Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 9 December, 2006

   

تـساؤلات عـلمية جادة   (3 مِـن 4)

الإشكال المعـرفي النظري

(ب) مسيرة المعـرفة في الغـرب

د. عـبدالحكيم الفيتوري

أولا : نبذة عـن تاريخية المعـرفة :
- طور نشأة المعـرفة : منذ القرن الرابع قبل الميلاد والعقل الانساني ينقب عن معرفة تكون آلة للتفكير السليم والكشف عن الحقيقة ، فقد ظهر حينذاك ارسطو بمقدماته العقلية وتأصيلاته المنطقية. ثم ظهور سقراط الذي طور مقدمات استاذه ارسطو بالإرتكاز على نقطة القياس والبحث عن ماهية الأشياء وجواهرها ، فوضع أبواب التعريف وحدد القضايا في كتابه(المقولات) فتناول فيه؛الجوهر-الكم-الكيف-الأين-المتى-الوضع-الاضافة-الملك-الفعل-الانفعال.وثم جاء أفلاطون فواصل المسيرة العلمية واعتمد على نظريته المعروفة في الجدل .ونادى كل من أرسطو،وسقراط، وأفلاطون بالمنطق ومراعاة تطابقه مع عمل العقل في تدرجه من البسيط إلى المركب ،وقد لقي منطق هذه المدرسة المكانة المرموقة طيلة العصور الوسطي مسيحية وإسلامية حيث كان يستخدم في دعم القضايا الدينية واللاهوتية إلى أن أستقل كعلم عقلي في القرنين الثالث عشر والرابع عشر،وقد قامت عليه فلسفة بعض المتأخرين أمثال(كانت)و(لينتز) و(هاملان).(وكانط ).

- طور تعـدد مدارس المعـرفة : ظهرت بعد ارسطو وسقراط وأفلاطون عدة مدارس فلسفية منها مدرسة الأبيقوريين،والرواقيين،والمشائين،والأفلاطونية الحديثة. ولكن ما لبثت تلك المدارس أن تعرضت لحالة من الاهمال خصوصا بعد أن أغلق جوستنيان المدارس الفلسفة،وسادت المناهج اللاهوتية النصرانية التي وقفت من منطق ارسطو موقف المعارضة وخصوصا القسم البرهاني منه.وفي تلك المرحلة قام فلاسفة الإسلام كأبن سينا،والكندي،والفارابي إلى أظهار منطق أرسطو في صورة مقبولة بعد أن كان مجرد أبحاث يصعب فهمها والربط بينها. فأبن سينا على وجه الخصوص هو الذي وضع أصول المنطق التجريبي قبل أن تعرفها أوربا.حيث استفاد من أصول ابن سينا المنطقية طوائف اللغويين والشعراء والأدباء والأصوليين والفقهاء والمتكلمين والصوفية.وبعد ذلك انتقل المنطق والفلسفة اليونانية إلى أوربا عن طريق العالم الإسلامي ومعه التعديلات الإسلامية الجديدة ، عن طريق ابن رشد(1) مما كان سببا في ظهور الحركة المعرفية الحديثة والتي أسفرت عن ظهور اتجاهات معرفية متنوعة عبر ثلاثة مراحل هامة .

