Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 5 January, 2007

   

نزول عـيسي عـليه السلام في الحديث!!

د. عـبدالحكيم الفيتوري

قال أبو هريرة رضي الله عنه،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا،وإماما مقسطا،يكسر الصليب، ويقتل الخنزير،ويضع الجزية،ويفيض المال حتى لا يقبله أحد.(متفق عليه)وقد أخرج هذا الحديث بطرق مختلفة جلها عن أبي هريرة رضي الله عنه،كلا من الترمذي،وابن ماجة،والموطأ،وأحمد،وأبو داود ،ومشكل الآثار،وابن عبدالبر في تمهيده،والمصنف وغير ذلك من المصادر الحديثية.علما بأن أسانيد هذا الحديث على الرغم من تنوعها إلا أنها تدور على راوى واحد؛وهو أبو هريرة راوية الإسلام.فالحديث إذن يصنف ضمن أحاديث الأحاد كما هو معلوم عند أهل الفن وإن تواترت حلقات الاسناد بعد حلقة الصحابي.ولا يخفى أن هنالك جدل واسع بين مذاهب أهل السنة والشيعة والخوراج والمعتزلة في مدى حجية خبر الآحاد في المسائل الاعتقادية؛وهل يفيد العلم والعمل،أم يفيد العمل فقط ،وبعبارة أخرى:هل يفيد القطع أم الظن؟ لذلك ينبغي علينا أن نتناول هذا الموضوع بشيء من التحليل والفك والتركيب ضمن إطار المقالين السابقين،وذلك من خلال النقاط التالية،أولا:الآحاد وإشكالية الاحتجاج به في الاعتقاد.ثانيا:إشكالية الخلط بين إنسانية الصحابي والترضي عليه.ثالثا:منهجية نقد متن الحديث عند الصحابة.رابعا:نقد متن حديث نزول عيسى آخر الزمان.

النقطة الأولى : الآحاد وإشكالية الاحتجاج به في مسائل الاعتقاد :
هذه المسألة يتجاذبها فريقان،فريق يقول بحجية خبر الأحاد في الاعتقاد والسلوك(=العلم والعمل)=(إفادة القطع)، وعلى رأس هؤلاء ابن حزم وابن القيم وجمهور أهل الحديث،وبعض الفقهاء .أما الفريق الثاني فأنه يرى أن حجية خبر الأحاد تفيد الظن لا القطع ومن ثم فلا يحتج به في مسائل الاعتقاد البتة،وعلى رأس هؤلاء جل أهل العلم من الأئمة والفقهاء والأصوليين وأهل التفسير ،والمتكلمين والمعتزلة والشيعة والخوارج .
- القائلين بحجية بخبر الأحاد :
نذكر منهم ابن حزم،فقد قال:(إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله يوجب العلم والعمل معا).(الإحكام في أصول الأحكام)أما ابن القيم فقد بالغ حين صرح بأن حجية الأحاد في العلم والعمل قولا مجمعا عليه،ولم يخرقه إلا الشواذ وبعض المتأخرين!!فقال:(فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة،وإجماع التابعين،وإجماع أئمة الإسلام،ووافقوا به المعتزلة والجهمية والرافضة والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة،وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء،لا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك..).(مختصر الصواعق المرسلة)

