Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 8 December, 2007

   

الإمام الشافعي... وحرية الرأي!! (2)

د. عـبدالحكيم الفيتوري

بعد أن تضافرت النصوص المنسوبة للرسول،وانعقد الاجماع على أن الإمامة السياسية والدينية في قريش لا تخرج عنها قيد أنملة،وبعد اللقاء التفاهمي الذي تم بين أمير المؤمنين في الحكم(هارون الرشيد القرشي)وأمير المؤمنين في العلم(محمد ابن إدريس الشافعي القرشي)،قدم الأول أراء واجتهادات الثاني كقول فصل في الفكر والاجتهاد والرأي،لدرجة أنه استنكر على بعض الفقهاء(كمحمد بن الحسن)من مناظرة أو مخالفة الشافعي.ووفق هذه السياسة التفاهمية قام الثاني بتدشين منهج نقلي يعتمد على الأحاديث وأساليب البيان،يقوم بوظيفتين؛الوظيفة الأول:تأسيس جهاز مفاهيمي دلالي وإجرائي يخدم سيادة الولايتين القرشيتين(=الإمامة السياسية والدينية،ويحسم المخالفين لهما)ومن ذلك مفهوم السمع والطاعة،ومفهوم السنة بدون فرز بين السنة والحديث،ومفهوم الإجماع،وغيرها من المفاهيم الشرعية.والوظيفة الثانية:التضييق على مدركات العقل واستعمالاته وذلك بنقد حزمة من المفاهيم وتجريمها كالأخذ بالعرف(=السنة الحية)،والمصالح المرسلة،والاستحسان،فقد قال الشافعي:من استحسن فقد شرع.وغير ذلك من المفاهيم ذات الدلالة السياسية.

وأحسب أن هذا العمل التأسيسي الأصولي لتحقيق هاتين الوظيفتين،هو الذي حمل الإمام الشافعي على انتهاج منهجا انتقائيا لدعم مشروعه الجديد،وذلك من خلال استخدام واستثمار دلالات بعض آيات القرآن الكريم التي لم ترد لذات الغرض،كأستدلاله بقوله تعالى(ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى،ويتبع غير سبيل المؤمنين،نوله ما تولى،ونصله جهنم،وسآءت مصيرا)على حجية مفهوم الإجماع(1).واستدلاله بقوله تعالى(وما أتاكم الرسول فخذوه،وما نهاكم عنه فانتهوا).على حجية مفهوم السنة الشاملة(2).ولعل سياق التدافع بين أهل النقل والعقل،ورغبة الإمام الشافعي حسم الخلاف الدائر بين الفقهاء والمفكرين وما جره على الناس من شقاق وتشرذم،كان وراء هذا المنهج الانتقائي،والنشاط التأويلي الذي ابداه الشافعي،حيث لم تكن هنالك نوصوص قرآنية صريحة معمول بها وقت التنزيل في أثبات حجية مفهوم الإجماع،ومفهوم السنة كما دلل عليها الإمام الشافعي(=سنة،حديث).

ويبدو أن هذا النشاط التأويلي الذي سعى في ضبط شئوون الرعية في الفكر والفقه والسلوك،وحسم المخالفين ذوي الأراء العقلية والمنطقية(=تحقيق الأمن الفكري)،كان يسير وفق الاتفاق التفاهمي الذي تم بين(السيف،والقلم)وإن كان هذا الاتفاق التفاهمي يصب في دائرة تضييق الحريات،وكبت الرأى الأخر،أوإلغائه جملة،كما يمكن فهم ذلك من كلام أبي الفضل الزجاج حين قال:لما قدم الشافعي إلى بغداد-وكان في المسجد نيف وأربعين أو خمسين حلقة-فلما دخل بغداد ما زال يقعد في حلقة حلقة ويقول لهم:قال الله،قال الرسول.وهم يقولون:قال أصحابنا،حتى ما بقي في المسجد حلقة غيره).(توالى التأسيس في مناقب معالى محمد ابن أدريس،لابن حجر)وفي رواية ابراهيم الحربي،قدم الشافعي بغداد،وفي الجامع الغربي عشرون حلقة لأصحاب الرأي ،فلما كان يوم الجمعة ،لم يلبث منها إلا ثلاث حلق أو أربع.(تهذيب الاسماء واللغات،للنووي)

