Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 8 June, 2007

ابن عبدالوهاب.. ونشره للعـقل السلفي!!

د. عـبدالحكيم الفيتوري

تناولت في بداية سلسلة (مباحث في فهم إزمة العقل السلفي) المحطة الأولى ابن حنبل وتأسيسه للعقل السلفي، وفي المحطة الثانية ابن تيمية وتشييده للعقل السلفي، وفي هذا المقال نتناول المحطة الثالثة عن ابن عبدالوهاب ونشره للفكر والعقل السلفي، وسوف أكتفي بالوقوف على مشهدين من مشاهد المحطة الثالثة،المشهد الأول حول التنظير السياسي. والمشهد الثاني حول تأصيل تكفير المخالف وقتله(1). ولكن قبل الولوج في صلب الموضوع أكرر القول بأنني لا أقدح في ذوات العلماء وفي لا أهليتهم العلمية ؛ بل اترحم على الجميع المخطي منهم والمصيب. والذي يهمني في هذه السلسلة هي إعادة قراءة الأفكار من جديد، ومحاولة فهمها من خلال سياقاته الاجتماعية وصراعاته المذهبية والسياسية.

قد ذكرت في مقال ابن تيمية وقضايا التكفير، أن عقل الفقيه رغم كل العوائق والمثبطات في النظام السياسي القائم وإنحطاط الواقع ، يبحث عن مختلف المبررات التي تعطيه (الحق) في مشاركة رجل السياسة مجال نفوذه وتأكيد حضور(معرفته) وسلطته العلمية، إن لم يكن في صنع القرار السياسي ففي مساندته وتوجيه الجمهور، فإنه بحكم تعريفه كفقيه بما(عمت به البلوى) مضطر دائما وابدا للتكيف مع الواقع الاجتماعي والنظام السياسي، انطلاقا من مباديء وقواعد أصولية أساسها الأسلاف، كقاعدة الاجماع على ولاية المتغلب ذي الشوكة، وقتال المخالفين له تحت رأيته،وتبديع الخارجين عليه!! ولا يتردد العقل السلفي في الاستنجاد بجملة مفاهيم أصولية تبريرا لشرعية الوقوف مع القائم،ودفعا لأطروحات المخالف،بدون اعتبار لمحدودية تلك المفاهيم والفتوى والاجتهاد، التي ينبغي مراعاة ظروف الزمان والمكان والانسان في فهمها. ولا يعدم العقل السلفي من جهته التبرير الشرعي لمثل هذه التناقضات،وهذا الولاء المزدوج، وهذه القداسة المفرطة للقواعد والتاريخ وصانعيه!!

وفي هذا المقال نبحث عن العلاقة المنهجية بين ابن تيمية وابن عبدالوهاب،في جانب التنظير السياسي؛ من حيث كيفية انتقال المنهج إلى ابن عبدالوهاب،وكيف تمت عملية التوظيف.والمقال اللاحق نفرده لجانب تأصيل مسائل التكفير وقتل المخالفين.

- كيف انتقل المنهج الحنبلي إلى ابن عبدالوهاب :

ولد الشيخ ابن عبدالوهاب رحمه الله (1703-1791م) ، ببلدة العيينة القريبة من الرياض، تلقى علومه الأولى على يدي والده في الفقه الحنبلي والتفسير والحديث، ثم انتقل إلى مكة وتعلم على شيخه محمد حياة السندي، وعبدالله بن إبراهيم وغيرهما. ومن خلال تلك الدروس تلقف ابن عبدالوهاب المنهج الحنبلي خاصة وأنه اعتكف على كتابات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم المتاحة آنذاك. وهذه الكتب والمؤلفات قد اعتبرت في القديم ضمن مصنفات تراث الحنابلة بشكل عام إلى أن أدركها الشيخ محمد بن عبدالوهاب فترة طلبه للعلم فأعجب بطرح ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وتشبع بأفكارهما خاصه في مسائل الاعتقاد والولاء والبراء ومسائل الاسماء والصفات وقضايا التكفير، حيث اتخذ تلك المسائل الاعتقادية طريقا ومذهبا خالف به السائد من المذاهب والتصورات الاعتقادية التي كانت عليه الأمة كالاشعرية والماتريدية في الاعتقاد،والصوفية في السلوك، وهذان المذهبان كانا يمثلان مذهب أهل السنة والجماعة في القديم. ( في هذا المقام أفسر ولا أبرر).