- القائلين بعدم حجية خبر الأحاد في المسائل الاعتقاد : نذكر منهم الشاشي(المتوفي 344)فقد قال:حكم خبر الواحد أنه يوجب العمل به،ولا يوجب العلم، لا علم اليقين،ولا علم طمأنينة).(أصول الشاشي)، كذلك قال الوليد الباجي المالكي:(وأما أخبار الآحاد:فما قصر عن التواتر،وذلك لا يقع به العلم،وإنما يغلب على ظن السامع له صحته ..).(الإشارات،بهامش شرح الورقات)،وأكد على ذلك الشيرازي الشافعي بقوله:أخبار الآحاد لا توجب العلم،ولا يحكى القول بإفادة العلم إلا عن بعض أهل الظاهر،وبعض أصحاب الحديث).(التبصرة،وشرح اللمع)وأما ابن عبدالبر المحدث فذكر الخلاف في المسألة وأن الذي عليه أكثر أهل العلم:أنه يوجب العمل دون العلم.ثم أعطى رأيه وموقفه: قال أبو عمر:الذي نقول به أنه يوجب العمل دون العمل، كشهادة الشاهدين،والأربعة سواء،وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر.. ).(التمهيد) وأما أبو الحسين البصري المعتزلي فقد نقل عن أكثر الناس عدم حجية أخبار الآحاد فقال:(وقال أكثر الناس:أنه لا يقتضي العلم).(المعتمد)ونختم بقول الخطيب البغدادي منظر علم الحديث ،فقد قال:(خبر الواحد لا يقبل في شيء من أبواب الدين المأخوذ على المكلفين العلم بها،والقطع عليها..وإنما يقبل به فيما لا يقطع به ..).(الكفاية)

خلاصة القول : أن المعتمد عند السلف والخلف من سائر المذاهب والفرق بأن خبر الآحاد لا يفيد العلم القطعي ولا يحتج به في الاعتقاد وإنما يفيد العمل دون العلم،علما بأن لفظة العلم ترد في بعض كتب الأولين ويراد بها العلم بمعناه العام(إفادة العمل)دون العلم بمعناه الخاص(إفادة الاعتقاد).وعلى هذا الأساس لا ينبغي التعويل على كلام ابن القيم السابق بأن إجماع الأمة منعقد على حجية خبر الآحاد في الاعتقاد،وأن مخالفه لا سلف له !! ويبدو أن موقف الرافضين لحجية الآحاد في القديم والحديث يعود إلى ما شاع في أخبار الآحاد من مخالفته للمنطق والمعقول التي تأسس عليه النظم القرآني ،ولا شك أن هذا الرفض يرتبط برغبة مثالية في إيجاد مفهوم دقيق وواضح لمعاقد الإيمان ،ومنطق القرآن ينأى عن الشك والاختلاف.

النقطة الثانية : إشكالية الخلط بين إنسانية الصحابي والترضي عليه
ذكرت في مقالات سابقة ضرورة التفريق بين ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بالبعد الرسالي والبعد الانساني ؛فكانت السنة التشريعية،والسنة القياديةوالسنة الجبلية.وفي هذا المقام نريد التأكيد على ضرورة التفريق بين إنسانية الصحابي والترضى عليه،وهي نقطة منهجية محورية تجاذبها طرفان ووسط ، طرف كفر الصحابة ببعض أفعالهم البشرية ، وطرف أسبغ عليهم قداسة رفعتهم عن مصاف البشر، وطرف وسط يجلهم ولا يقدسهم ؛يترضى عليهم ولا ينفى عنهم العوارض الانسانية والاهلية،فهم بشر يجوز عليهم النسيان والخطأ مثل غيرهم من الناس.

ولا يخفى أن عملية تأسيس عدالة الصحابة بالأساس كانت عملا دفاعيا لمواجهة المواقف الطاعنة في الصحابة.حيث أن الطعن فيهم يبطل المفهوم الذي يحاول أهل السنة أن ينتسبوا إليه وهو الجماعة،فمفهوم الجماعة الذي ألحق بتسمية أهل السنة من أكثر المفاهيم المتنازع عليها بين المذاهب والفرق الإسلامية.لذلك كانت مسألة عدالة الصحابة موضع أهتمام علماء السلف فتأسيس مفهوم الصحبة وحجية الصحابة ومفهوم الجماعة لا يمكن أن يبنى إلا على تعديل الصحابة حتى يتسع أفق النص القرآني بالممارسة الإسلامية التاريخية وبأعمال الصحابة الذين قدموا إجابات شتى عن قضايا المجتمعات الإسلامية اللاحقة.علما بأن الصحابة-رضوان الله عليهم-أنفسهم كان يضع بعضهم بعضا موضع النقد إذ كانوا يمارسون نقد الرواية والراوي،كما قال عمران بن الحصين رضي الله عنه:والله لو أردت لحدثت عن رسول الله يومين متتابعين،فإني سمعت كما سمعوا وشاهدت كما شاهدوا ولكنهم يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون،وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم).وقول عمر لأسماء بن قيس رضي الله عنهما:لا نقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت.والذي يهمنا في هذه المقال الوقوف على بعض الانتقادات التي وجهة لأبي هريرة من الصحابة والتابعين،لعلها تعيننا على فهم وتحليل ونقد حديث أبي هريرة الذي ينص على نزول عيسى بن مريم آخر الزمان.

