Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Friday, 2 March, 2007

التماهي بين عـدم الفهم... وسوء الفهم!!

د. عـبدالحكيم الفيتوري

يحلو لبعض ضحايا المنهج التلقيني ذوي القراءة التمجيدية للتاريخ أن يصفوا من يمارس القراءة النقدية والتفكيكية على التاريخ وما حوى في إطار التجربة البشرية النسبية المقيدة ، لمحاولة فهمه والاستفادة منه في عملية النهوض بالأمة المخطوفة،بأنه يشكك في الدين،ولا يحترم صانعي التاريخ (السلف).وأحسب أن مرد هذا الإشكال بأن العقل القياسي(=التلقيني،السلفي،المسجدي)يتلقف ما يقرأه ويسمعه من أفكار ومعلومات معرفية وهو خال الذهن من وجود مدلول لتلك الدال الذي سمعه أو قرأه ،وهوما يسمى(بعدم الفهم) وهذه مرتبة أقل سوءا من مرتبة(سوء الفهم)،والتي يتلقى فيها العقل القياسي تلك الأفكار والمعلومات وهو محشوا بدوال عدة ولكن بمدلولات خاطئة تماما؛وهو ما يسمى(بسوء الفهم)حيث تدفعه هذه المرتبة إلى مخادعة نفسه بأنه فهم ما قرأ ووعى ما سمع فيطمئن إلى ذلك الفهم الخاطيء ، ولا تخالجه نفسه بالمراجعة ولا محاولة إعادة فهمه وترتيب عقله ، وربط المفاهيم بأصولها ...وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل !!

سأضرب لذلك مثلا من عالم الإشارات يوضح حجم المسافة وخطورتها بين عدم الفهم،وسوء الفهم مثلا:إشارات المرور الموجودة عندنا تتضمن تشكيلا دالا(أخضر،أصفر،أحمر).وتشكيلا مدلولا (عبور،استعداد،وقوف).لنفترض أننا سافرنا إلى بلد ما فيه التشكيل الدال(إشارات المرور)يتألف من علامات أخرى غير الألوان التي عندنا،فمن المفترض أننا أزاء هذا الاختلاف أن نقوم بأجراء عقلي اتجاه هذا الدال،أولا التأكد من وجود الدال وأنه إشارة مرور،ثانيا محاولة البحث عن مدلول إشارات الدال بغية التعرف عليها وفهمها والتعامل معها.وفي هذين المقامين نحن في حالة(عدم الفهم)لعدم معرفة الدال،وفهم مدلوله !!

أما في حالة وجود الدال(إشارة المرور) الذي يتألف من ذات الإشارات التي نعرفها في بلادنا ولكن الأحمر مدلوله(عبور)والأخضر مدلوله(وقوف)فحينما نرى هذا(الدال)دون أن تكون لنا أدنى فكرة حول معاني(مدلوله)والتي تختلف تماما عما نعرفه في بلادنا،فيعني التعاطي مع هذا المدلول بالخلفية القديمة(الأحمر=وقوف)و(الأخضر=عبور) والتعامل معه بتلك الخلفية المغلوطة تساوى التعرض للأخطار القاتلة حالا ومآلا، وهذا السلوك يسمى(سوء فهم) الناتج عن اعتقاد جازم بفهم تلك المدلولات وصحة ربطها بالدال، بينما الحقيقة العلمية والعملية تعتبر هذا الاعتقاد مخالف للحقيقة وزعم لا مكان له في إطار المنطومة المعرفية ، ويترتب على(سوء الفهم)بأن المتلبس بهذا الزعم مسؤول مسؤولية كاملة عن الأخطار التي لحقت وتلحق به وبغيره !!

وهاك مثلا أخر يبين مدى تمكن هذا الخلط واللبس عند العقل التمجيدي وذلك حين يتعاطى مع كلام ابن تيمية في الفلسفة وعلم الكلام خاصة في مسائل الاسماء والصفات، وهو بمعزل تام عن معرفة الدوال ومدلولاتها في استعمالات ابن تيمية المعرفية في صراعه ومجادلته في تلك الحقبة التاريخية وسياقاتها الاجتماعية والسياسية والمذهبية . فيتلقف العقل التمجيدي تلك المدلولات الفلسفية والكلامية وهو خالى الذهن من تلك الدوال المعرفية ويربطها بدوال لا علاقة لها بتلك المدلولات،فحينئذ يصاب العقل التمجيدي بداء(سوء الفهم)الذي يمنعه من محاولة الفهم والمراجعة والنقد !!
علما بأن ابن تيمية تأثر بنظرية ابن رشد في السببية،وأبو البركات البغدادي وأحيانا ابن سينا،كما أنه لم يهجر القضايا الكلامية كما يتراءى للبعض ، فقد بقي محافظا على أوليات الفكر الكلامي في دور الصفات الإلهية كالإرادة في الخلق،ورفض فكرة العلل الثانوية التي تمسك بها الفلاسفة،وتبنى الصفات على أساس الأجناس والأنواع بالمعنى الأرسطي وهي متحدة مع الذات الإلهية مع الابتعاد الكامل عن صيغ الاشاعرة والماتريدية ،فهو يبقى في النهاية متكلم وفيلسوف يفكر ضمن هذا الفضاء وكان مهموما بنفس السؤال الذي شغل هؤلاء الذين أتوا قبله ووجه له نقده الحاد ؛والسؤال هو (العلاقة بين الأزلي والمحدث).(*)

وبطبيعة الحال فإن ابن تيمية لا يجد في ذلك مشكلة ، فهو يريد أن ينقل لنا اعتقاده منذ البدء،أن العقل والدين يتفقان ولا يختلفان مع بعضهما،من حيث أنهما يعبران عن حقيقة واحدة.ولكن (سوء الفهم= وجود الدال وعدم فهم مدلوله وربطه بداله)هو الذي سيطر على الاتباع حيث فرطوا بفرصة ثمينة في إحياء العقل النقدي والخروج من العقل القياسي حين جعلوا معركة الاسماء والصفات بالدوال الفلسفية والكلامية وبمدلولات سلفية هي معركة العقل والنقل ؛السلف والخلف،أهل الحديث وأهل الرأي ،والتي انتصر فيها النقل على العقل الذي هو مناط التكليف!!

لذلك يجب أن نتذكر دائما أن مخاطر(سوء الفهم) عواقبه وخيمة على الحاضر والمستقبل ، وعدم اننتباه العقلاء إلى هذا المشكل المعرفي والخروج منه يعني تحمل المسؤولية كاملة يوم لا يغني عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ،والعيش أبد الدهر في ركب التخلف بين الأمم المتحضرة ... أغاية الدين أن تحفوا شواربكم ..... يا أمة ضحكت من جهلها الأمم !!
والسلام.

عـبدالحكيم
________________________

(*) لي مقال عن إزمة العقل السلفي ودور ابن تيمية في هذه الأزمة، لعله ينشر بمجلة المنتدى الليبي في هذا العدد .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home