ولايخفى أن اختزال واختصار هذا الكم الهائل من حلق العلم الحرة بمثابة ضربة قاضية لقيمة الحرية واحترام الرأي الأخرى، حيث كان يدار في هذه الحلق من الأراء العقلية والمنطقية والفقهية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار،وعلى كافة المستويات؛الاعتقادية،والسلوكية،والمنهجية.فعلى سبيل المثال ناقشت تلك الحلقات قضية تحديد ماهية ذات الله سبحانه،ومسألة الجوهر والذات؛واسمائه وصفاته.وعلى مستوى كلامه سبحانه طرحت قضية القرآن مخلوق أو ليس بمخلوق،وماهية إعجازه ودلالته.وعلى مستوى الرسالة والرسول طرحت قضية عصمة الانبياء من الكبائر والصغائر،قبل البعث وبعدها،والعصمة في البلاغ الرسالي فقط أو العموم.ومن هنا جاءت إشكالية الإحتجاج بالسنة ومكاناتها من النظم القرآني،وأنواعها،والتمييز بين مستوياتها؛حديث،سنة،سنة حية وجارية.وعلى مستوى المنهج طرحت قضية العقل ومكانته من التشريع فهما وتنزيلا،ودور علم الكلام والمنطق في عملية النهوض بالأمة في جوانبها العلمية والمعرفية.كل تلك المستويات الاعتقادية والمنهجية كانت تطرح في باحات المسجد عندما كان للمسجد رسالة ودورا نهضويا،ومن رحم تلك الحلقات خرجت إلى حيز الوجود تلك المسميات الفكرية المعروف لدى الجميع؛الفكر الاعتزالي،والخارجي،والشيعي،والجهمي،والمرجيء،والقدري..وهلم جرا.

ولكن وللاسف الشديد ما لبثت تلك الحلقات وهذه الفضاءات من الحريات إن أفل نجمها بعد انضمام الشافعي إلى سلك الخطاب الرسمي،وتوظيف الدولة لأهل الحديث والأثر،يؤكد البويطي-تلميذ الشافعي الأول-دور الشافعي في خنق هذه الفضاءات من الحريات التي كانت متاحة–طوعا أو كرها-.بقوله سمعت الشافعي يقول:اجتمع عليّ أصحاب الحديث فسألوني أن أضع على كتاب أبي حنيفة فقلت:لاأعرف قولهم حتى أنظر في كتبهم،فأمرت فكتب لي كتب محمد بن الحسن،فنظرت فيها سنة حتى حفظتها،ثم وضعت الكتاب البغدادي يعني:الحجة.ويؤكد الزعفراني على دور الشافعي في إحياء العقل النقلي ضد العقل المنطقي بقوله: كان أصحاب الحديث رقودا حتى أيقظهم الشافعي.وقال أحمد بن حنبل:ما أحد من أهل الحديث مس محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في رقبته منّة!!(انظر:توالى التأسيس)وقال أحمد بن حنبل(كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع،حتى رأينا الشافعي،فكان أفقه الناس في كتاب الله وفي سنة رسوله الله).(توالى التأسيس)وعن أحمد قال:الشافعي حسن الشرح للحديث،وكان له أختراع حسن،واحتج لخبر الواحد.وقد اشار النووي إلى هذا الدور الريادي الذي قام به الإمام الشافعي-بقصد أو بدون قصد-من تضيق فضاءات الحرية،وكبت الرأى الأخر جملة،وذلك حين قال:وهو-الشافعي-الذي قلد المنن الجسيمة أهل الآثار،وحملة الحديث،ونقلة الأخبار،بتوقيفه إياهم على معاني السنن،وتبيينه،وقذفه بالحق على الباطل مخالفي السنن وتمويههم،فنعشهم بعد أن كانوا خاملين،وظهرت كلمته على جميع المخالفين،ودمغهم بواضحات البراهين،حتى ظلت أعناقهم لها خاضعين)!!(تهذيب الاسماء واللغات)