النقطة الثالثة : منهجية نقد متن الحديث عند الصحابة
1-لقد كان جمهرة في علماء الصحابة رضوان الله عليهم ملتزمون بمنهج علمي في نقد ما يرد عليهم من نصوص أو أحاديث مناسبة للرسول صلى الله عليه وسلم ، ومعالم هذا المنهج تتمثل في رد الأحاديث إلى القرآن الكريم وفهمها من خلاله ، فإن وافقت أصول القرآن قبلت وإن خالفت تلك الأصول القرآنية رد ، لأن القرآن الكريم قد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه كاملا بدون نقص ولا تغيير .وقد كتب النص القرآني كاملا في عهد رسول الله حيث كان له مجموعة من الكتبة بالمختصين بكتابة الوحي ، وكان يراجعه جبريل عليه السلام ما بين الحينة والفينة حيث يأمره بوضع تلك السورة أو الآية في مكان ما من السور أو الآيات ،فكانت أخر تلك المراجعات قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان حيث تم مراجعة المصحف مرتين وعرضه النهائي في ذات العام التي إنتقل فيه الرسول إلى الرفق الأعلى . في المقابل فأن السنة لم تجد هذا الاهتمام وهذه الرعاية التي أولاها الله سبحانه وتعالى للقرآن الكريم ، ولأن رسول الله منع كتابتها(لا تكتبوا عنى،ومن كتب غير القرآن فليمحه)(مسلم=على خلاف في ذلك)،ثانيا أنه لم يجعل لها كتاب مختصين؛بمعنى أنه لم يخصص لها مجلسا للرواية.زاد على ذلك فقد تم تدوين أحاديث السنة وجعلها كمدونة دستورية بعد ما يقرب من مئتين عام من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ،خاصة وأن تلك الفترة الزمانية قد تخللتها فتن حار فيها الحليم .علما بأن جامعوا السنة قد بذلوا قصارى جهدكم في تحرير الأسانيد ووضع موازين لتعديل وجرح الرواة بغية التثبت والتحري في صحة ما ينسب إلى رسول الله من أقوال وأفعال،ولكنهم لم يعطوا لمتون الأحاديث ذات القدر من الاهتمام بالأسانيد.وكان من المفترض أن تنصب تلك الجهود حول متون الأحاديث وتعديلها من خلال الأصول القرآنية،كما كان يفعل أؤلئك الأخيار من الصحابة قبل التدوين وقبل الفتن التي ساهمة بشكل من الأشكال في حجم وضع الأحاديث، ودخول الأنظمة السياسية على خط توظيف النص الديني جملة والراوي والرواية خاصة !!