وهكذا كانت بداية تأسيس الدعوة السلفية الجديدة والتي اتخذت من بلاد نجد منطلقا، حيث عضد السيف القلم فانتشرت الدعوة وظهرت للوجود دولة تدافع وتنافح عن تصورات الفكر الاعتقادي الجديد في إطار الفقه الحنبلي وقواعد استدلاله . ولما استقر الشيخ ابن عبدالوهاب في حريملاء بدأ ينشر أفكاره ودعوته المتعلقة بالتوحيد ونبذ الشرك ومحاربة التصوف وتقديس الأولياء ومصارعة الاشاعرة في الاسماء والصفات . ولم يكد ينتهي من تأليفه كتاب (التوحيد) حتى كان صيته قد ذاع بين القبائل والمدن النجدية، كما قال ابن غنام: اشتهر حاله في جميع بلدان العارض في.. العيينة والدرعية ومنفوحة.. وكان الناس عند ذلك حزبين وانقسموا فيه فريقين فريق أحبه وما دعا إليه ؛ فعاهده على ذلك وبايعه وحذا حذوه وتابعه ، وفريق أنكر عليه (انظر: روضة الأفكارلابن غنام). حتى أن أمير الأحساء ارسل إلى أمير العيينة رسالة يأمره فيها بقتل الشيخ، فخرج ابن عبدالوهاب من العيينة وتوجه صوب الدرعية مقر إمارة آل سعود الأمير محمد بن سعود الذي حكم خلال الفترة (1139-1179هـ) فرحب به وعاهده على حمايته بشروط ، حيث اشترط الأمير على الشيخ شرطين : الشرط الأول: أن لا يرتحل عنهم وأن لا يستبدل بهم غيرهم. والثاني: ان لا يمانع الشيخ في أن يأخذ الحاكم وقت الثمار ما اعتاد على أخذه من أهل الدرعية!!

أما عن الشرط الأول فقد قال له الشيخ: ابسط يدك أبايعك.. الدم بالدم، والهدم بالهدم.

أما عن الثاني فقد قال له: لعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها !!

تم هذا الاتفاق بين رجل القلم ورجل السيف في ظل ما يسمى بالخلافة التركية الإسلامية!! مما يعني عند العقل التقليدي منازعة السلطة الشرعية في ولايتها على العباد والبلاد، لأن ولاية الخليفة أو السلطان التركي انعقدت بإجماع فقهاء الأمصار ؛ هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن هذا الاتفاق الذي تم بين بن عبدالوهاب وآل سعود، صار بمثابة إعلان الحرب على سلطة سلطان آل عثمان التركي، فإن هذا الأول سوف يهرع إلى مفهوم الإجماع سهل الاستغلال والتوظيف من طرفه ضد إجماع فقهاء الأمصار على ولاية آل عثمان، وهذا الأجماع هو ولاية المتغلب الذي كرسه ابن تيمية وابن جماعة وقبلهما الجويني، حتى ولو كان هذا الاجماع من عالم واحد !!

- الوهابية حركة سياسية وظفت الديني :
تلك صورة لمحاولة ابن عبدالوهاب تأكيد منزلته ونفوذه المعرفي، خاصة بعد أن انتبه إلى العواقب السلبية لعدم وجود رجل السيف في حماية دعوته فقد (صار في الدرعية، عند محمد بن سعود، وأولاده، وإخوانه، وبعض الاعيان من جماعته فصار لهم قبول لهذه الدعوة، فصبروا على عداوة الناس، والكل قصدهم بالحرب، فثبتهم الله على قلتهم وكثرة من خالفهم ، وقتل من قتل من أعيانهم ، فصبروا وصارت الحرب بينهم سجالا). (الدرر السنة في الأجوبة النجدية)، ونلحظ استدعائه الاجماع على ولاية المتغلب صاحب السيف لإضفاء الشرعية على سلطة آل سعود، وقتال واستباحة المخالف لهم، (الدم الدم.. الهدم الهدم.. ولعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك من الغنائم ما هو خير منها!!) حيث قال ابن عبدالوهاب (الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا) الدرر السنية(2). على الرغم من أن الإجماع الذي اعتمده ابن عبدالوهاب في إضفاء الشرعية على ولاية آل سعود كان إجماعا فرديا شخصيا؛ أي تم ببيعة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب لوحده للأمير محمد آل سعود!!

