Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 9 November, 2007

أبو حنيفة ضحية الفكر الـتـأثـيمي!!

د. عـبدالحكيم الفيتوري

نترك ذكر المناقب رهوا،ومسالك القراءة التمجيدية صمدا لا سهوا،ونقصد القراءة النقدية قصدا بغية رفع ثوب القداسة والملائكية على التاريخ وسلطته،وتحرير الذات من هيمنته،لتحويله من إطار المطلق إلى النسبي،ومن قيمة مقدسة إلى موضوع ومادة للقراءة قابلة للفك والتحليل والتركيب،بغية إخراج ذات المتلقي من سلطة التاريخ وسطوة رموزه.علما بأن هذه القراءة لا تقصد الحط من قيمة الرجال دينا وعلما(وما منا إلا له مقام معلوم)،وإنما تقصد بالدرجة الأولى المساهمة في الكشف عن أدوات تحرير الذات من هيمنة التاريخ،ومحاولة إعادة ترتيب كليات القرآن وفق مقاصد الرسالة الخاتمة وليس وفق مقاصد صانعي التاريخ.

فهذا الإمام أبوحنيفة رحمه الله،الذي ولد بالكوفة(80-150)،وهو مؤسس أول مذهب من المذاهب الاربعة السنية المشهورة،شهد أبو حنيفة في طفولته مرحلة التنظير السياسي والديني لإغتيال قيمة الحرية ومبدأ احترام الرأي الأخر،وذلك على يد الحجاج والي العراق الذي مارس أساليب القتل والتشريد للمخالفين،بل سن لهم سنة سيئة مفاداها ختم أيدي المخالفين لسياسة بني أمية،كما فعل مع مجموعة من دعاة الحرية ورفع الاستبداد منهم الصحابي الجليل جابر بن عبدالله،وأنس بن مالك،وسهل بن سعد،وغيرهم من دعاة الحرية ورفض الاستبداد.(تاريخ الطبري)

وفي هذه الأجواء الاستبدادية شق الإمام أبوحنيفة طريقه إلى إعادة قيمة الحرية واحترام الرأي الأخر إلى سيرتها الأولى من خلال الأصول القرآنية والتطبيقات النبوية.وانطلق الإمام يرتاد حلقات العلم وأسواق المال في بلاده،حيث جمع بين طلب العلم والتجارة.وقاده ذلك إلى اجتهادات كبيرة في التعاملات المالية،واحترام حقوق الأخرين،فكان لا يرى قتل المخالف وإن كان مرتدا عن الدين،وأفتى بحق تولى المرأة كل الوظائف القضائية والسياسية بلا استثناء،ومساواة المرأة مع الرجل في عقد النكاح وغيره،كذلك رفع من قيمة العقل والتفكير وأبداء الرأي واحترام الأخر.حتى أنه كان يكثر ترديد شعاره المفضل(اللهم من ضاق بنا صدره،فإن قلوبنا قد اتسعت له).(تاريخ بغداد)

ولقد ظل يناضل من أجل إعادة قيم الحرية واحترام الانسان وكرامته،والدفاع عنها بالغالي والنفيس،مما دفع صنفين من الناس إلى شن حملة شعواء على علمه ودينه وحياته ووجوده أصلا،فكان الصنف الأول يمثله النظام السياسي القائم آنذاك(أموي-عباسي).والصنف الثاني يمثله بعض الفقهاء حلفاء السلطة السياسية(السيف والقلم)من أمثال أبي ليلى وابن شبرمة وبعض أهل الحديث وغيرهم.فقد كان الصنف الآخير يغري به المتعصبة والسفهاء لسبه واتهامه بالكفر والردة والزندقة،قال البغدادي في تاريخه:(جاء رجل إلى إبي حنيفة وهو في مسجد الخيف فقال له:أنت تقول أخطأ الحسن يا ابن الزانية؟)،وجاء في تاريخ أبي زرعة(أن سفيان لم يكن يكلم أبا حنيفة،وكان سلمة بن عمرو القاضي يقول على المنبر:لا رحم الله أبا حنيفة.وقال المطيع:كنا مع أيوب بمكة،فأقبل أبو حنيفة،فقال أيوب:قوموا لا يعدنا بجربه.وقال:سفيان الثوري أبو حنيفة غير ثقة،ولا مأمون،استتيب مرتين.وقال:وكيع بن الجراح ليحيى بن صالح الوحاظي:يا أبا زكريا إحذر الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة يقول:للبول في المسجد أحسن من بعض قياسهم.وقال ابن عيينة:لم يزل أمر الناس معتدلاً حتى ظهر أبو حنيفة بالكوفة،والبتي بالبصرة،وربيعة بالمدينة،فنظرنا،فوجدناهم من أبناء سبايا الأمم)!!(للمزيد أنظر: تاريخ بغداد ترجمة أبي حنفية).