فإذا كان هذا ما فعله الشافعي مع مذهب أبي حنيفة وغيره المخالف لسياسات الدولة ،وخطابها الديني الرسمي،فقد فعل مع مذهب مالك؛الذي خالف الخلافة العباسية ونظامها الوراثي،ذات الفعل عندما استقر به الأمر في مصر،يقول سليمان بن الربيع سمعت الشافعي يقول:قدمت مصر ولا أعرف أن مالكا يخالف في أحاديثه إلا ستة عشر حديثا فنظرت فإذا هو يقول بالأصل ويدع الفرع،ويقول بالفرع ويدع الأصل!!(توالي التأسيس)وهناك رواية..كان يقال لهم قال رسول الله،فيقولون قال مالك:فقال الشافعي إن مالكا بشر يخطىء،فدعاه ذلك إلى تصنيف الكتاب في اختلافه معه.(توالى التأسيس)ولعله خشي أن يعبد مالك كما عبد ابن مريم عليه السلام حين قيل له:أن أهل مصر والمغرب يعظمون أقوال مالك لدرجة التبرك بقلنسوته!!(حكاها البيهقي).فكيف لو رأى الإمام الشافعي رحمه الله أعتقاد أهل زماننا في كتاباته،وأفكاره،واجتهاداته،بل وتقديس ذاته؟!!

هذا في سياق إلغاء الأراء الاجتهادية في إطار أفكار أبي حنيفة ومالك،أما عن الأراء التي كانت خارج إطار فكر الإماميين،كأفكار وأراء الخوارج،والمعتزلة،والشيعة،والقدرية،والجهمية،والمرجئية(=أهل الأهواء والبدعة!!)فحدث ولا حرج.ولعل نظرة سريعة إلى حيثيات مبادرة عبدالرحمن بن مهدي العراقي المحدث في طلبه من الشافعي الفقيه أن يكتب كتابا في المنهج يقوم على دعم المنهج النقلي،والعقل القياسي،والخطاب الرسمي،ونقد منطق التفكير المنطقي والكلامي،والتي قد استجاب لها الشافعي،وكتب له رسالته المشهورة(الرسالة).فإن هذه المبادرة تشير إلى بداية تأسيس حلف علمي سياسي بين محدثي العراق والحجاز لضرب قواعد الأفكار الكلامية،والمنطقية،والعقلية.خاصة وأن عبدالرحمن بن مهدي صاحب هذه المبادرة كان يكره الجلوس إلى ذي رأي،حتى أنه مرة شطب حديثا بعد أن كتبه من راوي،والسبب أن ذلك الراوي كان يرى رأي جهم.وقد سئل عن الصلاة خلف أصحاب الأهواء؟فقال:يُصَلَّى خلفهم ما لم يكن داعيةً إلى بدعة،مجادلاً بها،إلا هذين الصنفين لا يُصَلَّى خلفهم،الجهمية،والرافضة.ولو استشارني السلطان في الجهمية لأشرت عليه أن يستتيبهم،فإن تابوا،وإلا ضُرِبَت أعناقهم!!(انظر:المنتظم لابن الجوزي)وفي رواية قال:لو كان لي سلطان، لقمت على الجسر،فلا يمر بي أحد إلا سألته،فإذ قال:مخلوق(أي القرآن)،ضربت عنقه،وألقيته في الماء.(سير أعلام النبلاء،للذهبي)

وليس من المستبعد أن قيام الخلافة العباسية بتجنيد كل هذه الأقلام،وفتح مجال التحديث بالأحاديث،كان بمثابة تلاقي المصالح بين(السيف،والقلم)بغية تحقيق هدف متفق عليه يكرس(مفهوم الطاعة=شرعية النظام الوراثي)،ويكرس(مفهوم السنة+الإجماع)كمصدرموازي للوحي الإلهي،ومن ثم إدنة علم الكلام،والمنطق،وأساليب التفكير الحرة.وبهذين الهدفين تتمكن الدولة(السيف+القلم)من خنق فضاءات الحريات،وتضييق مساحات الاجتهاد والرأي،وتجريم المخالف وتهميشه،وممارسة أساليب الإكراه عليه!!وفي ضوء هذا ينبغي فهم مبادرة عبدالرحمن بن مهدي ومشروع الشافعي التدشيني من خلال(الرسالة)على أنه لم يكن محض منهج بياني يعتمد اللغة العربية،والحديث النبوي وحسب،بل كان موقفا عقديا لضرب علم الكلام الذي كان بمثابة الأرضية الفكرية المشتركة بين المعتزلة،والشيعة،والجهمية،والقدرية،لأن علم الكلام في ذاك الزمان كان كلاما نقديا في السياسة والمعرفة التقليدية،بعبارة أخرى المتكلم=المتمرد النقاد.والساكت=الساكن الراضي.ولا شك أن هؤلاء المتكلمين كانوا خصوم النظام والخطاب الديني الرسمي السائد آنذاك.