وبذلك يتبين كيف حاول ابن عبدالوهاب أن يحرر رجل السيف من مفهوم علمي بدأ يتبلور منذ وقت مبكر، الا وهو مفهوم الاجماع، الذي يفرغه من كل سلطة ملزمة ينسبها له العلماء ويذعن لها سياسيا واجتماعيا ودينيا!! وبذلك يصبح رجل السيف مالكا للسلطة السياسية والسلطة العلمية في آن واحد، ولا غرابة في هذا ما دام ابن تيمية قد قرر ذلك وكرس هذا المفهوم، وإذا تحقق هذا في رجل السلطة فما المانع أن يستأثر برايه ويفرض اجتهاده على كل اجتهاد آخر؟! أليس حكم الحاكم يرفع الخلاف؟!

ذلك هو المنطلق الإديولوجي لمشروع ابن عبدالوهاب حول تنظيم دولة آل سعود الوليدة!! يقول ابن عبدالوهاب: (وبعد يجيئنا من العلوم، أنه يقع بين أهل الدين والأمير بعض الحرشة، وهذا شيء ما يستقيم عليه دين، والدين هو الحب في الله والبغض فيه، فإن كان الأمير ما يجعل بطانته أهل الدين، صار بطانته أهل الشر؛ وأهل الدين عليهم جمع الناس على أميرهم، والتغاضي عن زلته، وهذا أمر لا بد منه من أهل الدين، يتغاضون عن أميرهم، وكذلك الأمير يتغاضى عنهم ..) (الدرر السنية).

ومعنى هذا أن منطق ونتيجة هذه الاطروحة الشرعية يلتقيان مع الهدف الصريح للاتفاق السياسي الذي تم بين ابن سعود وابن عبدالوهاب، والتي ترمي صراحة إلى عدم تقييد طاعة رجل السلطة، وتأويل شعار (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) باعتبار أنها حين تقيد طاعة رجل السلطة بعدم معصية الله،فإن منطقها يستلزم القول بحدود هذه الطاعة التي تصير مشروطة، وبإمكانية عصيان رجل السيف حينما يخرج عن منطق الشرع. غير أن الخطر الأكبر في هذه الأطروحة تكمن عند ابن عبدالوهاب، في إمكانية انتقال هذه الطاعة من آل سعود إلى عالم له تأثير في الجمهور، فيعصى الإمام حينما يأمر بالظلم، مثلا، ويطاع الفقيه حينما يأمر بالعدل. وفي ذلك الخطر كل الخطر، في راي ابن عبدالوهاب، حينما يصير رجل الفقه نظيرا للإمام ، يأمر ويستحق الطاعة، ولو كانت في المعروف!! (..وأهل الدين عليهم جمع الناس على أميرهم، والتغاضي عن زلته،وهذا أمر لا بد منه من أهل الدين)!! (انظر: الدرر السنية) وقال (وقد أجمع المسلمون: على جهاد عدوهم مع الإمام سعود وفقه الله؛ وقد قرر أهل السنة في عقائدهم أن الجهاد ماض مع كل إمام، وهو فرض على المشهور، أو ركن من أركان الإسلام، لا يبطله جور جائر!!(الدرر السنية).

ومفاد هذا البعد الأديولوجي السياسي أن يصبح الإمام عندئذ ومن سواه على حق الطاعة سواء، بل إن الأخطر من ذلك،أن يطاع غير الإمام كرجل العلم مثلا في المعروف ويعصى الإمام أو السلطان في المعصية، لذلك كان لابد من إنفاذ وجوب الطاعة، دون أن يؤدي ذلك إلى توهينه. وتفاديا للفهم المغلوط ، نص ابن عبدالوهاب أن السلطة تقوم على أساس الطاعة في كل شيء إلا فيما يمس المعروف بالضرورة من الدين، والذي لا يجروء أحد من الملة على الخروج عليه (ولو أن الإمام نهى عن الصلاة والصيام والحج ؛ أو منع الحدود،أو اباح ما حرم الله صراحة لم يكن له في ذلك أمر)!! إلا أن الملاحظ هنا أن حصر الخروج عن طاعة رجل السلطة في هذه الأحوال المعروفة بالضرورة داخل الثقافة والقيم الإسلامية المتداولة، هو من باب تحصيل الحاصل في البيئة الإسلامية. ولم يجروء أحد من رجال السلطة على المعارضة الصريحة لذلك الضروري من الدين، بل يمكن القول إن جل رجال السلطة قد اتخذوا من تعظيم تلك الشعائر الضرورية سلما وذريعة لتعزيز سلطتهم ومظهرا لكسب تأييد الجمهور لهم!! بينما موضوع النزاع القائم لا يتمثل في احترام هذا المعروف بالضرورة من الدين؛ بل إن المشكل كامن فيما عدا ذلك من الأوامر والنواهي ذات الطبيعة التنظيمية والسياسية !!