2- معالم المنهج النقدي عندي الصحابة : بادي ذي بدء لابد من تقرير أن جمعون من الصحابة كان ينهون عن الأكثار من الرواية والإقلال منها بغية عدم مزاحمة الأصول القرآنية بأي مصدر آخر ولو كان ذلك المصدر مما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من قول وفعل،وكان هؤلاء الأخيار ينطلقون في ذلك من عقلهم المقاصدي وفهمهم التعليلي للقرآن،ومن فهم لواقع الناس حيث إختلط فيها الحابل بالنابل والصدق بالكذب وتأثر الناس بالأوضاع السياسية.وهم في ذلك يعتمدون على نصوص صدرت منه صلى الله عليه وسلم تؤيد منهجهم العلمي من ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن كتابة السنة حتى لا تزاحم القرآن فقال:(لا تكتبوا عني،ومن كتب غير القرآن فليمحه).(مسلم) وقوله عندما خرج ذات يوم على الصحابة وهم يكتبون الأحاديث،فقال لهم:ما هذا الذي تكتبون؟قلنا:أحاديث نسمعها منك ؟ قال:كتاب غير كتاب الله؟أتدرون ما ضل الأمم قبلكم إلا بما أكتتبوا من الكتب مع كتاب الله).(المحصول في علم الأصول لرازي،والبغدادي)وهناك روايات آخر في ذات المضمون.كذلك أمره بعرض ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم على القرآن،وذلك بقوله:إنما تكون بعدي رواة يروون عني الحديث ، فاعرضوا حديثهم على القرآن ن فما وافق القرآن فخذوا به وما لم يوافق القرآن لا تأخذوا به).(البيهقي والدار قطني والطبراني وغيرهم ، قال ابن حجر:إنه جاء من طرق لا تخلو من مقال) لذلك كان عمر رضي الله عنه يقول:أقلوا الحديث عن رسول الله .وعندما قالت له فاطمة بنت قيس،إن رسول الله قال لها:لا سكنى لك ولا نفقة.رد عليها عمر قائلا:لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة لعلها حفظت أونسيت.(الترمذي)وكان الصديق رضي الله عنه يقول:إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها،والناس بعدكم أشد اختلافا فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا:بيني وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه.(تذكرة الحفاظ)وكان عمران بن حصين يقول:إني سمعت كما سمعوا،وشاهدت كما شاهدوا ،ولكنهم يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون،وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم(المحصول في علم الأصول)
لذلك كله كان هؤلاء الأخيار يعرضون ما ورد من نصوص مناسبة للرسول على الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد .أن أبا وائل قال أن رجلا جاء إلى عبدالله ابن مسعود،فسأله عمن لقي ،فأخبره أنه لقي كعبا،وأنه حدثه أن السموات تدور حول منكب ملك،وأنه ما صدقه ولا كذبه،فقال له ابن مسعود:لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها،كذب كعب،إن الله يقول:إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ).(تفسير ابن مسعود)فقد خالف خبر كعب القرآن فرفضه ابن مسعود رضي الله عنه.
ومن ذلك قول عائشة رضي الله عنها لما بلغها أن أبا هريرة يقول:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:لأن أقنع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنى.وأن رسول الله قال:ولد الزنى شر الثلاثة،وإن الميت يعذب ببكاء الحي. فقالت عائشة:رحم الله أبا هريرة أساء سمعا فأساء إجابة !!..والله يقول:(لا تزر وأزرة وزر أخرى) و(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).(الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة)
إذن.عرض الأحاديث المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم على النظم القرآني الكريم منهج معتمد عند كوكبة من الأخيار من الصحابة رضوان الله عليهم وليس بدعا من المناهج كما يظن الظان ،لذلك فإن قبول المتن الحديث أو رده من خلال النظم القرآني لا يعني بالضرورة رد كلام رسول الله -كل وحاش- وإنما هو رد لكلام الرجال،كما صور ابن عبدالبر مناقشة أهل الحديث الذين يعظمون الأسانيد وبين مدرسة أبي حنفية التي تعظم نقد المتن من خلال القرآن، فقال ابن عبدالبر: إن أهل الحديث جرحوا بأبي حنيفة لأنه كان يرد كثيرا من أخبار العدول. فكان يذهب إلى عرضها على ما اجتمع لديه من الأحاديث ومعاني القرآن،فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذا.وكان أبوحنيفة يقول :ردي على رجل يحدث عن رسول الله بخلاف القرآن ليس ردا على النبي صلى الله عليه وسلم ولا تكذيبا له،ولكنه رد على من يحدث عن رسول الله بالباطل ، والتهمة دخلت عليه وليس على نبي الله).