ولقد ظل هذا الصنف مثابرا في عمله يثور العوام ويحرض السلطان على صاحب العقل والرأي الأخر، قال أبن أبي ليلى مرة لأبي حنيفة:لا قبلت لك شهادة أبدا،وقال له سفيان الثوري:لا كلمتك أبدا.وقال له شريك:لو كان لي من الأمر شيء لضربت عنقك.وقال له الحسن بن صالح:وجهي من وجهك حرام،أن انظر إلى وجهك أبدا. وقال أخر:ما تصنع به وقد مات جهمي.(تاريخ بغداد)

أما الصنف الثاني من أعداء الحرية،واحترام الرأي الأخر،واحترام الحياة الانسانية،فقد كان السلطان،ويبدو أن الصنف الأول وفق شروط سياسة الحلف بين الأمراء والعلماء(السيف والقلم)قام بصناعة نصوص وأراء دينية تضفي الشرعية على النظام السياسي،وتؤصل التوريث،وتوغل في السمع والطاعة لهذه السلطة،وعلى ضوء ذلك جاز له ممارسة الاستبداد والطغيان،وكبت الحريات،وإلغاء الأخر وقتله باسم الدين تحت اسماء متنوعة(باغي-مفسد-مرتد-زنديق-جهمي-معتزلى-خارجي-شيعي ..الخ).

وإزاء ذلك الكيد السياسديني كان أبوحنيفة يؤمن بشعار(من يملك المال يملك الاستقلال في الفكر واللسان)لذلك حاول منذ بداية طلبه للعلم المحافظة على استغلاله العقلي واستقلاله المالي عن الجميع،ليحقق الاكتفاء الذاتي،وهذا ما جعله بمنأى عن سطوة المال السياسي من قبل الخلفاء والسلاطين،فقد عرضوا عليه المال والجاه والمناصب فرفض كل ذلك،حيث كان يمارس نقد الفريقين معا بكامل حريته،فقد نقد العقل الفقهي الحشوي النقلي،ونقد السلطة الحاكمة المستبدة الكسروية،مما أوغر صدر الخليفة وحلفائه عليه وأمر بمنعه من الافتاء،وتعليقه على الأحكام الصادرة من القضاة. وزاد الطين بلة عندما أقدم الفريق الأول(الديني)على اتهام أبي حنيفة بأنه يرد أحاديث رسول الله،ويفضل النظر العقلي عليها،علما بأن الإمام لم يرفض ما صح عن رسول الله،ولكنه لما رأى أن الأحاديث قد صارت صناعة ومنتجات سياسية لخدمة سياسة الخلفاء وسلوك السلاطين في حسم صراعهم مع مناوئيهم في الحكم والرأي،قال لا نقبل إلا سنة مشهورة،أو سنة لا تخالف نصا قرآنيا،ولهذا قيل عنه أنه لا يحفظ إلا نحو سبعة عشر حديثا فقط !! ثم واصل هذا الفريق اتهامه لأبي حنيفة بأنه قرآني،وخارجي،وجهمي،ومرجئي..وهلم جرا.

