Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 7 July, 2006

 

جدلية النص والتاريخ : مراجعـات في إشكالية فهـم السنة(*)
( 1 من 2 )

د. عبدالحكيم الفيتوري


ينبغـي تحريـر إسـلام النـص ممـا ألصـق بـه من اجتهادات بشـرية وتأصـيلات مذهـبية ودوافـع سياسـية
نحو تقديم السنة كمشروع حضاري يساعد علي الانتقال من القراءة التجزيئية الي الاستقرائية المقاصدية.
                             د. عبدالحكيم الصادق الفيتوري ـ الفكر الإسلامي بين إشكالية النص والتاريخ!!

لا شك أن العقل الجمعي المسلم قد تأثر بدرجات متفاوتة في مناحيه التشريعية والفقهية والسياسية بأجواء تاريخ السلطة، وسلطة التاريخ. التي جعلت منه عقلا عاجزا عن استخدام أداة العقل ومناط التكليف كما أراد بارئه سبحانه، فكان الخلط بين اسلام النص واسلام التاريخ، والعجز علي ترسيم حدود منطقة الواجب ومساحات المباح، والالتباس بين وجوب المضمون وتنوع الشكل، حتي صار يعيش تاريخ السلطة ظنا أنه الاسلام الخالد، وأضحي يتقلب في عرصات المباح علي أساس منطق الواجب والالزام، وبات ينادي بأشكال تاريخية في ادارة الحكم وأنماط الخلافة ظنا منه أنها القيم بذاتها!!

وأحسب أن مناقشة هذه النقاط المفصلية المنهاجية ومراجعتها وفق نصوص الوحي والأطر المقاصدية للرسالة تعتبر بمثابة الخطوة الأولي والأساسية التي تضعنا علي الطريق المستقيم المؤدي الي نهضة شاملة بالعقل الجمعي المسلم، في الفهم والاستدلال، والفكر والسلوك. لذا يصعب علي العقل الجمعي المسلم المعاصر التطور والتجدد والمواكبة لمستجدات العصر والزمان دون الولوج في مناقشة هذه النقاط المحورية المفصلية بصراحة، وبمنهج احاطي يقوم علي أساس الاستقراء، والملاحظة، والفك، والتحليل، والتركيب، والا كان كمن ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء!!

ويمكن أن نتناول هذه النقاط الثلاثة المفصلية والمنهاجية بشيء من الشرح والتبيان بما يناسب المقام، ولكل مقام مقال، والغرض من ذلك استثارة العقول النيرة والمفكرة، وفتح مجال مشاركة للعقل الجمعي في عملية البناء والتطوير والنهوض بالأمة لمن كان أهلا لذلك.

النقطة الأولى : التمييز بين اسلام النص واسلام التاريخ

ينبغي أن يحرر اسلام النص والوحي؛ كتابا وسنة (تشريعية، قيادية، جبلية) مما ألصق بهما من اجتهادات بشرية، وتطبيقات تاريخية، وتأويلات طائفية ومذهبية، وتأصيلات فقهية عاشت في بلاط السلاطين المستبدين ردحا من الزمن!!

فاسلام النص هو ما قاله وقرره سبحانه في كتابه (ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )، (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون)، (واتل ما أوحي اليك من كتاب ربك، لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا)، (واتبع ما يوحي اليك واصبر حتي يحكم الله، وهو خير الحاكمين)، (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (قل أطيعوا الله والرسول) (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) وطاعة الرسول كما لا يخفي تتمثل بالالتزام بسنته صلي الله عليه وسلم خاصة التشريعية منها، قال الشاطبي: السنة راجعة في معناها الي الكتاب فهي تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره، وذلك لأنها بيان له، وهو الذي دل عليه قوله تعالي في سورة النحل: (وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم) فلا تجد في السنة أمرا الا والقرآن قد دل علي معناه دلالة اجمالية أو تفصيلية. (الموافقات)

فهذا اسلام النص، والقدر المقدس الذي له مطلق الزمان والمكان، والذي له قوة الالزام، وما عدا ذلك فهو نسبي بشري مقيد لا يتمتع بهذه الخاصية وان جاور النص في التاريخ والتصنيف، ومحاضن العلم والتعليم، فلكل شيء قدر!! ولكن وللأسف مع هذا الوضوح والجلاء نجد أن عقل المسلم الفردي والجمعي المعاصر قد اضفي علي اسلام التاريخ شيئا من خصائص اسلام النص لدرجة عجز معها علي القيام بعملية الفرز والتمييز في مسالك الاستدلال، ومدارج الفهم، ودرجات الالزام!!