ثانيا : مراحل تطور المعرفة الحديثة :
لا يخفى على المتابع للعلوم المعرفية أنها قد استغرقت مغامرتها المعرفية ثلاثة قرون،وهي عمر الثورة الصناعية،ولا زالت متسارعة بوتيرة متنزايدة،منتجة المذهل من التقنيات والمنهجيات.
-ففي الثورة الأولى التي كانت بدايات ثورة إحلال سلطان العقل محل سلطان الغيبيات اللاهوتية،مع الثلاثي:كبلر،وجاليلو،ونيوتن الذين وضعوا قوانين الفيزياء الصارمة التي تفسر حركة الكون ، انطلاقا من مبدأ العلية الآلية بدلا من مبدأ الغائية الغيبية.وكان الصراع بين منهج العلم ومنهج الدين(بين الاستقراء القائم على الملاحظة والتجريب ،وبين الاستنباط الذي يستخلص الجزئيات من الكليات).(2) ففي مقابل تسلح رجال الكنيسة بالكتاب المقدس واحتكار الحق في قراءته وتفسيره،تسلح جاليلو بكتاب الطبيعة المجيد ، المكتوب بلغة الرياضيات حسب قولته الشهيرة.(3) وهكذا برز اليقين العقلي العلمي مقابل اليقين الإيماني الغيبي،وحلت تنبؤات العلم اليقينية وقوانينه ونظرياته العلية،محل التنبؤات الغيبية.واستند اليقين العلمي في حتمية السببية إلى الملاحظة والتجريب والقياس.
ثم جاء بيكون وكرس الاستقراء الذي يقوم عليه المنهج التجريبي ، فقلب بيكون المعادلة من الاستدلال الذي يذهب من الكليات إلى الجزئيات،إلى الاستقراء الذي يسائل الطبيعة ، أي يسائل العصر مطلقا حركة العلم الحديث ، يبدأ العلم من الحواس والتجريب والجزئيات ، ليصل إلى قوانين العلية الحتمية واضطراد الكليات .وأكمل جون لوك في القرن السابع عشر عمل بيكون،ونادى بالتجربية Empiricism التي تذهب إلى أنه لا معرفة خارج الخبرات الانسانية.وبعد لوك أتى هيوم والذي ذهب إلى أن كل ما لا يندرج ضمن المعرفة الحسية التجريبية،أو المعرفة المنطقية الرياضية التحليلية التي تستخلص العلاقات اللزومية بين الأفكار هراء يجب رميه في النار. إلا أن التجريبية وصلت أقصى درجاتها تطرفا مع جون ستيوارت مل . فهو أكثر من تفانى في صياغة الاستقراء مذهبا ومنهجا ، فهو يؤكد بحزم على أن:الاستقراء هو منطق العلم والعمل والتفكير والحياة،والسبيل المعرفي الوحيد المثمر الذي يمتلكه الإنسان .

- الثورة الثانية : إحكام منطق العقل : لم تكتف فلسفة العلم بإحلال سلطان العقل محل سلطان الغيبيات،بل هي أنجزت ما يشبه الثورة الثانية من خلال توطيد أركان منطق العقل،وإحكام دقة بنيانه وتماسكه من خلال الوضعية المنطقية والمنطق الرياضي اللذين جعلا التجريبية منطقية،فلقد صبت الوضعية المنطقية الاستقراء في قالب منطقي هو معيار التحقق،أو بتعبير أدق لغة العلم القادرة وحدها على تمييز المعرفة العلمية وتبريرها (مدرسة كانط ، برتراند راسل ..الخ)

- الثورة الثالثة : انطلاق العقل اللامحدود : إنها مغامرة العقل الانساني الكبرى،بعد أن استتب سلطانه وتمكن من أدواته وضبط صياغاته ودقق طروحاته . كل ما كان يعتبر ثوابت يقينية ،من مثل الحتمية والعلية والسببية،ومنهج الاستقراء الذي اعتبر تاج البحث العلمي انهارت جميعا مع نظريات الفيزياء الجديدة. وأصبح التنبؤ هو افضل الترجيحات بما يمكن أن يحدث،وليس كشفا عن قدر محتوم.وبذلك حدث انقلاب جذري في إبيستمولوجيا العلم من النقيض إلى النقيض ، ومعه تبخر اليقين من عالم العلم ، حتى شاع القول الدارج : إن العلماء ليسوا على يقين من أي شيء !!
ومع النسبية تقوضت مفاهيم الاضطراد والتسلسل الزماني المتعاقب الذي يقوم عليه مبدأ العلية،وأن الحتمية مجرد إبداع عقلي في مكان وزمان محددين وعلى مستوى معين من الظواهر فقط . كما برز مأزق منهج الاستقراء الذي اتضح أنه قائم على أغلوطة منطقية،إذ لا يمكن أن يتقدم العلم من تجميع الملاحظات مهما كثرت،بل لابد من فروض عقلية سابقة عليها تنظمها وتنسق بينها. تحول الأمر إذا من استقراء يقوم على جمع الملاحظات والاستنتاج منها،إلى ضرورة الانطلاق من فرض يفرضه العقل ، يخلقه خلقا ويبتدعه إبداعا ، ثم يستنبط نتائجه بعد وضعه على محك التجريب الذي لا يكون ممكنا دوما ، بل قد يكون مستحيلا أحيانا .