وبعد ذلك لم يبق أمام ابن عبدالوهاب إلا الشروع في تاسيس جديد لطاعة السلطة،أو الأمير؛ تأسيس ينتهي إلى منطق تكريس الطاعة المطلقة غير المشروطة لآل سعود.ذلك ان الإمام إذا كان لا يطاع في الفروض المقررة بالضرورة في الملة، فإن طاعته في كل ما عدا ذلك من أوجب الواجبات!! التي يختص بها وحده ، ولا يشاركه فيها غيره ، ويحق له أن ينزل بالخارج عنها أشد العقوبات!! يعبر عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ على ذلك بقوله ( تفهمون أن الجماعة فرض على أهل الإسلام وعلى من دان بالإسلام... وتفهمون أن الله سبحان وتعالى جمعكم على إمامكم عبدالله بن فيصل... وقد سعى سعود بن فيصل في ثلاثة أمور كلها منكرة ، نقض البيعة بنفسه، وفارق الجماعة، ودعا الناس إلى نقض بيعة الإسلام ؛ فعلى هذا:يجب قتاله، وقتال من أعانه ..)(الدرر)

ويفصل عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ (والمقصود: كشف حقيقة الحال في أول الأمر وآخره، وقد تغلب سعود على جميع البلاد النجدية، وبايعه الجمهور، وسموه باسم الإمامة، وقد عرفتم: أن أمر المسلمين لا يصلح إلا بإمام، وأنه لا إسلام إلا بذلك، ولا تتم المقاصد الدينية، ولا تحصل الأركان الإسلامية، وتظهر الأحكام القرآنية إلا من الجماعة والإمامة، والفرقة عذاب وذهاب في الدين والدنيا، ولا تأتي شريعة بذلك قط. وقد تغلب من تغلب في آخر عهد اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واعطوه حكم الإمامة ، ولم ينازعوه كما فعل ابن عمر وغيره، مع أنها أخذت بالقهر والغلبة، وكذلك بعدهم في عصر الطبقة الثالة، تغلب من تغلب، وجرت أحكام الإمام والجماعة ، ولم يختلف أحد في ذلك، وغالب الأئمة بعدهم على هذا القبيل وهذا النمط!!

ومع ذلك: فأهل العلم والدين: يأتمرون بما أمروا به من المعروف، وينتهون عما نهوا عنه من المنكر، ويجاهدون مع كل إمام،كما هو منصوص عليه، ولم يقل أحد منهم بجواز قتال المتغلب والخروج عليه، وترك الأمة تموج في دمائها، وتستبيح الأموال والحرمات!!) (الدررالسنية)

وبهذا يتبين لنا كيف أن منطق هذا التأويل السلفي الوهابي قد أدى إلى نسف محتوى آيات وأحاديث كثيرة تأمر بضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة العدل والقسط. وزاد في ترسيخ سلطة المستبد المسلم؛ أو كما يسمى في القديم المستبد العادل!!

هذه بعض ملامح التراجع أو الانحطاط في الفكر الإسلامي، وتلك بعض اسبابها الرئيسية، التي ساهمت في تعميق مفاهيم كثيرة مغلوطة لا تزال جاثمة على صدورنا، ومعششة في عقولنا لحد اليوم. ولعل العقل السلفي نموذج لذلك في تكييفه للمنتوج المعرفي وتنميطه السلوكي بتلك الصبغة !!

والسلام

يتبع...

عبدالحكيم
Dr_elfitouri@yahoo.co.uk
________________________

(1) أحسب أن لي تجربة مع أصول الحركة الوهابية عن كثب خاصة في مسائل الإيمان والكفران ، فارجو من القارىء الاستفادة مما يقرأ ولايشغل باله بإشعال حروب الدفاع عن الذوات التي تحيي بالضرورة العقلية الصنمية ؛ أي تقديس الذوات وتغيب القيم والأخلاق. فالحكمة ضالة المؤمن !!
(2) هذا من أهم المراجع الجامعة لمصنفات الشيخ محمد ابن عبدالوهاب وآله ، وهي في عشرة مجلدات تحت اسم ( الدرر السنية في الأجوبة النجدية ، مجموعة رسائل ومسائل علماء نجد الأعلام من عصر الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى عصرنا هذا ) جمعه عبدالرحمن النجدي الحنبلي . !!


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home