Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 10 March, 2006

أثر بعـدي الزمان والمكان في فهم السنة

د. عبدالحكيم الفيتوري

يجدر بنا بعد أن صنفنا ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من تصرفات نبوية إلى ثلاثة أقسام (سنة تشريعية، وسنة قيادية، وسنة جبلية)، أن نتاول بعدي الزمان والمكان وأثرهما في تصرفاته صلى الله عليه وسلم، من حيث ملاك الأحكام،وعللها،ومقاصدها، ومآلاتها؛ بغية تأسيس قراءة تجديدية للسنة النبوية وأدخالها كعامل أساسي في فهم القرآن،وعملية نهوض حضاري شامل للأمة في فكرها وسلوكها وحضورها.
ولا ريب أن معرفة البعد الزماني والمكاني وأثرهما في السنة وتحريرها يعد مرتكزا أساسيا في فهم السنة، ونقصد بالبعد الزماني معرفة ظروف الناس المخاطبين في عهده صلى الله عليه وسلم وتعامله معهم خلال فترة النبوة والتي استغرقت قرابة 23 سنة؛ في ظروف متنوعة قلة وكثرة، استضعافا واستخلافا، حربا وسلما. والمراد بالبعد المكاني في السنة هي ظروف الجزيرة العربية التي أحاطت بالناس زمن النبوة من حيث البيئة ومناخاتها،والأعراف وعاداتها، والتقاليد وأنماطها،والأوضاع واهتماماتها ؛من مكة إلى المدينة، من مرحلة الدعوة والتأسيس إلى مرحلة الدولة والتمكين.
والحقيقة التي لا مرية فيها أن بعدي الزمان والمكان مندمجان بعضهما ببعض لدرجة استحالة فصل أحدهما عن الآخر، فالزمان هو 23 سنة من البعثة وهي التي صدر فيها أنواع السنن النبوية. والمكان هو الجزيرة العربية بكل ما تحمل من معاني جغرافية، وأعراق عربية، وأعراف بدوية وحضرية .
ولكن ـ كما لا يخفى ـ أن السنة التشريعية؛ والتي هي مبينة ومفصلة وشارحة للقرآن الكريم لا تآثير لبعدي الزمان والمكان عليها، لآنها في دائرة اللازم الذي يتبع نصوص القرآن الكريم التي لها حق الوجوب في مطلق الزمان والمكان والانسان، ولكن هناك حالات استثنائية قد تتأثر بها السنة التشريعية كحالة الضرورة والإكراه فأن لهما نصيب في تقييد وتخصيص ورفع ذلك الواجب والمطلق لقوله تعالى : (فمن اضطر غير باغ ولا عاد)(إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان).
أما السنة القيادية، كتعيين القضاة، وتنظيم الجيوش، ووضع الخطط الحربية، وتوزيع الاقطاعات في القرى والمدن، وإبرام المعاهدات، وأحكام التعزير المنوطة بتوفير آمن النظام واستراتيجياته، وتحقيق سلامة وأمن المجتمع في عقائده ومعاشه وأهدافه وغير ذلك. والسنة الجبلية ما كان سبيلها التجارب البشرية، والأعراف والعادات، مثل مجالات الطب، والفلك، والأكل، والشرب، والمشي، والنوم وهيئته وغير ذلك. فلا شك أن السنة القيادية والجبلية في هذه المجالات تتأثر بعاملي الزمان والمكان لصدورهما عنه صلى الله عليه وسلم بتصرفه البشري والتي هي في دائرة المباح (قل إنما أنا بشر مثلكم) وليس بتصرفه التشريعي (يوحي إلي).
ومن هنا فإن عملية فرز السنة وإعادة تصنيفها على أساس (تشريعي، قيادي، جبلي) ثم وضع المحددات والضوابط اللازمة،وإعادة النظر فيما بني عليها عبر تاريخ المسلمين الفكري والفقهي والسياسي من أصول وقواعد واجماعات، ومن ثم تحديد الواجب والمباح منها وما بنى عليها، بحيث يتسنى للعقل المسلم المعاصر الإضافة الجديدة للإسلام التاريخي ( = اجتهادات العلماء في فهم الإسلام عبر التاريخ) من اجتهادات وإبداعات حسب ضوابط إسلام النص ( = الكتاب والسنة التشريعية) مع مراعاة اختلاف الزمان والمكان ليستعيد قدراته العقلية والذهنية التي تؤهله للولوج إلى ساحات النهوض والإقلاع الحضاري لإعادة أخراج الأمة الرائدة من جديدة (كنتم خير أمة أخرجت للناس)
وأود أن اشير في هذا المقام إلى أن عدم إقتحام هذه المسألة، والنظر إليها بعين الإعتبار، ومحاولة فهمها بأبعادها التجديدية والنهضوية في أطار (الدين ـ والأمة) بعيدا عن التراشق بالنصوص والاجماعات، والتترس بإسلام التاريخ، يعني ذلك التخلف عن ركب الحضارات بكل معانيه ومضامينه، والعيش في التاريخ، والمساهمة من حيث لا ندري في صد الناس عن فهم إسلام النص والاهتداء والاقتداء به في ظلمات التدافع الحضاري والانساني (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم).
وهاك بعض الأمثلة التي توضوح خطورة عدم فهم السنة وفرزها واعتبار عوامل الزمان والمكان على فهم إسلام النص فهما صحيحا في دلالات فحوى خطابه ومنطوقه، وملاك أحكامه ومناطاتها،ومآلات أفعاله وإيقاعها، حتى صار الناس عبر أجيال غابرة يدينون بأشياء بزعمهم أنها من الدين وما هي من الدين، كعدم قتل المسلم بالكافر، وقتل المرتد، وإخراج الأديان من جزيرة العرب وغير ذلك!!(*)
ونكتفي في هذا المقام بمثال واحد يتضح به المقال، قوله صلى الله عليه وسلم (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قيل: يا رسول،ولم؟ قال: لا تراءى ناراهما)(سنن أبي داود، حسن) وهذا الحديث روي بصيغ متنوعة ليس هذا مجال سردها. كما أن مظان وجود هذا الحديث كتب الجهاد والعقائد، وعادة ما تؤصل عليه قضايا الولاء والبراء، وتبنى عليه أحكام كثيرة منها حرمة السكنى مع الكافر،والإقامة في داره، وتكثير سواده وغير ذلك من الأحكام التي تصنف ضمن مسائل الموالاة القادحة في الدين عند من لا يفرق بين السنة التشريعية والقيادية والجبلية، ولا يعتبر للبعد الزمان والمكان أهمية في فهم السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.