النقطة الثانية : ترسيم حدود الواجب والمباح

لا يخفي أن عملية التمييز بين اسلام النص واسلام التاريخ تتبعها العملية التالية وهي لا بد من فرز القدر الواجب واللازم من مساحات المباح، ووضع الضوابط والحدود الحاسمة والواضحة لكل دائرة منهما ؛الواجب والمباح، وهذه العملية تعد حجر الزاوية في بناء العملية التشريعية والفقهية والسياسية برمتها، اذ أن عدم الفرز ووضع الضوابط والحدود بين دائرة الواجب ومساحات المباح تنشئ حالة من الفوضي الفكرية، والاضطراب الاستدلالي، والتدمير العقلي؛ التي تسمح لقبول المتناقضات، والتسوية بين المختلفات، والتفريق بين المتماثلات، ولعله في بعض كتب المذاهب والفرق والأحكام السلطانية شواهد كثيرة علي ذلك!! والغريب أن حالة الفوضي هذه وعدم والتمييز والوضوح دفعت بالعقلية المتخلفة التي لا تميز بين دائرة الواجب والمباح الي عملية تضييق دائرة المباح والسطو والافتئات والتقليص من مساحاته من خلال اضفاء خصائص (اسلام النص) الواجبة علي أقوال وفتاوي واتفاقات واجماعات مذهبية عبر تاريخ المسلمين!!

ولا يخفي أن مرد هذا الخلط يعود الي عدم التمييز بين (اسلام النص والتاريخ)، وفي تقديري أن الذين يميزون بين (اسلام النص) و (اسلام التاريخ) هم أقدر من غيرهم علي فهم هذا الاعتداء السافر غير المبررعلي دائرة المباح (خلق لكم ما في الأرض جميعا)، (وقد فصل لكم ما حرم عليكم)، وهم أعلم من غيرهم بأن هذه العملية تصنف في عداد الانتهاكات بجناب التوحيد وممارسة التشريع الذي هو حق خالص لله سبحانه (ألا له الخلق والأمر)، علما بأن السنة النبوية تضافرت نصوصها علي عدم المساس بدائرة المباح تحت أي مسمي كالزهد والورع وغير ذلك، فقد فقال صلي الله عليه وسلم ـ فداه أبي وأمي ـ: (ذروني ما تركتكم، فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم علي انبيائهم، فاذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عن شيء فدعوه).(مسلم)

النقطة الثالثة : التفريق بين الشكل والمضمون

بالضرورة المنطقية والبرهانية أن العقل الذي استطاع أن يميز بين نصوص الوحي وأقوال البشر، وبين المطلق والنسبي، وبين الواجب والمباح، يمكن له أن يلج الي العملية الأخيرة بسلاسة ووعي، وهذه العملية تقوم علي ضرورة التمييز بين الاطار الشكل وأنماطه، والمضمون ومفاهيمه في جانب العادات والمعاملات وأنماط الحكم وادارة الناس. ولا ريب أن الاسلام قد راعي المضمون وأوجبه وترك النوع والشكل ولم يوجبه، ففي اطار المضمون أوجب اقامة قيم العدل والمساواة، والحريات، والانصاف والاكرام، واحترام المواثيق والعهود، وغير ذلك من القيم الرائعة والراقية الحضارية التي كانت من أبرز معالم الرسالة المحمدية علي صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، الا أنه في المقابل لم يلزم في تحقيق تلك القيم والمبادئ والأخلاق العادلة شكلا أو اطارا معيناً محددا، وانما ترك ذلك للعقل البشري أن يجتهد في اختيار الوسائل الناجعة التي تمكنه من تحقيق تلك القيم وايقاعها في الواقع والمواقع، لأن القيم والمبادئ في دائرة الواجب، والشكل وتنوعه في دائرة المباح الذي يتغيير حسب تغيير الزمان والمكان والانسان والبيئات،لذلك فان ادخال الشكل ضمن دائرة المضمون والخلط بينهما يعد من قبيل الافتئات علي دائرة التشريع(2) التي هي من أخص خصائص عقيدة التوحيد التي تجعل حق ممارسة الحكم التكليفي، (الحلال ـ والحرام ـ والواجب ـ والمباح ـ والمكره) من حقوق الله سبحانه وتعالي كما قال: (أم لم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ).