وهكذا تحول العلم إلى صنيعة العقل الأنساني المبدع،حيث أصبح منهج البحث هو ذاته نظرية في الإبداع والتقدم المستمر.وهكذا ندخل مع كل من كارل بوبر وغاستون باشلار،وهما من أكبر فلاسفة العلم في القرن العشرين،في فلسفة التقدم والقطيعة المعرفية ، فالعلم يتقدم بنسف ثوابته ويقينياته والقطيعة معها كما يقول باشلار .ويرى بوبر أن منهج العلم يقوم على مطلب الجرأة التي تمكن وحدها من اقتحام المجهول واكتشاف الجديد،وهو ما يفعله العالم العظيم حين يخمن بجرأة،ويحدس بإقدام. وتقاس الجرأة بمدى مقدار البعد بين الوقائع البادية والحقيقية المفترضة.وعليه فالعلم ليس تراكميا بل هو استيعابي انقلابي .

أما فايير آبند فدفع الأمور على طريق تحرير العقل العلمي خطوة أبعد من خلال ما قال به بنسباوية Relativism تاريخية للمعرفة العلمية،علي النقيض من مطلقيتها المنطقية،وصولا إلى أنسنة الظاهرة العلمية. فهو يذهب إلى أن كل المناهج صالحة ما دامت تلبي غرضها في بحث المشكلات المطروحة عليها . وبالتالي فالإجماع على منهج واحد يناقض طبيعة النشاط العلمي الأصيل الذي يتعين أن يبقى مفتوح الأفق . وهو يذهب في ثوريته إلى حد رفض تقديس العلم بما هو نظام معرفي،أو معاملته بالإجلال الديني ورفعه إلى مرتبة الأسطورة التي يتمسك بها العلماء ويروجونها. فالعلم كسواه من نظم المعرفة،لا يعدو كونه نظاما عقليا يتعين أن ينمو ويزدهر وسط بقية الأنظمة ، بدون ادعاء أحقية طبقية من أي نوع كان .(4)

وهكذا كانت مسيرة المعرفة الإسلامية والغربية من تطور وانفتاح واستفادة ومزج بين المعارف الانسانية دون توقف، وكأن شعارها(المعرفة لا دين لها ، ولا جنس لها ، ولا عداوة لها)، فكانت تلك الإبداعات والإشراقات المعرفية في التاريخ مطردة لا تعرف السكون ولا التقليد ولا المتحفية.ولكن-وللاسف الشديد-توقفت مسيرة المعرفة الإسلامية منذ ابن سينا ،والكندي عالم السببية،والجويني،والغزالي،وابن حزم،والرازي ،وابن رشد،خلا بعض تعديلات ابن تيمية الرشدية،والشاطبي الرازية!! أما مسيرة المعرفة الغربية فقد استمرت بصورة مطردة وبصعود ملحوظ تستفيد من كل ما هو متاح ولا تقف عند مباح ،فهي بصدق معرفة (ثورية،أنقلابية، استيعابية)!!
فهل يستقيم بعد هذا التطور والتجدد المطرد أن يحاكم معرفي ما متجدد بمنطق تاريخي وبتعريفات متحفية؟ أليس هذا مصادرة عن الدليل ونوع من أنواع التحكم التي تأباه قواعد العلوم الانسانيةالمتطورة، ناهيك عن الرؤية الشرعية القائلة:الحكمة ضالة المؤمن فأنى وجدها فهو أحق بها!!

وأحسب أن ما ذكرته في مقالي(فلسفة تطورالعقل وتدرج الشرع)من ذكر مراحل تطور العقل من عقل فطري إحيائي إلى عقل تقابلي ، ومن عقل برهاني إلى عقل مقاصدي(=ختامي رسولي)بأنه كان واضحا ، حيث قلت بأنه:العقل الذي يحسن التعامل مع العلاقة الجدلية بين الثابت(=مقاصد النصوص)والمتغير(=الواقع المتجدد)بعقل مقاصدي يلتزم دلالات الأحكام ومقاصدها لا حرفيتها ، ويتعاطى مع كلياتها ويراعي جزئياتها ،ويعتبر حركية الواقع لا سكونيته ،وتجدد حاجات الانسان لا تحنطها عند حاجات الأسلاف!! ...بمعيارية تدور في فلك تركيبية وترتيبية ؛ترتيبية(=معرفة مراتب المصالح والمفاسد،وخير الخيرين وشر الشرين)،وتركيبية(=القدرة على استقراء الجزئي وتشكيل الكلي،ورد الجزئي إلى الكلي ، وأحسان التعامل مع الكليات).