وفي تقديري أن نظرة سريعة في حيثيات ورود هذا الحديث بالمنهجية الجديدة التي قررناها تضعنا أمام فهم صحيح بعيد كل البعد عن الفهم الذي سلف ذكره، فحوى هذا الفهم أن هذا الحديث صدر عنه صلى الله عليه وسلم بتصرفه القيادي وليس التشريعي، وأن تصرفه مقيد بمكان معين حال إرساله سرية مقاتلة إلى قبيلة خثعم، وزمان معين أثناء إجتياح هذه السرية لمجمع قبيلة خثعم التي فيه المسلم وغيره، فقد قال جرير بن عبدالله : بعث رسول الله سرية إلى قبيلة خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل. قال : فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل، وقال : أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ...).الحديث
فانظر وفقك الله فإن الحديث مصدره سنة قيادية التي هي في دائرة المباح، ثم انظر إلى إطاره الزماني والمكاني حيث كان خطابا موجها لسرية عسكرية في حالة إجتياح وغزو لمنطقة الأصل فيها الكفر، وليس هنالك معلومات على وجود أفراد من المسلمين مقيمين في تلك المنطقة، كذلك لم تؤمر هذه السرية بقتل المسلمين أو تهجيرهم من تلك المنطقة، وكيف ذلك وقد تربوا على نصوص القرآن الكريم التي لم تجعل الإقامة في دار الكفر ناقضا للإيمان،قال تعالى : (والذين أمنواولم يهاجروا مالكم من ولاياتهم من شيء حتى يهاجروا)فالآية قطعت الولاية والنصرة للذين يقيمون في غير دار الإسلام، ولكنها لم تحرم عليهم الإقامة هنالك، ولم تجعل ذلك ناقض من نواقض الإيمان!!
ويبدو أنه على هذا الفهم القرآني كانت إقامة مسلمي خثعم مع قومهم في دار بني خثعم، كذلك كانت مسارعة النبي صلى الله وسلم بدفع نصف الدية بتصرفه القيادي لكونه (ولي أمر المسلمين)!!

وللحديث بقية، والله الموفق، والسلام.

عـبدالحكيم
Suhel1956@yahoo.com ________________________________________________

(*) لعلي اتناول بعض الأمثلة بشيء من الشرح والتفصيل في مقالات لاحقة.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home