ويبدو أن السلطة الحاكمة(هارون وابنه)لم تكن ليغيب عن إدراكها مدى خطورة ودور(سلاح القلم)الذي يملكه رجل الفقه،كما وقد وصف والي اليمن إيام الرشيد إمكانيات الشافعي العلمية في خدمة المعارضة العلوية،فقد قال له(يفعل بلسانه أكثر من المقاتل في ميدانه).ومنذ ذلك الحين والخليفة يحاول توظيف سلطة(القلم)ضد خصوم الدولة ومناؤيها من المتكلمين في السياسة وناقدي نظام الحكم ،بقصد توظيف القواعد والأصول والمفاهيم الشرعية التي نظر لها الشافعي(القلم)في رسالته؛كمفهوم السمع والطاعة،والإجماع،والسنة،والبدعة،بغية إدانة علم الكلام،والمتكلمين،والخارجين،والمبتدعة.ولا ريب أن هذا التوظيف يصب في نهاية الأمر في وعاء رجل السلطة المستبد الذي يسعى بكل ما يملك لتقليص مساحات الرأي الأخر،وإلغاء قيمة الحرية،وكبت أنفاس معارضيه!!

ولعل من النماذج الدالة على ذلك التوظيف والاستغلال السياسي للمفاهيم الشرعية،ما تمثل،في تمادي السلطة الحاكمة(السيف،والقلم)من تنفير الناس من المخالفين وتكفيرهم تدينا،كما نقل بن الكرابيسي عن الشافعي قوله:كل متكلم على الكتاب والسنة فهو الجدّ،وما سواه،فهو هذيان.(النبلاء ،الذهبي)ويقول الشافعي:لأن يلقى الله العبد بكل ذنب إلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الأهواء.(الذهبي،تاريخ ابن عساكر)ويقول:لوعلم الناس ما في الكلام من الأهواء،لفروا منه كما يفرون من الأسد.(النبلاء)ويقول الربيع سمعت الشافعي وقد سئل عن القرآن،فقال:أفّ أفّ،القرآن كلام الله،من قال:مخلوق،فقد كفر.(الذهبي،ابن عساكر)وعن الشافعي قال:حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد،ويحملوا على الإبل،ويطاف بهم في العشائر،ينادى عليهم:هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة،واقبل على الكلام.(توالي التأسيس،سير أعلام النبلاء،مناقب الشافعي)وفي رواية أخرى،قال:مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط،وتشريدهم في البلاد.(قال الذهبي:لعل هذا متواتر عن الإمام).ولا ريب أن هذه الفتاوى والأحكام الشافعية محملة بأبعاد عقدية تخدم مشروعا سياسيا قائما،ألا ترى تقريره لضرب رؤوس المتكلمين،والمخالفين بالسياط،والجريد،والتشهير بهم،وتشريدهم،وتهجيرهم من البلاد.وأن ذلك لا يتم إلا بقرار سياسي،وقوة سلطوية،تمارس عمليات الجلد،والضرب،والتشهير،والتشريد،بل وتهجير المخالف في الرأى من وطنه وداره.ولعل هذا جاري على نسق ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب!!

