Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 4 August, 2007

         

مقاصد اختلاف الدارين (2)

د. عـبدالحكيم الفيتوري

ثالثا: أصالة تقسيم الدور
إن هذا التقسيم الذي وضعه الفقهاء للعالم تقسيم أصيل وإن لم يجر به الاصطلاح في عهده صلى الله عليه وسلم فهو لم يكن ابتداعاً ابتدعه الفقهاء، بل إن أصوله في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، شأنه في ذلك شأن كثير من التقسيمات في الفقه الاسلامي.
ففي القرآن الكريم نجد تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر كما في قوله تعالى:(هو الذي خلقكم فمنكم كافر،ومنكم مؤمن).(التغابن:2)، ولكل من هذين القسمين بلاد أو دار تجمعهم ،كما قال تعالى:(سأوريكم دار الفاسقين).(الأعراف:145) ,وقوله:( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ..الآية).(الحج:40) وقوله:(والذين تبوءوا الدار، والإيمان ،من قبلهم يحبون من هاجر إليهم).(الحشر:9)
قال الزمخشري:(أراد دار الهجرة والإيمان، فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع المضاف إليه مقامه).(1) وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية:(أي سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم).(2)
وفي السنة النبوية وفي الآثار عن الصحابة جاء هذا المعنى واضحاً باسم دار الشرك،ودار السنة ، ودار الإسلام ، ودار الهجرة ، وهذه الثلاثة الأخيرة تعني حقيقة واحدة ، وتنوعت فيها التسمية بتنوع الوصف . وهذه طائفة من الأحاديث والآثار في ذلك:
- روى النسائي في سننه عن جابر بن زيد قال:قال ابن عباس:( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا من المهاجرين،لأنهم هجروا المشركين،وكان من الأنصار مهاجرون لأن المدينة كانت دار شرك فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة).
-وروى الإمام مسلم في صحيحه عن بريدة قال:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه..ثم قال :وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال،فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، أدعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم،ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين.).
فالدار الأولى هي دار المشركين، والثانية هي دار المهاجرين وهي دار الإسلام،التي جاءت في رواية الإمام محمد بن الحسن الشيباني للحديث بلفظ صريح في تسميتها دار الإسلام، فقال:(..وادعوهم إلى التحول إلى دار الإسلام ).
-روى الإمام أبو يوسف القاضي في كتابه الخراج ،عن سليمان بن بريدة أن عمر رضى الله عنه بعث سلمة بن قيس على جيش فقال:(فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال:ادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة).
-وروى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس،أن عبدالرحمن بن عوف قال لعمر بن الخطاب:(يا أمير المؤمنين: إن الموسم الحج يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإني أرى أن تمهل حتى تقدم المدينة، فانها دار الهجرة والسنة).
- وجاء في كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة:(وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه:طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام فليس على المسلمين النفقة على عيالهم).
ففي هذه الأحاديث والآثار وفي غيرها أيضا جاء اسم(دار الهجرة)و(دار الإسلام)و(دار السنة)و(دار الشرك)كما رأينا، فقد كانت هذه المسميات موجودة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة، وحتى لو لم تستعمل مصطلحاً شائعاً مشتهراً، فإن الأحكام التي طبقها الفقه بعد ذلك على الوحدة التي سموها(دار الإستجابة)والأخرى التي سموها( دار الدعوة) كانت موجودة في عهده صلى الله عليه وسلم، واستمد الفقه منها تقنينه لما اطلق عليه كل من الاسمين، فلا دلالة إذن للقول بأن هذه التسمية طارئة مستحدثة ، ولا سند للقول بعدم شرعية تقسيم العالم إلى دارين ؛ دار استجابة ، ودار دعوة. ومن استقراء أقوال الفقهاء في تقسيم العالم إلى دار استجابة ودار دعوة يظهر أنه لا علاقة لحال الحرب بأصل التقسيم ، إذ هو-كما سبق- عند جمهور الفقهاء مبني على سيادة الأحكام ، ولذلك فإن بناء التقسيم على أصل العلاقة سلماً أو حرباً فيه عكس للقضية،فإن العلاقات إنما تتحدد بناء على وصف الدار وموقف أهلها من الإسلام ودعوته.