الفكر الاسلامي واشكالية فهم السنة!!

اعلاه (اشكالية النص والتاريخ) تم تناول المرتكزات الأساسية للمراجعة الجادة وهي تحرير اسلام النص من اسلام التاريخ، وتحديد دائرة الواجب والمباح، وضرورة التفريق بين الشكل والمضمون في السياسة. وفي هذا المقام نقف وقفة ايضاح وتفصيل لمعني (السنة: التشريعية، والقيادية، والجبلية) التي وردت ضمن نقطة دائرة الواجب. فلا شك أن صاحب حق الأوامر الواجبة المحتمة علي الخلق هو من خلقهم من عدم (ألا له الخلق والأمر)، فالنص القرآني هو النص اللازم، والسنة النبوية (التشريعية) تابعة للقرآن مبينة له غير مستقلة عنه (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك)، (اتبع ما أوحي اليك من ربك). لذا فان شخص الرسول الكريم ـ فداه أبي وأمي ـ قد اجتمعت فيه أبعاد ثلاثة (البعد الرسالي: البلاغ عن الله، وتفصيل وتبيان الكتاب)، (والبعد القيادي: تجاربه الشخصية في ادارة الأعمال القيادية والسيادية في السياسة وحالات الحرب والسلم)، (والبعد الجبلي: كونه بشرا عاش بيئة وأعرافا وتقاليد معينة في اطار الزمان والمكان). فعدم الفرز وفك الاشتباك بين هذه الأبعاد الثلاثة يعني مضـــاهاة النـــص القــرآني صاحب الحق في تأسيس الواجب واللازم، وهنا مكمن الخلل وموطن الداء!!

ومرد هذا الخلل وهذا الاشكال الفكري يعود الي القرن الثاني، وعلي وجه التحديد منذ بدايات تدوين وتصنيف السنة النبوية في عهود تمكنت فيها العقلية القبلية من تسيير الدولة الاسلامية، وبروز الفرق الاسلامية بأجندتها السياسية، حيث أدخل الحديث؛ صحيحه؛ وضعيفه؛ وموضوعه الي حلبة العمل السياسي ـ علي الرغم من جهود العلماء الأجلاء في الذود عن السنة ـ ، فمن ذلك التاريخ أخذت السنة منحي ومكانة من الوحي غير الذي عهده الصحابة الكرام عنها حيث كانت في عهدهم تتبع القرآن وتبين مقاصده وتفصل أحكامه، ثم تحولت في الأجيال اللاحقة من علاقة تابع لأصل الي علاقة بين مثيلين متساويين في الحجة بل أكثر من ذلك !! كما عبر يحيي بن أبي كثير أحد زعماء تلك الفترة عن ذلك بقوله: ان السنة قاضية علي القرآن وليس القرآن بقاض علي السنة !! (الدارمي) وقال عبدالرحمن الأوزاعي: الكتاب أحوج الي السنة من السنة الي الكتاب (ارشاد الفحول)!! وقال الشافعي: فان قال قائل: هل تنسخ السنة القرآن؟ قيل: لو نُسخت السنة بالقرآن كانت للنبي فيها سنة تبين أن سنته الأولي منسوخة بسنته الآخرة (الرسالة)!! ثم شاع عند آخرين أن السنة هي كل ما صدر عنه صلي الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير بدون فرز ولا تمييز!!