ولا يغيب على بالنا أن ميزان نقد متن الأحاديث والأخبار وعرضها إلى النظم الكلي القرآني والعقل المقاصدي ليس مختص بمدرسة أبي حنفية فقط بل هناك من علماء الحديث والمدارس الآخرى الفقهية من يذهب ذات المذهب،فهذا الخطيب البغدادي من منظري علم الحديث يصرح -وهو بصدد عرضه لطرق معرفة فساد الخبر- بهذا المنهج إذ قال:أن يكون مما تدفع العقول صحته بموضوعها والأدلة المنصوصة فيها.ومما يدفعه نص القرآن أو السنة المتواترة ...).(الكفاية)
ولعل في نقد ابن تيمية لمتن حديث أبي هريرة وهو في صحيح مسلم ورده لمخالفته لأصول القرآن خير شاهد على اعتماد هذا المنهج النقدي وليس مقتصرا على أبي حنيفة. فقد انتقد ابن تيمية الحديث الذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال:أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي،فقال:خلق الله عز وجل التربة يوم السبت،وخلق فيها الجبال يوم الأحد.وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء،وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيه الدواب يوم الخميس ،وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة).
فقال ابن تيمية:إن هذا طعن فيه من هو أعلم من مسلم مثل يحي بن معين ومثل البخاري وغيرهما.وذكر البخاري: أن هذا من كلام كعب الأحبار.ثم قال:هذا هو الصواب،لأنه قد ثبت بالتواتر أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام،وثبت أن آخر الخلق كان يوم الجمعة.فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد.وهكذا هو عند أهل الكتاب.وعلى ذلك تدل اسماء الأيام،وهذا هو المنقول الثابت في أحاديث وآثار أخر.ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره يوم الجمعة، لكان قد خلق في الأيام السبعة.هو خلاف ما أخبر به القرآن ).(مجموع الفتاوى لابن تيمية)وذات المنهج أمّه تلميذه النجيب ابن القيم حيث جعل أهم قواعد رد الحديث مخالفته لصريح القرآن،إذ قال:مخالفة الحديث صريح القرآن.مثل حديث مقدار الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة ...والله تعالى يقول: يسألونك عن الساعة أيان مرساها،قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو).(المنار المنيف)

وأحسب أن نقد ابن تيمية وابن القيم يصدق تماما على سند ومتن حديث أبو هريرة القائل بنزول عيسى ابن مريم أخر الزمان،من حيث مخالفته للنظم الكلي القرآني،وأنه يوافق لما عند أهل الكتاب،مما يرجح أنه من كلام كعب الأحبار وليس من كلام سيد الأنام .ولا غرو فقد جاء الأثر عن رسول الله أنه قال:ما حدثتم عني ما تنكرونه فلا تأخذوا به فإني لا اقول المنكر ولست من أهله.(انظر:تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة،أنظر مسند أحمد)

