Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 6 July, 2007

إشكالية ثنائية العـقل السلفي!!

د. عـبدالحكيم الفيتوري

منذ مدة طويلة اعتمد الفكر السلفي على ثناية فكرية توصيفية جعلته يتدثر بها إلى يومنا هذا،حيث وفرت له الغطاء والكساء اللازمين لخوض حروب طاحنة مع مخالفيه،وهذه الثناية هي: الفرقة الناجية والفرقة الهالكة، أهل الطاعة وأهل المعصية،وأهل السنة وأهل البدع والأهواء، وأهل الحق وأهل الباطل .. الخ، فقد استطاع العقل السلفي أن يستثمر هذه الثنائية على مستويين، مستوى التجنيد والأستيعاب (داخليا). ومستوى إدارة الصراع مع مناؤيه (خارجيا).

وهذه الثنائية أو هذا التوجه لم يتوقف، بل أخذ في التنامي مع انشار كتابات الفكر الحنبلي على أيدي الحنابلة الجدد، بحيث تحكمت تلك الثنائية من عقل متلقيها إلى درجة أبعدته عن جادة الصواب في أمور كثيرة ؛ منها سرعة التعميمات، والقفز إلى فتاوى السلف دون مراعاة لعوامل تغيير المكان والزمان والانسان، ومن ثم سيطرت الأفكار المسبقة على الذهن مما جعل عقل متلقيها يقع ضحية لعدم رؤية الواقع والاشياء والوقائع بموضوعية، حيث حاد به ذلك إلى تحوير الواقع والوقائع والاشياء؛ تحويرا عقديا جعله يضفي معاني الثبات والقطعية والقدسية على تجارب بشرية، وظواهر إنسانية متغيرة .

وهذا هو مكمن الداء وموطن الإشكال الذي قاد العقل السلفي إلى الوقوع في أسر أفكار منتجة في الماضي نتيجة تجادل الأسلاف مع واقعهم بصورة طبيعة، وهي في حقيقتها منفصلة عن واقعه ومستجداته ، حيث صار سجينا لتلك الثنائيات والتجارب البشرية المنفصلة عن زمانه ومكانه وإنسانه !!

وبذلك فارق العقل السلفي حاضره واحتمى بأمجاد الأسلاف رحمهم الله ، علما بأن عملية النكوص إلى الماضي والتشبث بالثنائيات التاريخية تعد ظاهرة شائعة في حالات الفشل، من حيث تزيين الماضي وتجميله، وطمس عثراته وإشكالياته. وتقديس أفكاره وإلغاء بشريتها.وهكذا يتضخم الماضي في حس وتصور العقل التلقيني بحيث يمنعه من قراءة الماضي على أساس أنها تجارب بشرية لها وعليها، ويصاب حينئذ بحالات الأندهاش والإنبهار بالماضي لدرجة تجعله يدين نفسه وحاضره وأهل زمانه، ويندب حظه التعيس الذي لم يجعله من أبناء الماضي الطاهر الشريف !!

وفي هذه الحالة من الهروب إلى الوراء يتباهى العقل التلقيني بكل كرامات الأسلاف ؛ كصور الزهد، والحفظ، والتقشف، والمنامات، حتى أنها (الكرامات) تصبح تلك ملاذا آمنا يقي من وقع مطارق الحاضر المتجددة والمتشابكة، والتي يتطلب فيها النظر والتأمل والتفكر والفك والتركيب، وليس النقل والتقديس !!

وبهذا التماهي بتلك الكرامات، والتمسك بتلك الثنائيات التاريخية (إسلام التاريخ) تنطمس كل فرصة تتجه نحو الأنفكاك والانعتاق من التخلف الذي تعاني منه الأمة، وينفتح باب الإيغال والتوغل في الماضي كحل وبديل لمراحل الإنعتاق من التخلف المستشري في جسم الأمة المنهوكة، وذلك دون مراعاة لحركة التاريخ، ولا لنسبية أقوال البشر،ولا لمحدودية أفهامهم ، ولا لتباين الأزمان والأماكن!!

وفي اجواء هذه الثنائيات، والهروب إلى الماضي، يستعيض العقل السلفي عن عجزه الفردي؛ في التفكير والتدبر والفرز والتمييز، إلى الاحتماء بالعقل الجمعي (=الجماعة، أو التنظيم، أوالقبيلة) والذوبان في فلكه،لدرجة يفقد معها الفرد استقلاليته وهويته الذاتية، ولا تعود له هوية سوى هوية هذه الجماعة أو تلك القبيلة ؛ عرقية كانت أم دينية ، فيصدق عليه حينئذ قول الشاعر:وما أنا إلا من غزية إن غوت.. غويت وإن ترشد غزية أرشد !!

وبذلك تغلق الحدود النفسية بين هذه القبائل،ويصبح التصنيف بمعايير ثنائيات تجارب وأقوال الأسلاف؛ وليست نصوص الوحي،هي الفيصل في التعاون أو الاضطهاد، والانتصار أو الخذلان، والتأييد أو التنديد.وهكذا يرتفع مؤشر النرجسية (=الطواف على الذات وتقبيلها) عند العقل السلفي التلقيني القياسي حسب شعوره بالحيرة والقلق والعجز أمام الواقع المتجدد، فهو لا يمكنه الإلتفات إلى البحث عن قيم ومقاصد القرآن الكريم والسنة النبوية، فضلا عن فهمها،ولا يمكنه رفع القداسة عن أقوال السلف، فضلا عن نقدها أو الخروج عليها !!

ومهما يكن من مستوى عدم إدراك العقل السلفي لهذه الإشكالية فسوف يعيش ابد الدهر في تمزق بين حاضر فارق الماضي، وبين أقوال فارقها الواقع، وواقع باين تلك الثنائيات. وعلى الرغم من هذه المفارقات فأن العقل السلفي لا زال يصر على أنه يعيش الحاضر ويستشرف المستقبل ، وهو في حقيقته قد فارق حاضره إلى ماضى الأسلاف؛ بعقله وشعوره وأنتمائه واهتماماته. فأنى له المشاركة الفاعلة في بناء الحضارة الانسانية فضلاء على استشراف مستقبل أفضل للبشرية والمساهمة في رسمه بقيم ومقاصد الرسالة الخاتمة (قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا).

والسلام

عبدالحكيم
Dr_elfitouri@yahoo.co.uk


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home