ولا شك أنه بعد هذه العملية التي مرت بها السنة لاخراجها من دائرة التبعية للكتاب، وجعلها اصلا مستقلا عنه ومكافئا له في الاحتجاج، ثم تدوينها بهذه الاشكاليات المنهجية في بطون المتون والمسانيد والزوائد ـ وللأسف ـ دون تمييز بين ما صدر عنه صلي الله عليه وسلم بالبعد الرسالي أو القيادي أو الجبلي، ولا مراعاة لبعد الزمان والمكان، ولا تحديد لنسق علاقة النص السني (الجزئي) بالنص القرآني (الكلي)، ولا تفريق بين الواجب والمباح أدي الي حالة حيرة وارتباك وعجز في الفكر الاسلامي علي مستوي فهم النص السني ومكانته الاستدلالية من النسق القرآني الكلي، وعلي صعيد الاضافة العلمية الجادة لمصنفات السنة من فرز ومراجعة واعادة تصنيف، كل ذلك كان سدا منيعا من امكانية اعادة قراءة نصوص السنة ونظمها في منظومة متكاملة متناسقة مع الكليات القرآنية وفق أداة منهجية مقاصدية تحقق ترابطها الداخلي، وترتبها ضمن هرم قيمي يميز الكلي من الجزئي والقطعي من الظني، ثم تقديمها كمشروع حضاري يتمكن العقل المسلم المعاصر من خلالها من الانتقال من القراءة التاريخية التجزئية الانتقائية التي مزقت النص والصف (الذين جعلوا القرآن عضين) الي قراءة استقرائية برؤية قرآنية مقاصدية تعيد الأمور الي نصابها وتعطي كل ذي حق حقه.

لذلك ينبغي أن نؤكد علي قضية هامه مفادها: أنه أتي علي النص القرآني حين من الدهر لم يكن معه شيئا مذكورا، (انما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين، وأن اتلو القرآن، فمن اهتدي فانما يهتدي لنفسه، ومن ضل فقل انما أنا من المنذرين)، وقد تكفل الله سبحانه وتعالي بحفظ هذا النص القرآني شكلا ومضمونا (انا نحن ننزل الذكر وإنا له لحافظون)،ثم وصفه بأنه نص محكم (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير)، فقام صلي الله عليه وسلم بتبليغ هذا النص (الوحي) كما أنزل عليه (بلغ ما أنزل اليك من ربك )، ثم فصل وبين للناس ما أنزل اليهم (وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم) فكانت ولادة النص السني (التشريعي) الذي له سلطة النص القرآني من حيث الالزام والوجوب قال تعالي (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). وقد أحيط هذا النص السني الذي يعد من جنس النص القرآني بضوابط وقيود عالية المستوي، فقال تعالي (ولو تقول علينا بعض الأقاويل،لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين).

وفي مقابل هذه القيود والضوابط التي وضعت للنص السني (التشريعي) الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بالرسالة تبليغا وتبيانا كان الاعتراف بالجوانب البشرية لشخص الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم واعتبارها وعدم الغائها سواء بسواء مثلا بمثل؛ كاعمال عقله بالاجتهاد وتقدير المصالح ودفع المفاسد، والاستفادة من تجاربه وتجارب الانسانية في ممارسة الأعمال القيادية والسيادية، ومراعاته الأعراف والعادات الجبلية الفطرية، فقال تعالي (قل انما أنا بشر مثلكم يوحي الي) بشر مثلكم في الأخذ بالعادات الجبلية من مأكل ومشرب وملبس، واعتبار الأعراف المجتمعية البيئية التي لا تخالف المقاصد الرسالية ... وبشر مثلكم في ممارسة الوظائف القيادية والسيادية في الادارة والسياسة والحرب والسلم حسب الخبرات والتجارب الانسانية المتاحة، وقد اجمع العلماء علي جواز اجتهاد الرسول صلي الله عليه وسلم عقلا، وقد وقع ذلك فعلا كما في مصالحة غطفان مقابل ثمار المدينة، وفي تأبير النخل بعد قدومه صلي الله عليه وسلم الي المدينة . (ارشاد الفحول)... وقوله (يوحي الي) هذا هو الفارق الأساسي بين ما صدر عنه بلاغا عن رب العالمين وبين اجتهاده وسلوكه البشري، وقد أُمر ببيان ما يوحي اليه، وهذا هو ما اسميناها بالسنة (التشريعية) التي لها سلطة الوحي في الوجوب والالزام كقوله (صلوا كما رأيتموني أصلي) و(خذوا عني مناسككم) ونحوه، أما ما عدا ذلك مما صدر عنه صلي الله عليه وسلم بالبعد القيادي أو الجبلي فهو في دائرة المباح والاجتهاد البشري (لهم وليس عليهم).