رابعا : نقد حديث نزول عيسى آخر الزمان رأويا ورواية
لا يخفى على متابع أن جمهورة من العلماء من الصحابة ومن بعدهم قد مارسوا على روايات أبي هريرة شيئا من النقد والرد،وإليك نماذج من هذه الانتقادات .
1- نقد الراوي :
نماذج من نقد الصحابة: نقد عائشة :قال أبو هريرة،قال رسول الله:إن المرأة والكلب والحمار يقطعن الصلاة.مشت عائشة في خف واحدة وقالت:لأخشن أبا هريرة فإني ربما رأيت الرسول وسط السرير وأنا لى السرير بينه وبين القبلة.( الإجابة لإيراد ما استدراكته عائشة على الصحابة)
-نقد ابن عباس:قال أبو هريرة سمع رسول الله يقول الوضوء مما مست النار، ولو من ثور إقط. فقال لها ابن عباس،يا أبا هريرة،أنتوضأ من الدهن؟أنتوضأ من الحميم؟!!( الترمذي تحفة الأحوذي)
-عائشة:قال أبو هريرة،قال رسول: الشؤم في ثلاثة،في الدار والمرأة والفرس. فقالت عائشة:لم يحفظ أبو هريرة،إنه دخل ورسول الله يقول:قاتل الله اليهود يقولون:الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأة والفرس،فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله.وفي رواية قالت:والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول.ثم قرأت(ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ).(الإجابة) وقولها في حديثه:إن امرأة عذبت بالنار من جرى هرة ... فقالت لها:يا أبا هريرة إذا حدثت عن رسول الله فانظر كيف تحدث !!
- نماذج من نقد العلماء: الحسن البصري:قال أبو هريرة أن رسول الله قال:الشمس والقمر نوران مكوران في النار يوم القيامة.قال الحسن:ما ذنبهما ؟!!(المحصول للرازي)
-ابن كثير ينتقد حديث ابي هريرة في قصة يأجوج ومأجوج.إذ يقول:ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب،فإنه كان كثيرا ما كان يجالسه ويحدثه،فحدث به أبو هريرة فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه والله أعلم.(تفسير ابن كثير)
-وروى أحمد في مسنده عن أبي هريرة أن رسول الله قال:يخرج من خراسان رايات سود لا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء.قال ابن كثير إنه من كعب الأحبار.(البداية والنهاية)
- نقد البخاري:وروى مسلم والنسائي عن أبي هريرة قال أخذ رسول الله بيدي فقال:خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد ... الحديث).علل البخاري في التاريخ هذا الحديث فقال بعضهم عن كعب وهو أصح يعني أن هذا الحديث مما سمعه أبو هريرة وتلقاه من كعب الأحبار فإنهما كان يصطحبان ويتجالسان للحديث،فهذا يحدثه عن صحفه وهذا يحدثه بما يصدقه عن النبي صلى الله عليه وسلم.فكان هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأكد رفعه بقوله أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي.وعلق ابن كثير في تفسير سورة فصلت فقال:هو من غرائب الصحيح وقد علله البخاري في التاريخ،فقال رواه بعضهم عن أبي هريرة عن كعب الأحبار وهو الأصح.(تفسير ابن كثير)
وكعب الأحبار هو الذي قال فيه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في صحيح البخاري: إن كان من أصدق هؤلاء المحدِّثين الذين يحدِّثون عن أهل الكتاب،وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب. ونقلُ أبي هريرة عن كعب معروف في الأخبار الصحيحة .

2- نقد الرواية : ننطلق من الشواهد والممارسات النقدية السابقة والتي ميزت بوضوح بين نقد الرواية ونقد الراوي بميزان النظم القرآني الكلي بغية المحافظة على جلاء التصور وصحة الاعتقاد.ونقدنا لمتن حديث نزول عيسى يتمحور حول نقاط هامة،أولها :مخالفته للنظم الكلي القرآني (انظر المقال الأول حقيقة عيسى في القرآن).ثانيهما:وموافقته لما ورد في الاناجيل الأربعة (انظر المقال الثاني:حقيقة نزول عيسى في الاناجيل).ثالثهما:إمكانية تسرب عقيدة نزول عيسى عند أهل الكتاب إلى المسلمين ممكن جدا.نقف في هذا المقال عند السبب الثالث، أي إمكانية تسرب عقيدة نزول عيسى إلينا لأسباب كثيرة منها:
-أن راوى الحديث أبو هريرة كان مما تجمعه مع كعب الأحبار علاقات علمية وطيدة حيث كانا يتدارسا أسفار التوراة ، وكان أبو هريرة على أطلاع واسع بما تحتويه أسفار التوراة ،حتى وصفه كعب بقوله:(ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من ابي هريرة).(طبقات الحفاظ) علما بأن هناك شبه اتفاق على أن كعب الأحبار، والذي أصله من يهود اليمن،يعد من أكبر من تسربت منه أخبار اليهود إلى العلوم الإسلامية حيث كان واسع المعلومات بالثقافة اليهودية والإسلامية.

