Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 2 September, 2006

   

فـلسفة تطوّر العـقـل وتـدرّج الشرع (1)

د. عبدالحكيم الفيتوري

هناك حقيقة في الخطاب الديني ينبغي معرفتها والتركيز عليها عند محاولة فهم إشكاليات الفكر الإسلامي، وممارسة عملية تفكيكه وتحليله وإعادة قراءته حسب مستجدات الواقع ومتغيرات الزمان وحاجات الانسان،وهذه الحقيقة تكمن في تصور قضيتين، القضية الأولى: فهم فلسفة تطور العقل البشري في أطواره المتعددة؛ من عقل فطري إحيائي، مرورا بالعقل التقابلي، ومنه إلى العقل البرهاني، وصولا إلى العقل المقاصدي؛ الذي يعد بمثابة العقل الختامي في سلم تطور العقل البشري. أما القضية الثانية فهي: فهم مقاصد تدرج الوحي، وعلّية أنزال الشرائع باعتبار مراحل تطور العقل الانساني ضمن إطاره الزماني والمكاني. وأحسب أن محاولة فهم تصور هاتين القضيتين (تطور العقل وتدرج الشرع) يضعنا أمام إجابة منطقية لقضية انقطاع السماء عن الأرض بإرسال الرسل، وأنزال الكتب منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، أي منذ وفاة الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته المهيمنة، حيث تكفل الله سبحانه بحفظ الشريعة الخاتمة (القرآن) كاملا وجعل العقل (المقاصدي) مناطا للتكليف فهما وتنزيلا، بمعنى أن تشكل العقل وأكتمال أطواره حل محل أرسال الرسل. وهذا يقودنا إلى أن تصور هذه المعادلة في الأذهان وتجليها في الأعيان أمر ضروري وأس أساسي لعملية المراجعة الجادة والتجديد الحقيقي، وبدون هذا التصور وتلك الفهم تصبح حركة التجديد حركة إنتقائية وعمل المفكرين عملا تلفيقيا من جهود الأسلاف في التاريخ!! ولا شك أن هذا يعد رجوع بالعقل إلى أطواره الأبتدائية بكونه آلة ناقلة تجيد الحفظ والترجيع، وقد يمارس عملية قياس المثل أو شبه أو الأولى على ما استقر من إنتاج ومنتجات عقل السلف!!

لذلك فإن إدراك العلاقة بين تدرج الوحي وتطور العقل وفلسفة ذلك وتصوره في الأذهان والأعيان يعتبر من أهم القضايا المحورية التي تؤسس لفهم مطلقات دلالات خطاب الوحي وإمكانية تمثل ذلك عبر الواقع النسبي المتجدد في إطار الزمان والمكان والانسان، ولأهمية هذه القضية فإنها قد شغلت عقول العلماء والمفكرين والفلاسفة منذ القدم، واتخذت اشكالا مختلفة،وانتحلت اسماء متغايرة، فهي قضية السمع والعقل، والنقل والعقل، والخبر والعقل، وهي قضية الراي مقابل الحديث، والقياس مقابل النص، والفهم الظاهر مقابل التأويل،وهي قضية البرهان مقابل البيان والنظر مقابل العرفان. كذلك انقسم العلماء في تعريفهم للعلاقة بين الوحي والعقل في دائرة الفقه إلى مذاهب كالأحناف والشافعية، وفي دائرة التوجه العقدي إلى فرق كالخوارج والشيعة والسنة، وفي دائرة التصور إلى مدارس كالحشوية والمعتزلة والأشاعرة والفلاسفة.

ـ فالوحي بإيجاز: هو المنزل من عند الله قرآنا يتلى، وهو أصل التشريع والتكليف، إذ كان ولم يكن شيئا معه مذكورا، ويتألف هذا الوحي من نصوص قطعية الثبوت،فمنها ما هو قطعي الدلالة ومنها ظني الدلالة (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات)، ومن خصائصه أنه محفوظ في الألواح (بل هو قرآن مجيد، في لوح محفوظ) وقد تكفل الله سبحانه بحفظه (إنا نحن نزل الذكر وأنا له لحافظون)، وأنه لا اختلاف فيه (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)، وأنه لا نسخ فيه، وأن ما نسخ منه قد رفع وأنزل بدلا منه (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وأنه مأمور بتدبره (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) وأنه يهدي للتي هي أقوم (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم).

ولا ريب فإن قيم الوحي ودلالاتها الأخلاقية والقانونية في سنن الاجتماع البشري وسنن الكون مطلقة وليست نسبية؛ بمعنى أن فهمها غير مقيد بإطار زمان ومكان وإنسان، وذلك من حيث قابلية انفتاح دلالتها في المستوى الصرفي؛ أي في أبنية الكلم،أو على المستوى التركيبي؛ أي في تباين القول على مرجع الضمير، أو على المستوى المضموني؛ أي في تعدد المضامين والمعاني في الكلمة الواحدة. وإنما تتجلى تلك القيم التي وكل الوحي اختيار معانيها في مجال العادات والمعاملات إلى نظر المكلف ذي العقل المقاصدي، فهو الذي يقوم بأنزالها على الواقع والاشياء حسب فهمه لها في إطار زمانه وحيز مكانه وتدافع حاجاته وفق الكلي المقصدي وقيم الوحي، ولا شك أن تلك الفهوم البشرية لقيم الوحي والتي تجلت عبر تجادل الانسان مع واقعه في إطار زمانه ومكانه لا تضاهي قيم الوحي المتعالية في دلالتها ومقتضياتها، ناهيك أن تكون تلك الاجتهادات والفهوم البشرية والتجارب العلمية معيارية يقاس عليها أفعال الخلف وأقوالهم، كما هو حال مسلمي عصرنا مع المنظومة الكلاسيكية!!

يتبع ..


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home