ويبدو جليا أنه قد اجتمع في شخص رسول الله ـ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ أبعاد ثلاثة (البعد الرسالي، والبعد القيادي، والبعد الجبلي)، فكانت السنة (التشريعية، والقيادية، والجبلية)، فالأولي لازمة لعلاقتها الوثيقة ببيان الرسالة الالهية، والآخرين في دائرة المباح لعلاقتهما بالجوانب الاجتهادية والتجارب والخبرة البشرية، وقد كان ذلك واضحا في عهده صلي الله عليه وسلم فقد قال له الحباب ابن المنذر يوم بدر: (يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة)!! وهذا عبد الله ابن عباس سأله سائل قال: يزعم قومك أن رسول الله رمل بالبيت، وأن ذلك سنة؟ فقال صدقوا وكذبوا. قلت:ما صدقوا وما كذبوا؟ قال: صدقوا، رمل رسول الله بالبيت، وكذبوا، ليس بسنة...). (رواه مسلم) ومعني ليس بسنة؛ أي ليست واجبة، لأنها صدرت منه بمنطق القيادة والسياسة حيث أراد ايصال رسالة سياسية معينة لقريش الجاهلية، فهي سنة قيادية ولا شك في دائرة المباح. وكذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس في التحصيب أنه قال: ليس التحصيب بشيء، انما هو منزل نزله رسول الله . فالنزول في ذلك المكان في موسم الحج ليس لازماً علي الحاج، وانما منزل نزله صلي الله عليه وسلم مصادفة بمنطق الانسانية الجبلية!!

وعلي الرغم من وضوح هذه القضية المنهجية في العهد الأول وادراكهم لما صدر عنه صلي الله عليه وسلم وعلاقة ذلك بالنص القرآني، فان هذه العلاقة لم تلبث أن تحولت عبر الاجيال اللاحقة من علاقة تابع بأصل الي علاقة بين مثيلين متساويين، ثم اضفاء صفة الالزامية علي أغلب ما صدر عنه صلي الله عليه وسلم بالفعل القيادي أو الفطري الجبلي (السنة القيادية، والسنة الجبلية) حتي صارت كلمة السنة في العقل المسلم مترادفة لمعاني الوجوب والالزام!! ويا ليتهم توقفوا عند هذا الحد؛ بل تأسس علي هذا القدر من السنة المباحة (القيادية؛ والجبلية) كليات أصولية وقواعد فقهية تفيد الوجوب والالزام!! فقلبوا بذلك سلم الأولويات رأسا علي عقب حتي صارت القاعدة الأصولية أو الفقهية، أو رأي المذهب، أو رأي الجمهور حكما علي دلالات النصوص ومعانيها التي لا تنفد (ولو انما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر، ما نفدت كلمات الله)، وعلي هذا المنطق المغلوط والمقلوب قامت أطوار التخلف الفكري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي!!

وبعد. فهل من مشمر، فهل من صاحب همة، فهل من ذي عــزيمة لنصرة سنة الحبيب صلي الله عليه وسلم؟!

أثر بعـدي الزمان والمكان في فهم السنة

يجدر بنا بعد أن صنفنا ما صدر عنه صلي الله عليه وسلم من تصرفات نبوية الي ثلاثة أقسام (سنة تشريعية، وسنة قيادية، وسنة جبلية)، أن نتناول بعدي الزمان والمكان وأثرهما في تصرفاته صلي الله عليه وسلم، من حيث ملاك الأحكام، وعللها، ومقاصدها، ومآلاتها؛ بغية تأسيس قراءة تجديدية للسنة النبوية وإدخالها كعامل أساسي في فهم القرآن، وعملية نهوض حضاري شامل للأمة في فكرها وسلوكها وحضورها.

