Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 4 February, 2006

المحاجزة بين الفكر الإسلامي والعـالماني !!

د. عبدالحكيم الفيتوري

لا يخفى أن هنالك إشكاليات كثيرة بين الفكر الإسلامي والعالماني على مستويات متنوعة وأصعدة مختلفة، والذي نقصده في هذا المقال إشكالية سياسية تدور حول تاريخ السلطة وسلطة التاريخ . فقد تقرر في بدهيات التسلسل المنطقي بأن التاريخ يعد مكونا من المكونات الأساسية للعقل الإنساني، وأن السلطة والأنظمة الحاكمة تعتبر مكونا أساسية في صياغة التاريخ على مر العصور ، إذ يعلم الجميع بإن سلطة القهر والاستبداد ، والملك الجبر والملك العاض ، وثقافة الاقصاء والتهميش قد لعبت دورا في تشكيل العقل الفردي والجمعي العام والخاص ، حتى صار العقل أسيرا للفعلين كليهما ، لفعل السلطة في التاريخ (تاريخ السلطة) ولفعل التاريخ في العقل (سلطة التاريخ)، فأما (تاريخ السلطة) فقد أورث هذا العقل خضوعا شبه كلي (للحكومة) بالمعنى المطلق . وأما (سلطة التاريخ) فقد أورثته خضوعا شبه كلي (للماضي) بالمعنى المطلق كذلك!!
وعلى الرغم من وضوح هاتين القضيتين في نصوص الوحي (كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين ، واتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء، قليلا ما تذكرون) إلا أننا نجد التاريخ السياسي للمسلمين من ناحية ، والطرح الحركي المعاصر من ناحية أخرى قد فشلا معا في إبراز هذه الحقيقة وتقديمها على الوجه الصحيح،وذلك بسبب فشلهما في عرض الوجه الحقيقي للإسلام ، ذلك الذي يقدمه النص الخالص بريئا من بصمة الجغرافيا والتاريخ!!
وبقدر هذا الإخفاق في الطرح ، والضعف في التمييز ، والفشل في فك الاشتباك ؛كانت مخاوف الفكر العالماني حول قضية الإسلام السياسي، ونظام حكمه ، وجدية ممارسته للنهج الشوروي ، من حيث أن النموذج المطروح في سوق الفكر والسياسة والحركة يتماهى ويتناغم مع مفاهيم ومبادئ وأشكالات الماضي البعيد (سلطة التاريخ ، وتاريخ السلطة)والتي من شأنها أن تثير جملة من التداعيات المستهجنة والاشكاليات العويصة حول مفاهيم الحرية ، والعقل ، والمشاركة ، وقضايا المرأة ، ومسائل الاقليات، وضمانات عدم ممارسة الاستبداد والاقصاء والتهميش. وكل ذلك له نصيب من الحقيقية في تاريخ المسلمين بدرجات متفاوت!!

ولكن وعلى الرغم من إقراري بوجود هذه الإشكالات الحقيقية في الطرح السياسي الإسلامي القديم والحديث، وتقديري لمخاوف الفكر العالماني من هذه الاشكاليات وتداعياتها في الواقع والمواقع ، إلا أنني اسجل على الفكر العالماني ذات القضية والاشكالية التي تورط فيها الفكر الاسلامي من حيث أنه خلط بين المسيحية وعلاقتها بالفرد ، وعلاقة الكنيسة بالسلطة وفلسفة الحكم (تاريخ السلطة ، وسلطة التاريخ)، من ثم أسقط تجربة المسيحية ـ دون اعتبار للفوارق الأساسية بين المسيحية ومنهاج الإسلام ـ على مباديء الوحي وقيم الإسلام التي تأسست أصلا حول منظومة الفرد والمجتمع والسلطة في إطار سيادة القيم والمثل بمنهاج الوحي (ذلك الدين القيم). ولا يخفى أن هذه مغالطة بينة ، ومردها أن العقل العالماني تناول هذه المقاربة والمقارنة بعقل سلفي غربي لا يفرق بين النص والتاريخ ، وبين الدين واشكال التدين السياسي، وبين الوحي والبشري، وبين الإسلام وتاريخ المسلمين ، ثم اعتمد هذه المغالطات كقاعدة فكرية لمشروعه الرافض للإسلام ونصوصه المقدسة!! وهو بهذا يتقاطع من العقل الإسلامي التاريخي (السلفي)الذي لا يفرق بين النص والاجتهاد، وبين الوحي والتاريخ، وبين الإسلام وتاريخ المسلمين ، وبين الشكل والموضوع ، وبين النظرية والتطبيق!!
علما بأن ثمة اختلافات في منطلق ونوايا العقل المسلم والعقل العالماني إلا أن الإطار الذي يدوران في فلكه يكاد أن يكون واحدا ، وهو فلك السلف (الماضي)، وأطر الخلط والالتباس ، وعدم التمييز وفك الاشتباك بين الأصول والفروع ، والكليات والجزئيات ، وبين الوحي والبشري...الخ ، مما جعل نتائج ومآلات المنهجين الإسلامي والعالماني يكادا يتقاربان في ذات النتائج والنهايات بزوايا متفاوت تؤول في النهاية إما إلى تعطيل قيم الإسلام جملة برفضه والهروب إلى الثقافة الغربية كما هو حال التيار العالماني، أو إلى تقوقع والهروب إلى ثقافة التراث وإستحالة تقديم الإسلام الخالص بدون شوائب بشرية حيث يتمكن الناس بكل أشكالهم ودياناتهم وأطيافهم من العيش في ظلال قيمه العادلة ومعانية الخالدة ، وهذا ما يعاني الفكر الإسلامي (السلفي)!!
ولا شك أن هذا الهروب من الطرفين منع من العمل على إيجاد صيغة واقعية، علمية وسياسية تعمل على احترام المقدس وفهمه ، ومراجعة البشري ونقده، للإرتقاء بوعي الفرد والأمة. لذلك يتعين على العقل المسلم الواعي أن يعيد قراءة فكره السياسي من جديد حتى يميز النص من التاريخ، والمحكم من المتشابه، والشكل من الموضوع، والواجب من المباح؟!! أيضا يتوجب على العقل العالماني من إعادة النظر في تعامله من الإسلام وأطروحاته بعيدا عن الخلط بين الإسلام وتاريخ المسلمين، وبين الإسلام وتجارب المسيحية في الغرب، وبين أنماط السلطة والمنهاج الحاكم؟!!
(.... تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله ...)
وإلى لقاء آخر.
والله ولي التوفيق.

عـبدالحكيم الفيتوري
Suhel1956@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home