Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 11 August, 2007

         

مقاصد اختلاف الدارين (3)

د. عـبدالحكيم الفيتوري

رابعا: الأبعاد الفلسفية لاختلاف الدارين

البعد الأول : اعتبار القيمة الملّية للإنسان والمكان : مما لا شك فيه أن الشريعة الإسلامية قد اعتبرت للمكان الذي تحكمه ، والإنسان الذي يدين بمبادئها أو يخضع لها ؛ قيمة ملّية في الدنيا من حيث العصمة ؛ إما دينا وإما عهدا ، ومن حيث الالتزام بها حكما ، وتشريعا ، وتحاكما ، وفي الآخرة دار النعيم والثواب الجزيل لمن حقق شروط الدخول . فإذا اختلف المكان ، ورضي الإنسان بأحكام غير الإسلام ، فإن القيمة الملّية حينئذ تنحصر عنهما ، ويصبح اعتبار القيمة الملّية للإنسان بحسب التزامه الشخصي بالإسلام ، أما القضايا الكبرى المنوطة بالمكان وقوة السلطان ؛ كتحكيم الشريعة ، وتغيير القوانين العامة في السياسة ؛ والقضاء ، والقانون ، والاقتصاد ، والاعلام ، فلا سبيل لها إلى القيمة الملّية ، إلا من باب الالتزام بالأعراف والعهود والعقود والمواثيق السائدة في ذلك المكان .

لذلك يمكن القول بأنه لا علاقة لاعتبار القيمة الملية للمكان والإنسان بحالة الحرب والسلم ، ولا بحالة الأمان وعدمه ، وإنما باعتبار الإيمان بالإسلام على المستوى الفردي ، وولاية سلطان الشريعة على صعيد المكان ، وبهذه الاعتبارات رأى بعض الفقهاء امتناع تطبيق الحدود على المسلم الذي ارتكب موجبها وهو في دار الدعوة ،لأن ولاية سلطان المسلمين على ذلك المكان منعدمة ، وتطبيق الشريعة والقضاء بها يقتضي الولاية .

البعد الثاني: اعتبار الخصوصية الملّية للديانات: منها عدم حتمية إقامة الحدود الإسلامية على رعايا الدولة الإسلامية إلا إذا تحاكموا إلينا،أو كانت هذه الجرائم تمس أمن البلاد ودين العباد وحقوق الأفراد،كما قال تعالى:(فإن جاءوك فاحكم بينهم،أو أعرض عنهم،وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ،وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط،إن الله يجب المقسطين).(المائدة:42)

قال ابن تيمية في تفسير هذه الآية:(وحقيقة الآية،إن كان مستجيبا لقوم آخرين لم يأتوه ،لم يجب عليه الحكم بينهم،كالمعاهد والمستأمن وغيره،الذي يرجع إلى أمرائه وعلمائه في دارهم،وكالذمي الذي إن حكم له بما يوافق غرضه وإلا رجع إلى أكابرهم وعلمائهم،فيكون متخيرا بين الطاعة لحكم الله ورسوله،وبين الإعراض عنه.وأما من لم يكن إلا مطيعا لحكم الله ورسوله،ليس عنه مندوحة،كالمظلوم الذي يطلب نصرة على ظالمه، وليس له من ينصره من أهل دينه.فهذا ليس في الآية تخيير،وإذا كان عقد الذمة قد أوجب نصره من أهل الحرب،فنصره ممن يظلمه من أهل الذمة أولى أن يوجب ذلك).(1)

ويؤكد ابن عاشور على هذه الخصوصية الملّية بقوله:(وأحسب أن التجاء اليهود إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك ليس لأنهم يصدقون برسالته،ولا لأنهم يعدون حكمه ترجيحا في اختلافهم،ولكن لأنهم يعدونه ولي الأمر في تلك الجهة وما يتبعها).ويقول أيضا:( وقد خير الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم والإعراض عنهم ...ثم قال:والآية تقتضي تخيير حكام المسلمين في الحكم بين أهل الكتاب إذا حكموهم؛لأن إباحة ذلك التخيير لغير الرسول من الحكام مساو إباحته للرسول).ويقول في موضع أخر:( وقد دل الاستقراء على أن الأصل في الحكم بين غير المسلمين إذا تنازع بعضهم مع بعض أن يحكم بينهم حكام ملتهم،فإذا تحاكموا إلى حكام المسلمين فإن كان ما حدث من قبيل الظلم كالقتل والغصب وكل ما ينتشر منه فساد فلا خلاف أنه يجب الحكم بينهم (وعلى هذا فالتخيير الذي في الآية مخصوص بالإجماع)وإن لم يكن كذلك كالنزاع في الطلاق والمعاملات).(2)

البعد الثالث: اعتبار اختلاف الدارين في أحكام المعاملات: ونريد بالمعاملات هنا مجموع الأحكام التي تنظم معاملات الأفراد في حياتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.فهذه المنظومة من المعاملات تتأثر مناطات أحكامها بأختلاف الدارين ؛ نوع الأحكام وغلبة السلطان، بغض النظر عن اختلاف الديانات؛ فعلى سبيل المثال ....

يتبع ...
________________________

(1) أحمد بن تيمية ، العالم النحرير المشهور ، توفي 737 بدمشق، مجموع الفتاوى طبعة1997م : 28/198
(2) المصدر السابق.


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home