ويبدو أن مفهوم قيمة الحرية،ومبدأ احترام الرأى قد ضاق وانحصر في فكر الإمام الشافعي رحمه الله لدرجة أنه لم يتحمل المخالف له في تثبيت خبر الواحد(الآحاد)،أو في بعض المسائل العلمية،الأمر الذي حمله على وسم مخالفه في الرأى بالزنديق تارة،وبالضال أخرى،وبالكافر أحيانا.يقول ابن صالح صاحب الليث،كنا عند الشافعي في مجلسه،فجعل يتكلم في تثبيت خبر الواحد عن النبي،فكتبناه،وذهبنا به إلى إبراهيم بن علية(أبوه إسماعيل شيخ المحدثين)،وكان من غلمان أبي بكر الأصم(المعتزلي)،وكان في مجلسه عند باب الصوفي،فلما قرأنا عليه جعل يحتج بإبطاله،فكتبنا ما قال،وذهبنا به إلى الشافعي،فنقضه،وتكلم بإبطاله،ثم كتبناه، وجئنا به إلى ابن عليه،فنقضه،ثم جئنا به إلى الشافعي،فقال:إن ابن عليه ضال،قد جلس بباب الضوال يضل الناس!!(سير أعلام النبلاء،مناقب الشافعي للبيهقي)

ولا شك أن هذا المنهج بهذه الحثيثات يغلق أبواب النظر،وإعمال الفكر في النص،والاجتهاد في فهمه؛فهما وتنزيلا،فضلا عن الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص حديث،ومن ثم تصبح حرية الرأي والفهم والنقد لهذه المنظومة(مبادرة ابن مهدي،والشافعي)بمثابة نقد المقدس(الوحي).ولعل في كلام الشافعي حين سئل عن إلتزامه بحديث يرويه في منظومته(الرسالة)فرد بإستغراب واستنكارواعتبر ذلك من المقدس المقطوع به.قال الحميدي:روى الشافعي يوما حديثا،فقلت:أتأخذ به؟ فقال:رأيتني خرجت من كنيسة،أو علي زنار،حتى إذا سمعت عن رسول الله حديثا لا أقول به!!(حلية الأولياء،ومناقب الشافعي)وبالتالي فإن سياق هذه المبادرة(التدشينية)وأسلوبها المنهجي كان يعني تقرير جملة وظائف علمية وسياسية،أولاها أنه يصبح من يخالف الطريقة التي إرتاها الشافعي في مشروعه بمثابة مخالفة الوحي(=تقديس البشري)،وهذا في حد ذاته مؤشر خطير يشير إلى إتساع دائرة تقديس غير المقدس،وبداية تضييق إعمال العقل،وإلغاء حرية الرأي أكثر من أي وقت مضى.ولعل في مناظرة الشافعي مع حفص الفرد ما يدلل على ذلك،علما بأن الشافعي كان يسخر حتى من اسمه،حيث كان يسمي حفص الفرد(بالمنفرد).المهم حين طالت بينهما المناظرة،قال الشافعي:القرآن كلام الله غير مخلوق،وكفر حفص الفرد في تلك المناظرة.فقال الربيع:فلقيت حفصا(بعد المناظرة)،فقال حفص:أراد الشافعي قتلي!!(سير أعلام النبلاء،توالى التأسيس،آداب الشافعي)

وما نود الإشارة إليه من خلال هذه المواقف وأمثالها،أن الشعور بإمتلاك الحقيقة،وتقديس الطريقة،وأحادية الرأي،كانت بكل الموازين مدعاة لتوسيع دائرة تكفيرالمخالف،ووصمه بتلك الألقاب التي لا تليق إلا في عهود الاستبداد والإقصاء.وقد نقل المزني عن الشافعي شيئا من تلك الألقاب للمخالفين له في الرأي،فقال:سألت الشافعي عن مسألة من الكلام،فقال:سلني عن شيء إذا أخطأت فيه،قلت:أخطأت،ولا تسألني عن شيء إذا أخطأت فيه،قلت:كفرت!!(الذهبي،النبلاء).وقال الشافعي:إذا سمعت الرجل يقول:الاسم غير المسمى،والشيء غير المشي،فاشهد عليه بالزندقة!!وما انفك الشافعي في مشروعه من التأكيد على تجريم المخالف،ومعاقبته معنويا وحسيا،فقد سئل عن مسألة الأسماء والصفات،فقال:فإن خالف ذلك-ما جاء به القرآن والسنة-بعد ثبوت الحجة عليه،فهو كافر.(سيرأعلام النبلاء)وعندما سأله البويطي عن الصلاة خلف المخالفين في الرأى،فقال:أصلي خلف الرافضي؟قال:لا تصل خلف الرافضي،ولا القدري،ولا المرجىء.قلت:صفهم لنا:قال:من قال:الإيمان قول،فهو مرجيء،ومن قال:إن ابا بكر وعمر ليسا بإمامين،فهو رافضي،ومن جعل المشيئة إلى نفسه،فهو قدري.(الذهبي النبلاء،تاريخ ابن عساكر)