وهكذا فإن تقسيم الدور الأصلية ثابت عند الفقهاء ومحل إتفاق،وليست له علاقة بقضية الحرب والسلم حتى يمكن أن تتغير الأوصاف،فإن الأوصاف الأصلية وهي دار الاستجابة ، ودار الدعوة،لاتزال ما دام هناك مسلمون وغير مسلمين؛ وهناك شريعة إلهية وقوانين بشرية ، فلا يجوز أن تخلط هذه المفاهيم بعضها ببعض،وتسقط هذه الأوصاف لمجرد وجود شبهة علاقة بين مصطلح الكفر بالحرب،وهذا غير وارد حتى عند الحنفية الذين اشتهروا باستخدام مصطلح دار الحرب في كتبهم. فقد صرح الشيخ الزرقا الضليع في المذهب الحنفي بذلك حيث قال:(ليس المراد بدار الحرب في اصطلاح الحنفية أن يكونوا في حالة حرب قائمة بينهم وبين المسلمين ، بل المراد بدار الحرب أنها غير إسلامية ، بل مستقلة غير داخلة تحت سلطة الإسلام).(3)
وبالتالي فإن هذا التقسيم للعالم إلى دارين قصد به التفريق بين الدار التي تجري عليها أحكام القرآن وتحت سيطرت السلطان من غيرها التي تظلها أحكام البشر الوضعية وتقاد بذلك ، علما بأن هذا التقسيم لا علاقة له بدين الاغلبية أو الأقلية،ولا بتغاير الدين بين السلطة والرعية .وإنما مرده إلى تحقيق مقاصد عليا في السياسة والالتزام ، وذلك على مستوى تنظيم العلاقات الدولية بين دار الاستجابة ودار الدعوة في حالات السلم والمدافعة ، وعلى صعيد الإلتزام بالأحكام الشرعية المنوطة بالأفراد والإلتزام الشخصي ومراعاة الأحكام التي هي من مهام الأمراء ووظائف الولاة التي تتأثر مناطات أحكامها باختلاف الدارين .
تنبيه :من خلال استعراضنا لمحتويات تعريف دار الاستجابة (الإسلام)ودار الدعوة(الكفر)تبين لنا أن تلك التقسيمات والتعريفات لأنواع الدور كانت تعبر عن الواقع الماضي من خلال مؤثرات الهيمنة والفعل السياسي وهي بذلك تتضمن معنيين ، المعنى الأول شرعي بمعنى أن وصف الدار يؤخذ من هيمنة القوانين الحاكمة عليها،والمعنى الثاني سياسي يتضمن كافة الأعمال الفكرية ذات الصلة بعلوم العلاقات الدولية،من قانون دولي عام وتفريعاته،وأساليب التعايش والتفاهم بين الكيانات السياسية المختلفة.وبهذين الشقين يمكن فهم دلالات التعريف الكلاسيكي التقليدي للدور والتعامل معه في إطار المتغيرات السياسية التي انعكست بوضوح على ساحة التنظير السياسي ، فبيما كان مركز التنظير فيما مضى دار الخلافة الإسلامية(بغداد –دمشق) أضحت مراكز التنظير في عصرنا(واشنطن-لندن-باريس-موسكو) ،وهذا يفتح مجال للاجتهاد في توظيف شقي تعريف الدار(الشرعي،والسياسي) من حيث يمكن للمسلم المقيم في الغرب الإلتزام بالوصف الشرعي للدار والاستفادة من الاستثناءات والهوامش التي تتيحها الشريعة الإسلامية له ،والالتزام بالمعنى السياسي للدار من حيث الانخراط في مكونات المجتمع الغربي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقانونية المباحة والمتاحة له، وبذلك يصير المسلم مسلما ملتزما بدينه ومواطنا صالحا لوطنه الجديد.
________________________

1-أبو القاسم جار الله محمود الزمخشري ،المفسر،توفي 538هـ دار الكتب العلمية ، بيروت ،الطبعة الأولى،سنة1995م ،تفسير الكشاف:4/492
2-عمد الدين أبو الفداء اسماعيل بن كثير ، المفسر ، توفي سنة 774هـ ، مكتبة العلوم والحكم ، المدينة المنورة ، 1993م ، تفسير القرآن العظيم :4/337
3- مصطفى الزرقا،الفقية الأصولي،المتوفى سنة1420هـ،فتاوى مصطفى الزرقا ،الطبعة الثالثة،2003م: 626


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home