ولا ريب أن معرفة البعد الزماني والمكاني وأثرهما في السنة وتحريرها يعد مرتكزا أساسيا في فهم السنة، ونقصد بالبعد الزماني معرفة ظروف الناس المخاطبين في عهده صلي الله عليه وسلم وتعامله معهم خلال فترة النبوة والتي استغرقت قرابة 23 سنة؛ في ظروف متنوعة قلة وكثرة، استضعافا واستخلافا، حربا وسلما.والمراد بالبعد المكاني في السنة ظروف الجزيرة العربية التي أحاطت بالناس زمن النبوة من حيث البيئة ومناخاتها، والأعراف وعاداتها، والتقاليد وأنماطها، والأوضاع واهتماماتها؛ من مكة الي المدينة، من مرحلة الدعوة والتأسيس الي مرحلة الدولة والتمكين.

والحقيقة التي لا مرية فيها أن بعدي الزمان والمكان مندمجان بعضهما ببعض لدرجة استحالة فصل أحدهما عن الآخر، فالزمان هو 23 سنة من البعثة وهي التي صدرت فيها أنواع السنن النبوية. والمكان هو الجزيرة العربية بكل ما تحمل من معانٍ جغرافية، وأعراق عربية، وأعراف بدوية وحضرية.

ولكن ـ كما لا يخفي ـ أن السنة التشريعية؛ والتي هي مبينة ومفصلة وشارحة للقرآن الكريم لا تأثير لبعدي الزمان والمكان عليها، لأنها في دائرة اللازم الذي يتبع نصوص القرآن الكريم التي لها حق الوجوب في مطلق الزمان والمكان والانسان، ولكن هناك حالات استثنائية قد تتأثر بها السنة التشريعية كحالتي الضرورة والاكراه اللتين لهما نصيب في تقييد وتخصيص ورفع ذلك الواجب والمطلق لقوله تعالي: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) (الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان).

أما السنة القيادية، كتعيين القضاة، وتنظيم الجيوش، ووضع الخطط الحربية، وتوزيع الاقطاعات في القري والمدن، وابرام المعاهدات، وأحكام التعزير المنوطة بتوفير آمن النظام واستراتيجياته، وتحقيق سلامة وأمن المجتمع في عقائده ومعاشه وأهدافه وغير ذلك. والسنة الجبلية ما كان سبيلها التجارب البشرية، والأعراف والعادات، مثل مجالات الطب، والفلك، والأكل، والشرب، والمشي، والنوم وهيئته وغير ذلك. فلا شك أن السنة القيادية والجبلية في هذه المجالات تتأثر بعاملي الزمان والمكان لصدورهما عنه صلي الله عليه وسلم بتصرفه البشري والتي هي في دائرة المباح (قل انما أنا بشر مثلكم) وليس بتصرفه التشريعي (يوحي الي).

ومن هنا فان عملية فرز السنة واعادة تصنيفها علي أساس (تشريعي، قيادي، جبلي) ثم وضع المحددات والضوابط اللازمة، واعادة النظر فيما بني عليها عبر تاريخ المسلمين الفكري والفقهي والسياسي من أصول وقواعد واجماعات، ومن ثم تحديد الواجب والمباح منها وما بني عليها، بحيث يتسني للعقل المسلم المعاصر الاضافة الجديدة للاسلام التاريخي (=اجتهادات العلماء في فهم الاسلام عبر التاريخ) من اجتهادات وابداعات حسب ضوابط اسلام النص (=الكتاب والسنة التشريعية) مع مراعاة اختلاف الزمان والمكان ليستعيد قدراته العقلية والذهنية التي تؤهله للولوج الي ساحات النهوض والاقلاع الحضاري لاعادة إخراج الأمة الرائدة من جديد (كنتم خير أمة أخرجت للناس).

