Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 1 December, 2007

   

الإمام الشافعي... وحرية الرأي!! (1)

د. عـبدالحكيم الفيتوري

تمهد القول في المقالات السابقة،أننا لا نقصد بهذه السلسلة ذكر المناقب والسرد الوصفي،أو الحط من مكانة أحد من أعلام الأمة(فلكل له مقام معلوم)،وإنما نقصد البحث عن قيمة الحرية،ومبدأ احترام الرأى الأخرمن خلال قراءة تراجم بعض الأعلام في سياقها التاريخي،ونسيجها الاجتماعي،لنجعلها معاصرة لنفسها،ثم نعيد قراءتها في زماننا لتصبح معاصرة لنا.وهذه هي القراءة النقدية التي تحاول قراءة التاريخ لكنها تعيش حاضرها بكل حيثياته،وتحترم صانعي التاريخ ورموزه لكنها لا تقدسهم،وتقدر التراث كجهد اجتهادي تفاعل مع زمانه لكنها لا تصنمه(من الصنمية)،وتجعل من التاريخ والتراث مادة للدراسة له وعليه ولكنها لا تضمه إلى مصاف النص المقدس.وبهذه القراءة النقدية يمكن لنا أن نتجاوز القراءة التمجيدية؛التي قرأت التاريخ وتراثه في زمانه وعاشت معه وخرجت من حاضرها،وكذلك نتجاوز القراءة العدائية؛التي تسعى لقطع الأمة عن تراثها وتاريخها وربطها وستلحاقها بتراث ومفاهيم غيرها.

وأحسب أنه بهذه القراءة النقدية التي تمارس أساليب النقد،ومسالك التحليل للتاريخ والتراث،بغية الإضافة العلمية إليه،وعدم الوقوف عنده،ومن ثم صناعة الحاضر(العلمي والمعرفي)المتواصل مع تاريخ الأمم العلمي والمعرفي.تعد مخرجا أمنا للخروج من العقلية المتحفية،والقراءة التمجيدية،والنفسية الصنمية،وأساليب الترديد والاستذكار،للتخفف من حمل التابوت(فيه بقية من صانعي التاريخ)،وصولا إلى الإلتزام بأدوات الاستفهام،وطرائق الاستكشاف!!

من هنا اقتضت القراءة النقدية والبحث عن قيمة الحرية ومبدأ احترام الرأى الأخر السفر إلى زمان الإمام الشافعي رحمه الله للتنقيب والحفريات عن هذه القيم في أرضية ذلك الزمان،من أجل الوصول إلى مستوى تصور وفهم حقيقة هذه القيم،بتعبير أخرهل قيم الحريات،ومباديء احترام الرأى الأخر-كما عرفناها من خلال خطاب الوحى-موجودة في فكر الشافعي،وعلى أي مستوى هي؟!

الإمام الشافعي محمد ابن إدريس رحمه الله،اشهر من نار على علم،ولد في غزة(150)من أب قرشي مطلبي،وأم أزدية.وتوفي بمصر(204).عاش الشافعي الحقبة السياسية العباسية تقريبا منذ فترة حكم الرشيد إلى زمن المأمون،وهي المرحلة التي استقر فيها الحكم الوراثي لآل العباس،وفيها تشكلت حركات سياسية فكرية مناهضة لفكرة الحكم الوراثي،والعقل النقلي الحشوي.وفي هذه الأجواء ترعرع الإمام الشافعي الطالبي القرشي،فوجد نفسه في اتجاه صبغ بصبغة قريشية،فالخليفة قرشي والنسب شريفي،وقد استثمر الشافعي هذا الاتجاه ووظفه أيما توظيف في طلب العلم،ونيل الوظائف الرسمية،والتمتع بسهم ذوي القربى،حيث وجد نفسه في قلب السلطة شريكا وليس حليفا،علما بأن هذه الإمتيازات لم تكن متوفرة لأستاذه الإمام مالك الذي مورس عليه أصناف الترهيب وطرائق الترغيب للأنخراط في صفوف السلطة فقبل بعضها ورفض بعضها الآخر.أما أبو حنيفة فقد أعي الخليفة والخلافة عن قبول أصناف الترغيب،أو الخوف من وسائل الترهيب من أجل الإذعان لسياسة الخليفة الكسروية،والخطاب النقلي!!

