Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 8 September, 2006

   

فـلسفة تطوّر العـقـل وتـدرّج الشرع (2)

د. عبدالحكيم الفيتوري

- أما عن العقل : فهو ذلك الوصف الذي يفارق الانسان به سائر البهائم وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية .كما قال الحارث المحاسبي في حد العقل: (إنه غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم النظرية وكأنه نور يقذف في القلب به يستعد لإدراك الأشياء ولم ينصف من أنكر هذا ، ورد العقل إلى مجرد العلوم الضرورية ..). ولا سيما وقد ظهر شرف العلم من قبل العقل ، والعقل منبع العلم ومطلعه وأساسه . والعقل على هذا الأساس هو الآلة التي أنيط بها التكليف في هذه الحياة الدنيا، لمعرفة الخطاب التكليفي والوضعي ، والكشف عن سنن الله ونواميسه في الكون والنفس ، وبالجمع بينهما يتحقق للإنسان العاقل أهداف استخلافه في الأرض (إنى جاعل في الأرض خليفة) ويسعد بالأمن والراحة في هذا الكون (من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى).

واللافت للنظر أن الوحي تدرج في تنزيل الشرائع مراعاة لتتطور العقل وتشكله وأكتماله ، ويمكن أن يلحظ هذا التدرج كل متدبر للقرآن الكريم حيث يجد أن التدرج بمعانيه الشاملة سنة ثابتة ؛ تدرج في الخطاب الاصطفائي ، تدرج في الخطاب التكليفي ، كل ذلك باعتبار مراحل نمو وتطور مدارك العقل البشري في إطار تدافعه مع واقعه المعيش.

- فمثلا في مراحل الخطاب الأصطفائي : كان الخطاب الإلهي ابتداء من آدم وانتهاء إلى محمد عليهم السلام خطابا (حصريا) يقوم على (الاصطفاء) ويتوجه إلى دوائر بشرية معينة كما قال تعالى: (إن الله اصطفى آدم ، ونوحا، وآل إبراهيم ، وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم). فآدم أول البشر إرتقى إلى مرتبة الاصطفاء بعد ما تدرج في مراتب الإنابة والتوبة (ثم إجتباه ربه فتاب عليه وهدى). فكان هاديا مهديا وكان في ذريته من شاء الله تعالى من النبيين والمرسلين. وأما نوح عليه السلام فقد حدث على عهده ذلك الطوفان العظيم فإنقرض من السلائل البشرية من إنقرض ونجا هو وأهله في الفلك فكان بذلك أبا ثانيا للجم الغفير من البشر، وفشت فيهم الوثنية حتى ظهر فيهم إبراهيم عليه السلام نبيا مرسلا وخليلا مصطفى وتتابع النبيون والمرسلون من آله وذريته (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ، ونوحا هدينا من قبل، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحي وعيسى وإلياس كل من الصالحين ، وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين، ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم وإجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم).

ثم بعد انتشار تلك الانحرافات المتنوعة في ذرية إبراهيم عليه السلام خاصة بين اتباع موسى وعيسي عليهما السلام ، وادعى كل واحد منهما أنه صاحب المنهج الإبراهيمي (وقالوا: كونوا هودا أو نصار تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)، جاء الخطاب الإلهي يمهد لعملية الانتقال الاصطفائي من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل ، ومن قيادة بيت المقدس إلى بيت الله الحرام (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) حيث بشر موسى وعيسى عليهما السلام بهذه المرحلة النهاية من الأصطفاء (وإذا قال عيسى ابن مريم إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد). فكان ذلك الاصطفاء الأول من ذرية إسماعيل والبشرى بسيد الأولين والآخرين والخاتم النبيين والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) ثم الاصطفاء المؤقت المرحلي للعرب من ذرية إسماعيل (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون)(وانذر عشرتك الأقربين)، كل ذلك تمهيدا لإلغاء مرحلة الخطاب الاصطفائي الحصري والخلائفي (ثم جعلناكم خلائف في الأرض)، وتأسيسا للخطاب العالمي الذي يشمل كافة البشرإلى يوم الدين (قل يا أيها الناس أني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض ، لا إله إلا هو يحي ويميت ، فأمنوا بالله ورسوله النبي الآمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعللكم تهتدون).

فكان هذا الخطاب العالمي إيذانا بإحلال المنهج الرباني عن إبتعاث الرسل والخطاب الاصطفائي (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)، وجعل الرسالة الخاتمة المنهج الرباني الخاتم مهيمنة على كافة الرسائل السماوية السالفة (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) هيمنة إحتواء وإستعاب .

- أما تدرج الوحي في أنزال الشرائع حسب تطور عقل الانسان وحاجاته لضبط علاقته بغيره من بنى الانسان ، ومعرفة قوانين استعمار الأرض ، فهي قد تجلت في قصة ابنى آدم (واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق) ففي أحكام النكاح مثلا جاء في الأثر عن ناس من الصحابة ، أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الأخر. وفي أحكام القصاص وعقوبة القتل (قال لأقتلنك ، قال إنما يتقبل الله من المتقين ، لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) فكانت عقوبة القتل آخروية (إني اريد أن تبوء بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار) ولكن بعد تكاثر الناس وتدافعهم في الحياة تنزل قوله تعالى (من أجل ذلك كتبنا على بنى اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) ثم (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن )، وهكذا الوحي في تدرج ملحوظ حسب تطور العقل البشري وحاجاته لضبط جدلية الحياة وتوفير الأمن وتأسيس قواعد الاجتماع السياسي، فكان قوله (إنما جزؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا .. الآيات) بمعنى تأمين حياة الناس دولة ومجتمعا وعدم ترويعهم وتفزيعهم، ولما كثر متاع الناس وأموالهم،كان قوله (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)، ثم توالت الآيات التي تحكم علاقة الناس بعضهم ببعض بحسب ظروف بيئاتهم وتقلب معاشهم وتغير مساكنهم.

ومما يلحق بركب ما تقدم آنفا أن القرآن الكريم في تنزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزل على مكث حسب تطور عقل متلقيه وظروف بيئته وحاجاته الانسانية ، كما قال تعالى (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا)، وقد بينت السيدة عائشة رضي الله عنها ذلك بقولها: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء : لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا ، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا ... (البخاري).

يتبع ...


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home