذه المعطيات يسهل السبيل لفهم الظروف الملموسة التي أحاطت بسياق هذا الحديث ونسق التعاطي معه والفهم المغلوط الذي تأسس عليه عبر اجيال اسلام التاريخ!!

النقطة الثالثة : مكانة الحديث من الهيكل الجديد لتقسيم السنة :

دعونا جدلا نتصور هذا الحديث أنه لا يخالف الرؤية الكلية المقاصدية للقرآن، وليس به شذوذ ولا علة في متنه، فهل يمكن لنا اعادة تصنيفه ضمن الهيكلية الجديدة للسنة النبوية بأقسامها الثلاثة السنة (التشريعية) التي تفيد الوجوب، والسنة (القيادية) التي تفيد الاباحة، والسنة (الجّبلية) التي تفيد الاباحة كذلك؟ وهذا التصنيف يهدف الي اعطاء رؤية كاملة لاسلام النص من مختلف نواحيه بنظرة شاملة هدفها التوصل الي الاتجاهات الرئيسة التي كونت أحداثه وأكسبته صفاته الاساسية، وهذه الرؤية تمنح العقل قدرة علي تمييز النص الملزم من غيره، واستعراض ومناقشة ما جاء في اسلام التاريخ من اجماعات وفق مسارب النص الملزم ودلالاته، وتسهل عليه بموجبها وضع التفاصيل في محلها المناسب من الهيكل واعطاءها قيمتها الدلالية الحقة، ومن ذلك الاجماع علي حرمة ولاية المرأة والتأكيد علي سلب حقها السياسي والاجتماعي!! وأخيرا نترك للقارئ المتابع لهذه السلسلة مجالا لوضع الحديث في مكانه المناسب من الهيكل السني، ومناقشة ما بني عليه من اجماع.

ـ باحث أكاديمي مختص في شؤون الفكر الإسلامي مقيم ببريطانيا
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "القدس العربي"، 14 أبريل 2006م


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home