ويبدو أن الأنتماء إلى القريشية والنسب الشريف في زمن الشافعي ؛زمن قيام الخلافة على نظام الانتماء الأسري والبيوتات(أموية-عباسية)كان بالنسبة للشافعي بمثابة مفاتيح الحياة الخاصة والعامة،لما أحيط به من أهتمام بالغ من أهل ذاك الزمان،،فقد كان الشافعي يلتقي مع نسب الخليفة الرشيد بكونهما من بنى عبدالمطلب(طالبي)،ومع الرسول بكونهما ابني عمومة،كما وصفه الذهبي بأنه:نسيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه.ولا شك أن الارتباط الوثيق بالرسول صلى الله عليه وسلم(الرسالة)،والخليفة(السيف)قد مهد له طلب المشاركة في الحكم،والتمتع بسهم ذوي القربى،والاستعانة بذلك على نيل مكانة مرموقة في المحيط العام والخاص.

وتوثيقا لهذه الصلة وتأكيدا لها لم يتردد المحدثون في الاستنجاد بجملة أحاديث منسوبة لرسول الله تبشر بمكانة الشافعي وشرعية هذا المقام،كقولهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اللهم اهد قريشاً فإنَّ العالم منهم يسع طباق الأرض.(أحمد والترمذي).وفي حديث أخر:لا تسبّوا قريشاً فإنَّ عالِمها يملأ الأرض علماً.وقد عقد ابن حجر في توالي التأسيس في مناقب معالي محمد ابن إدريس بابا كاملا في بشارة النبي بالشافعي وحشد فيه أحاديثا كثيرة.حتى أنه أشار لكتاب له اسمه(لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش)والغرض منه الاشارة إلى أن الشافعي إمام قرشي فيدخل في عموم الأمر بتقديم قريش على غيرهم مع ما اختص به من نسبته إلى بني المطلب على ما تقدم ذكره!!

ولم يغيب عن بال ذوي الرؤى والمنامات والأسطورة بأن يحيطوا تلك الأحاديث المنسوبة للرسول بمنظومة من الرؤى والمنامات بحيث تكبل من له عقل،وتشبع العقل الأسطوري،حيث تجعله أمام حقيقة دينية مقطوع بها ينبغي عليه التسليم بها وقبولها(تقديس الذات،وتصنيمها)،ومن تلك الرؤى قول ابن عبد الحكم:لما حملت والدة الشافعي به،رأت كأن المشتري خرج من فرجها،حتى انقض بمصر،ثم وقع في كل بلدة منه شظية،فتأوله المعبرون أنها تلد عالما،يخص علمه أهل مصر،ثم يتفرق.(تاريخ بغداد)ولا يخفى أن المقابلة بين رؤية إم الرسول حين حملت به بأنها رأت قمرا خرج من رحمها،ورؤية أم الشافعي بأن المشتري خرج منها،كانت بمثابة إكتمال أوجه الشبه لإتمام عملية تقديس الذات!!