وقد حاول الفريق الثاني(السياسي)في أخر العهد الأموي إغراء أبا حنيفة بقبول منصب قاضي القضاة،وبقبول الهدايا والعطايا فرفض كل ذلك،فسجنوه وعذبوه في السجن،وساءت صحته في السجن،فأطلق سراحه،فخرج إلى الحجاز وترك مسقط راسه الكوفة.وعندما استلم العباسيون السلطة وتحالف معهم رجال الدين(السيف والقلم)لم ينسوا لأبي حنيفة أفكاره وأراءه ومعتقداته في حرية الرأي،وإبطاله لقضية توريث الحكم،وعدم تطويع الدين لصالح السياسة(كما فعل الأمويون مع إبراهيم ومحمد النفس الزكية)،(كذلك جعفر المنصور حين أراد استباحة أهالي مدينة الموصل بفتوى أبي ليلى وابن شبرمة وغيرهما).لذا فقد حاولت السلطة العباسية في أول أمرها ترويض أبا حنيفة على قبول الهدايا ومنصب القضاة ليكفوا شر عقله ولسانه الداعي الى الحريات وعدم الظلم والاستبداد،ولكنه رفض كل ذلك،وظل الإمام يدعو إلى إعادة الاعتبار لقيم الحرية،واحترام الرأي الأخر،وعدم الإقرار بشرعية سلطة التوريث والوصايا،وتوظيف الدين لصالح السياسة،وإنما باجتماع المؤمنين ومشورتهم.وهو بذلك يرد على ذلك الخطاب التبريري والفكر التأثيمي من قبل الفقهاء حلفاء السيف.

فأوغر موقفه هذا،الصنفين معا(السياسيديني)،فالصنف السياسي أمر بحبسه وضربه،والصنف الديني طعن في علمه ودينه،وعلى إثر ذلك أودع سجنا،وظل في قبوه المظلم،حتى تدهورت صحته،ثم أخرج إلى بيته،قال زفر:فلم يلبث أن جاء كتاب المنصور إلى عيسى بن موسى أن أحمل ابا حنيفة.قال:فحمله إلى بغداد فعاش خمسة عشر يوما ثم سقاه فمات،وذلك سنة خمسين ومئة،ومات أبو حنيفة وله سبعون سنة)(تاريخ بغداد)وفي نص كتاب المحن لأبي العرب أن الخليفة أبا جعفر المنصور قد سقى بيده الإمام أبا حنيفة السم (فمات من تلك الشربة)!!وهذب الذهبي العبارة ولطفها بقوله(توفي شهيدا مسقيا)!!...شربة سم بالعسل...وما يعلم جنود الخلفاء والحلفاء إلا هم!! والطريف في الأمر أن يتقدم الخلفية القاتل جموع المشيعين لجنازة الإمام ويصلى بهم صلاة الجنازة على قتيله...وبهذا يتناغم سلوك الخليفة مع قواعد الفكر التأثيمي،والفقه الجنائزي!!

وهكذا تمت عملية إغتيال قيمة الحرية وكلية الرأي الأخر في زمن أبي حنيفة على يد الحلفاء(السيف والقلم).الذين أسسوا مذهب توريت الإمامة السياسية والإمامة الدينية،وأضفوا عليها ثوب القداسة بسلطة الاجماع وتأويل نصوص الوحي.يقول ابن حزم(فتوراثوا القضاء كما توارثوا الضياع)ويقول الجاحظ(..وبالحرى ألا يمر عليه من الأيام إلا اليسير حتى يصير(الفقيه)حاكما على مصر من الأمصار أو بلد من البلدان)!!والويل والثبور لمن يفكر بعد ذلك في الخروج على سلطة التاريخ وسلطة إجماعه،فإنه مقصود بالأذى في بدنه،والطعن في علمه ودينه،ومطلوب في دمه.وصدق من قال:وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها!!

ثمة تداعيات أخرى متولدة عن إغتيال هذه القيم-قيمة الحرية واحترام الرأي الأخر،وإبطال نظام التوريث في الدين والسياسة-،وهي ذيوع عقيدة الجبر في إطار التخلف المعرفي،واستقرارعقيدة القدر في إطار الاستبداد السياسي،مما جعل إرادة الجماهير في المعرفي والسياسي تميل إلى تعظيم المستبد الطاغية في مجال السياسية،وإلى الرتابة المعرفية بتعظيم التقليد والنقل وتقديس التراث دون نقد وتمييز وإضافة.وهذا في الواقع ما يمارسه قطاع واسع من المسلمين في العالم المعاصر تحت لواء فهم الكتاب والسنة بفهم السلف،وبمقتضى هذا المنطق تنحر مقاصد الوحي،وتذبح كليات الرسالة على صخرة التاريخ وسلطته!!

وبعد ...اللهم من ضاق بنا صدره، فإن قلوبنا قد اتسعت له...

والسلام

يتبع.

عـبدالحكيم
Dr_elfitouri@yahoo.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home