ولا أخال أحدا بعد هذا البيان أن يفهم بأن العقل الختامي هو عقل غير قابل للزيادة والتطور،كلا بل هو عقل فاعل يتعامل مع الوحي من خلال(الكلي القرآني لا الجزئي)،و(الكلي المقاصدي لا الكلي الحرفي)وفق سنن الكون الثابتة،بآلة(مقاصدية)تتفاعل مع الواقع المتجدد؛تطوره ولا تجمده،تتنزل عليه وتعرج به.وليس بآلة(قياسية=قياس الشاهد على الغائب)تقيس الحاضر المتجدد على ماضي متجمد ،تحاكم الحاضر بالتاريخ، والمضمون القيمي بالشكل والصور، لان هذه الآلة القياسية لن تبدع ولن تنتج جديدا معرفيا !!
إذن:العقل المقاصدي(=الرسولي،الختامي)هو:(أداة فهم واستنباط ،وتأويل واستشراف).أي عقل مشدود بقيم الوحي ،باحث عن السنن الإلهية،كاشف عن سنن الكون،يستفيد في مسيرته من كل المعارف ولا يقدسها ولا يعاديها ولا يقف عند حدودها.

فإذا كان ذلك كذلك فهلاّ لذوي المعرفة الكلاسيكية(إسلامية–وغربية)التخفف من حمل التابوت(5) وذلك بعدم تقديس المعارف الانسانية ،والوقوف على حرفية المصطلحات والتعريفات، وإنما الانطلاق والانفتاح والاستفادة من كل العلوم التي تعين على الجمع بين القرائتين قراءة الكتاب المتلو ،والكتاب المنظور. وأظن أننا لو فعلنا شيئا من ذلك نكون قد أسهمنا بشكل من الأشكال في الخروج من القعر الحضاري الذي نحن فيه،ومن ثم المشاركة الفاعلة في بناء الحضارة الانسانية تحقيقا لقوله تعالى(هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها).(6)

والسلام

عـبدالحكيم
___________________________

(1) يوجد لدينا مراجع إسلامية تقطع بكفر هؤلاء الفلاسفة كابن سينا،والكندي، والفارابي ، وابن رشد وغيرهم !! والأدهى والأمر أن يقدم هؤلاء الكفار!! في حالات المناظرة مع الغير كنموذج حقيقي وبرهان قطعي على مساهمة علماء الإسلام في تطور العلوم الانسانية!! (Take or leave)
(2) ذات الصراع الذي قام بين الكنيسة وعلماء الفلك والفلاسفة (conflict between religion and science) والتي انتصر فيه العلم على الكنيسة، قد دارت رحاه قبل ذلك بقرون في التاريخ الإسلامي حيث كان بين المسجد (الفقهاء)وبين علماء الطب والكيمياء وفلاسفة الإسلام صراعا انتصر فيه سيف التكفير على سلطان العلم !!
(3) فبعد انتصار الفقهاء على العلماء ، والنقل على العقل استقرت البينونة بين كتاب الله المتلو وكتابه المنظور، على ضوء هذه البينونة تعاطى الناس مع الكتاب المتلو وأهملوا الكتاب المنظور ، فأجادوا حروفه المسموعة، وهمشوا سننه المشهودة. فقد عاب ابن القيم على أقوام قد فرقوا بين الكتاب المسموع والكتاب المشهود فقال: ( …… تفكر فيه ليقع على مراد الرب تعالى منه، وتفكر في القرآن عبادة إلى التفكر فيه، فالأول تفكر في الدليل القرآني ، والثاني تفكر في الدليل العياني ، الأول تفكر في آياته المسموعة ، والثاني تفكر في آياته المشهودة ).
(4) للمزيد انظر: تكوين العقل العلمي ، باشلار ، غاستون . فلسفة العلم في القرن العشرين ،للخولي . الانسان المهدور للحجازي، المنطق البراجماتي لتشارلز ،قوانين الفكر الانساني ، لدهميش ، وغيرهم .
(5) اقتباس من الآية الكريمة(التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة)
(6) اعتذر للقراء الذين يجدون شيئا من الصعوبة في فهم بعض المسائل التي ترد مجملة في بعض مقالاتي ، علما بأن هناك اقتراحا من بعض القراء الكرام بأفراد هذه المقالات بكتيب مستقل يشرح فيه ما أجمل ، ويبين فيه ما أغمض ، وهو اقتراح مقبول وسائغ . فالشكر والتقدير لهم.


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home