- ومن خلال هذه العلاقة الوطيدة بين كعب وأبو هريرة ؛وتأثير الأول على الثاني كما قال ابن سعد في طبقاته(أن ابا هريرة جاء إلى كعب الأحبار يسال عنه فقال: إني جئتك لأطلب العلم عندك)فقد كان يروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويفسر ذلك بأقوال كعب،فيقع الإشكال عند السامعين الذين يكتبون عنه حديث رسول الله، لذلك فقد حذر بسر بن سعيد المحدثين من خطورة هذا الإشكال فقال: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث؛فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة؛فيحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحدثنا عن كعب،ثم يقوم؛فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب،ويجعل حديث كعب عن رسول الله.(سير إعلام النبلاء)وجاء في مسند أحمد عن القاسم بن حمد قال:(اجتمع أبو هريرة وكعب الأحبار فجعل أبو هريرة يحدث كعبا عن النبي صلى الله عليه وسلم،وكعب يحدث أبا هريرة عن الكتب).(المسند)
فإذا كان ذلك كذلك فمن حق العقلاء أن يبدوا تحفظا وإستفهاما حول متن حديث أبي هريرة الذي نص فيه على نزول عيسى في أخر الزمان.علما بأن هذا الحديث مخالفا لصريح النظم القرآن الكلي ،وموافقا لما ورد في أسفار التوراة ، مما يجعل الشبه قوية وإمكانية إيقاف العمل به أقوى!!

3- مخالفة متن الحديث لطبائع الأشياء : بعد أن ثبت لدينا بأن متن حديث نزول عيسى مخالف للنظم القرآني الكلي،فأنه كذلك مخالف لسنن الكون الثابتة، ومخالف للعقل والمعقول(إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه حديث موضوع).(المنار المنيف).
فقد جاء في رواياته المتعددة أمور مخالفة لسنن الكون والحياة والمعقول من ذلك وتكون الملة واحدة...ويوضع الامن في الأرض حتى أن الأسد ليكون مع البقر تحسبه ثورها، ويكون الذئب مع الغنم تحسبه كلبها...وترفع حمة كل ذات حمة،حتى يضع الرجل يده على رأس الحنش فلا يضره ....وحتى تنفر الجارية الأسد...ويقوم الفرس العربي بعشرين درهما،ويقوم الثور بكذا وكذا...وتعود الأرض كهيئتها على عهد آدم...وترفع الشحناء والعداوة...ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها،ويكون الأسد في الإبل كأنه فحلها.... ويبتز قريش الامارة ... !!

ولا أخال أن هذه الغرائب والأوابد من إسرائيليات كعب التي يملأ بها دين المسلمين وعقول سامعيه من رواة الحديث،كما ذكر الذهبي إذ قال أن:كعب جالس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم،فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية،ويحفظ عجائب.(سير إعلام النبلاء)وحمل الحافظ ابن كثير على كعب الأحبار وحمله تلك الغرائب والعجائب،وذلك بعدما أورد طائفة من غرائبه في قصة ملكة سبأ مع سليمان عليه السلام ،فقال: والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم، كروايات كعب ووهب سامحمها الله تعالى فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل،من الأوابد والغرائب والعجائب،مما كان ومما لم يكن،ومما حرف وبدل ونسخ،وقد أغنانا الله بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ،ولله الحمد والمنة .(التفسير،وقصص الانبياء)

ورحم الله عمر ابن الخطاب الخليفة العادل حين هدد كعب الأحبار بنفيه من دار العلم والإسلام إن لم يسكت،إذ قال له:(لتتركن الأحاديث،أو لألحقنك بأرض القردة.(أبو زرعة الدمشقي في تاريخه)كذلك توعد راوية الإسلام أبا هريرة جليس كعب بذات الوعيد،فقال له:(لئن لم تسكت عن التحديث لألحقنك بأرض دوس)!!
ورحم الله الفقيه المحدث رشيد رضا إذ قال:لو طال الله عمر عمر حتى مات أبو هريرة لما وصلت إلينا تلك الأحاديث الكثيرة ،وذلك عند قول أبي هريرة لو كان عمر حيا ما حدثتكم بهذه الأحاديث !! فلا ندري ماذا نقول نحن إذاً ؟!!
والله الموفق.

د. عـبدالحكيم الفتيوري


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home