وأود أن اشير في هذا المقام الي أن عدم اقتحام هذه المسألة، والنظر اليها بعين الاعتبار، ومحاولة فهمها بأبعادها التجديدية والنهضوية في إطار (الدين ـ والأمة) بعيدا عن التراشق بالنصوص والاجماعات، والتترس باسلام التاريخ، يعني ذلك التخلف عن ركب الحضارات بكل معانيه ومضامينه، والعيش في التاريخ، والمساهمة من حيث لا ندري في صد الناس عن فهم اسلام النص والاهتداء والاقتداء به في ظلمات التدافع الحضاري والانساني (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الي النور باذنه ويهديهم الي صراط مستقيم).

وهناك بعض الأمثلة التي توضوح خطورة عدم فهم السنة وفرزها واعتبار عوامل الزمان والمكان علي فهم اسلام النص فهما صحيحا في دلالات فحوي خطابه ومنطوقه،وملاك أحكامه ومناطاتها، ومآلات أفعاله وايقاعها، حتي صار الناس عبر أجيال غابرة يدينون بأشياء بزعمهم أنها من الدين وما هي من الدين، كعدم قتل المسلم بالكافر، وقتل المرتد، واخراج الأديان من جزيرة العرب وغير ذلك!!

ونكتفي في هذا المقام بمثال واحد يتضح به المقال، قوله صلي الله عليه وسلم (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قيل: يا رسول، ولم؟ قال: لا تراءي ناراهما) (سنن أبي داود، حسن) وهذا الحديث روي بصيغ متنوعة ليس هذا مجال سردها. كما أن مظان وجود هذا الحديث كتب الجهاد والعقائد، وعادة ما تؤصل عليه قضايا الولاء والبراء، وتبني عليه أحكام كثيرة منها حرمة السكني مع الكافر، والاقامة في داره، وتكثير سواده وغير ذلك من الأحكام التي تصنف ضمن مسائل الموالاة القادحة في الدين عند من لا يفــرق بين الســـنة التشريعية والقيادية والجبلية، ولا يعتبر للبعد الزمان والمكان أهمية في فهم السنة النبوية علي صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.

وفي تقديري أن نظرة سريعة في حيثيات ورود هذا الحديث بالمنهجية الجديدة التي قررناها تضعنا أمام فهم صحيح بعيد كل البعد عن الفهم الذي سلف ذكره، فحوي هذا الفهم أن هذا الحديث صدر عنه صلي الله عليه وسلم بتصرفه القيادي وليس التشريعي، وأن تصرفه مقيد بمكان معين حال ارساله سرية مقاتلة الي قبيلة خثعم، وزمان معين أثناء اجتياح هذه السرية لمجمع قبيلة خثعم التي فيه المسلم وغيره، فقد قال جرير بن عبد الله: بعث رسول الله سرية الي قبيلة خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل. قال: فبلغ ذلك النبي صلي الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل، وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين...)، الحديث.

فانظر وفقك الله فان الحديث مصدره سنة قيادية التي هي في دائرة المباح، ثم انظر الي اطاره الزماني والمكاني حيث كان خطابا موجها لسرية عسكرية في حالة اجتياح وغزو لمنطقة الأصل فيها الكفر، وليس هنالك معلومات علي وجود أفراد من المسلمين مقيمين في تلك المنطقة، كذلك لم تؤمر هذه السرية بقتل المسلمين أو تهجيرهم من تلك المنطقة، وكيف ذلك وقد تربوا علي نصوص القرآن الكريم التي لم تجعل الاقامة في دار الكفر ناقضا للايمان، قال تعالي: (والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولاياتهم من شيء حتي يهاجروا) فالآية قطعت الولاية والنصرة للذين يقيمون في غير دار الاسلام، ولكنها لم تحرم عليهم الاقامة هنالك، ولم تجعل ذلك ناقضاً من نواقض الايمان!!

ويبدو أنه علي هذا الفهم القرآني كانت اقامة مسلمي خثعم مع قومهم في دار بني خثعم، كذلك كانت مسارعة النبي صلي الله وسلم بدفع نصف الدية بتصرفه القيادي لكونه (ولي أمر المسلمين)!!

ـ باحث أكاديمي مختص في شؤون الفكر الإسلامي مقيم ببريطانيا
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "القدس العربي"، 13 أبريل 2006م


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home