Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Thursday ,12 October, 2006

القرآن لقوم يعـقـلون!!

د. عبدالحكيم الفيتوري

استخدم القرآن الكريم العقل صفة لقوم في أكثر من ثماني مواضع ، نستعرض بعضها ، ففي قوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس .. إلى قوله: لآيات لقوم يعقلون) جاءت هذه الصفة لمن عقل مواضع الحجج وفهم عن الله أدلته على وحدانيته.ونفهم من الابتداء في هذه الآية بالتأكيد بـ(إن) تحويل الخبر عن التقرير والعرض لمجرد الإخبار ، إلى الإخبار الطلبي الذي يرمي إلى إزالة الشك والتردد والحيرة ، بإزاء هذه المخلوقات الجسام ، وأن النص قدمها آيات ؛ فهذا يعني أنها مرتكزات التفكير في السعي إلى الإجابة عن الأسئلة العريقة (من أين ، وإلى اين ، ولماذا ؟)والإحاطة بهذه المخلوقات هو العقل ، اي هو المنهج الذي ينبغي أن يتبع في سبيل المعرفة . فهذه المخلوقات هي بحد ذاتها محايدة ولا تبالي بما يكون الموقف بإزائها . لذا فهي مشاهد لا مضامين لها لدى أناس ، ولدى آخرين هي آيات ، أي محطات ينطلق منها التفكير ، وهؤلاء قوم شأنهم العقل. إذن ، العقل باستخدام هذه الآية له ، هو الإجراء المنهجي الذي يمكن الذهن القلق من التعامل مع الموجودات في الكون بوصفها أدلة على الحقيقة المقلقة.

- وفي قوله تعالى:(وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ، ونفصل بعضها على بعض في الأكل ، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون).حيث تقدم هذه الآية الكريمة مشهدا في الأرض وقد انطوى على اختلاف كبير،تبدأ من عرضها لما في الأرض من قطع متجاورات ، وما قوله متجاورات إلا بمقتضى اختلاف القطع ، ويعطف مستتبعا (جنات) ليبين نوعها مختلفا فهي من أعناب وزرع ونخيل ، والنخيل أيضا مختلف ، فهو صنوان وغير صنوان ، ويسقى من ماء واحد ، ومع ذلك فهي مختلفة لجهة الأكل.
إن هذا الاختلاف في هذا المشهد هو مظهر من مظاهر الناموس الطبيعي للأرض وما عليها ، ولا يبالي ولا يمكنه ذلك لكونه ناموسا ، ولكن الانسان في تأمله ذلك المشهد يستدل من خلال فهمه لهذا الاختلاف إلى حقيقة وجودية يستند إليها ويوظفها في سرورته الحياتية فكرا وسلوكا اجتماعيا . وليس له ذلك إن لم تتوافر فيه الملكة القادرة على تأمين هذا الإجراء التأملي الذي يستنبط القوانين من المشاهر الطبيعية المحايدة في مشكلة الانسان مع المعرفة والحقيقة.
إذن ، العقل في هذه الآية هو الإجراء الذي يمكن الانسان من فهم القوانين الطبيعية والاعتبار منها.
- وفي قوله( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا، إن في ذلك لآية لقوم يعقلون) إن الإخبار هنا يقدم فعلا مستدا إلى الجماعة(تتخذون) واقعا على متناقضين(سكرا)و(رزقا حسنا).وهذا يعني أنكم تحوزون على متناقضين أصلهما واحد من النخيل والأعناب.وهذا الأمر لأفت للنظر ، وفيه دلالة على حيادية الشيء أمام فاعلية الانسان،فالإنسان يحوز من الشيء نفسه على الخبيث والطيب ،أو الحلال والحرام.ويطلب النص هنا من قوم شأنهم العقل أنن يعقلوا هذه الآية،أي أن يعتبروا منها وليتحملوا مسؤولية أفعالهم لأنهم هم الذين يتخذون السكر،وهم الذين يتخذون الرزق الحسن ، وليست الأعناب ولا النخيل.
إذن ،العقل هو الإجراء الذهني الذي يفضي بالمرء إلى الاعتبار من علاقة الانسان بالأشياء وتحمل المسؤولية بإزاء أفعاله.

-وفي قوله( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت إيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ، كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون). كانت العرب قبل الإسلام تعتقد أن لله شركاء في ملكه ، والنفي القرآني لهذا الاعتقاد يأتي في صيغة تخاطب هؤلاء القوم بمنطق يعتمد البرهنة على فساد اعتقادهم ، فيضرب لهم مثلا من أنفسهم ، قوامه عرض واقعهم مع عبيدهم ، وهم معهم سواء في الإنسانية ، فيتوجه إليهم بالسؤال في ما إذا كانوا يشاركونهم الرزق ، وللسؤال هذا جواب في تقرير القرآن خبرا عن حقيقتهم في أنهم يخافون الشراكة هذه من هؤلاء كما يخافونها من أشباهم الأسياد . والحقيقة هذه تبين أن الأسياد هؤلاء يرفضون الشراكة مع العبيد في رزق يأتيهم جيمعا من عند الله ، فكيف لله أن يكون له شركاء من عبيده وهو خالقهم وأسيادهم ؟!!
إن هذا المشهد من الواقع الاجتماعي لهو دليل على حتمية الوحدانية الإلهية ، وقد فصله الله في هذه الآية لقوم يعقلون . أي يستطيعون الاستفادة من الظواهر الاجتماعية مرجعية معرفية في سبيل معرفة الحقيقة الإلهية .
إذن ، العقل في استخدام هذه الآية الكريمة ، يعني الإجراء الذي يمكن المرء من وعي الواقع الاجتماعي ، وتدبره في سلوكه المعرفي.

نستطيع القول بأن هذه المعاينة لصفة(لقوم يعقلون) قدمت لنا مكونات العقل كما بدت لنا في الاستخدام القرآني لها ، بأن العقل إجراء منهجي يمكّن الذهن من التعامل مع الموجودات في الكون بوصفها أدلة على تفرد الله سبحانه وتعالى ، وهو كذلك إجراء يمكن الانسان من فهم القوانين الطبيعية والاعتبار بها ، أيضا فهو أجراء ذهني يفضي بالمتلقي إلى الاعتبار من علاقة الانسان بالأشياء وتحمل المسؤولية بإزاء أفعاله ، وأخيرا هو إجراء يمكن المرء من وعي الواقع الاجتماعي ، وتدبره في سلوكه المعرفي.... فهل من قوم يعقلون ؟!!
والسلام
يتبع

عـبدالحكيم


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home