وهكذا تصبح هذه المرجعية التي نظر لها الشافعي في رسالته،وعلماء الحديث في مدوناتهم،والتي توارثتها الأجيال بمعزل عن سياقها التاريخي،ونسيجها الاجتماعي،هي العمدة والأساس عند أهل زماننا في فهم الحق وطرائقه،باعتبارها القراءة الوحيدة الصحيحة لخطاب الوحي،وما عداها فباطل وضلال.وبالتالي فإن قيمة الحرية،وحق الاختلاف في منظومة الشافعي تكاد تنعدم تماما،الشيء الذي يجعلنا نطرح سؤالا إستفهاميا حول حقيقة شعار الإمام الشافعي المشهور(رأي صواب يحتمل الخطأ،ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)،هل كان يقصد به المخالف جملة لمشروعه(الرسالة)وقراءته الاجتهادية للوحي؛كالمعتزلة،والخوارج،والشيعة،والقدرية، والجهمية؟ ولكن-مما سبق من نقولات وفتاوى- تبين بسهولة أن هؤلاء لا يشملهم هذا الشعار لا من قريب ولا من بعيد،لأن رأيهم وخلافهم ليس معتبرا!! فلم يبقى إلا المخالف الملتزم بمشروع الشافعي جملة وتفصيلا،ولكنه قد يخالف في فهم بعض جزئيات هذا المشروع.فما مدى اتساع هذا الشعار لهذا الصنف من المخالفين رأي المخالف في بعض جزئيات.بل ما مدى شفاعة هذا الشعار لقائله(الشافعي)عند الموافقين له في جملة المشروع،والمخالفين له في تفاصيله؟بعبارة أخرى هل نجا صاحب هذا المشروع(الشافعي)ذاته من تداعيات تضييق الحريات،وفكر التأثيم،وفقه الجنائز؟!

نحاول في المقال القادم إلتماس الإيجابة عن هذه الأسئلة من خلال الحفريات التاريخية والتنقيب عن حقيقة هذا الشعار المشهوروتدعياته،للوقوف على حجم ما بقي من قيمة الحرية التي جاءت بها نصوص الوحي،وتجلت في تطبيقات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم!!

والسلام

يتبع ...
(المعذرة على الإطالة)

عـبدالحكيم
Dr_elfitouri@yahoo.co.uk
________________________

1-انظر إن شئت مقالي(مفهوم الإجماع وإشكالية الفهم).
2-(وماأتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنة فإنتهوا)استدل الشافعي بهذه الآية على وجوب إلتزام السنة وأنها المصدر الأول المكر،بدون فرز بين السنة والحديث،ولا تمييز بين مراتبها(تشريعي،قيادي،جبلي).علما بأن مراجعة أولية لسياق هذه الآية في سورة الحشر تقودنا إلى أن سياقها كان في تقسيم الرسول صلى الله عليه وسلم الغنائم وتوزيعها بين المقاتلين،ولا علاقة لها باستدلال الشافعي.ثم إن لفظة(الإيتاء)ومفرداتها ومشتاقاته في القرآن لها ضربان،الضرب الأول،حين تضاف إلى ذات الإله سبحانه،فإنها تعني الجانب المعنوي(الكتاب،الحكمة،الأمر،الإيمان،الأمن،الاستقرار،..الخ)،وحين تضاف لفظة(الإيتاء)إلى البشر،فإنها تعني الجانب المادي الحسي وليس المعنوي،كما في قوله(وما أتاكم الرسول،وءات ذا القربى حقه،الذي يؤتى ماله،وآتوا التيامى أموالهم،وأتوا حقه يوم حصاده،ولا يحل لكم ان تأخذوا مما اتيتموهن شيئا،وتؤتوها الفقراء،وآتيتم إحداهن قنطارا). (سوف اتناول هذا الموضوع بمزيد بيان في سلسلة مستقلة إن شاء الله)


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home