كذلك قال ابن نصر الترمذي أنه:رأي في المنام النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده بالمدينة فكأني جئت،فسلمت عليه،وقلت:يا رسول الله،أكتب رأي مالك؟ قال:لا،قلت:أكتب رأي أبي حنيفة؟قال:لا،قلت:أكتب رأي الشافعي؟فقال بيده هكذا،كأنه انتهرني،وقال:تقول:رأي الشافعي!إنه ليس برأي،ولكنه رد على من خالف سنتي.وفي رواية:لكن قول الشافعي ضد قول أهل البدع)(سير إعلام النبلاء )وفي رواية قال:رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام،فسألته عن الاختلاف،فقال:أما الشافعي فمني ولي،وفي الرواية الأخرى:أحيا سنتي.(تاريخ بغداد،سير النبلاء)ولم يكتفي النشاط المنامي والتأويلي عند هذا الحد،بل ذهب به خياله إلى يوم القيامة حيث قال أبو حاتم لما مات أبو زرعة الرازي رأيته في المنام،فقلت له:ما فعل الله بك؟قال:قال لي:ألحقوه بأبي عبدالله،وأبي عبدالله،وأبي عبدالله،الأول مالك،والثاني الشافعي،والثالث أحمد!!(توالى التأسيس)طبعا مارس صاحب العقل المنامي أساليب الاقصاء على المخالف فلم يذكر أبا حنيفة!!

ولا يخفى أن هذا السياق المنامي والأسطوري والنشاط التأويلي يشير بشكل من الإشكال إلى أن جملة الأحاديث التي جاء فيها ذكر أن من رأى رسول الله في منامه فكأنه قد رأه في اليقظة،قد سيقت لدعم هذا النشاط المنامي والأسطوري الذي قد انتشر في أوساط العقل النقلي خاصة أهل الحديث(للمزيد يمكنك مراجعة تراجم مالك،الشافعي،أحمد،ابن المبارك،البخاري).(1)

ويبدو أن الشافعي بهذا الارتباط العرقي والنشاط المنامي(=النسب إلى الرسول والخليفة،والنشأة بمكة،والتعلم بالمدينة)قد حظي عند السلطة الحاكمة والناس بكل ما تحظى به مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم من تعزير وتوقير وتعظيم وإيمان،حتى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد قد استنكر على فقيه دولته(محمد بن الحسن الشيباني)أن يناظر الشافعي عالم قريش واستدل عليه بحديث:قدموا قريشا ولا تقدموها،وتعلموا منها ولا تعلموها،فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض.(تاريخ بغداد،سير أعلام النبلاء).بل اعتبر عبدالله بن البوشنجي–من تلاميذ الشافعي-أن حب الشافعي من الإيمان حيث أنشد:ومن شعب الإيمان حب ابن شافع ....وفرض أكيد حبه لا تطوع .(مناقب الشافعي،وسير النبلاء)ويبدو للناظر في السياق التاريخي لتوظيف النسب(قريش)من قبل السلطة الحاكمة والعقل المنامي ضد الإنتشار الفارسي الفكري والسياسي،كان مدعاة لبروز جملة من أحاديث منسوبة لرسول الله في الأوساط السياسية والعلمية(=الحلفاء؛السيف والقلم)والتي جاء فيها أن الأئمة من قريش،ولاشك أن توظيف الديني بهذا المستوى كان بمثابة ردة اجتماعية(=الرجوع إلى العقل القبلي)،وردة سياسية(=الرجوع إلى النمط الكسروي والهرقلي في الحكم)،بالضرورة لا نقصد الردة الدينية.(2)

واللافت للنظر أن الإمام الشافعي في هذا السياق حاول أن يستثمر نسبه من الرسول ونسبه من العباسيين في طلب العلم وتوظيفه،واستلام الوظائف الرسمية،فقد ذكر الياقوت الحموي في معجمه على لسان الشافعي قال:(دخلت إلى والي مكة،وأخذت كتابه إلى والي المدينة،وإلى مالك بن أنس.فقدمت المدينة فأبلغت الكتاب إلى الوالي.فلما قرأه قال:يا فتى.إن مشيي إلى جوف مكة حافيا راجلا،أهون علي من المشي إلى باب مالك بن أنس،فلست أرى الذل حتى أقف على بابه.فقلت:أصلح الله الأمير،إن رأى الأمير يوجه إليه ليحضر.فقال:هيهات.ليت إني إذا ركبت أنا ومن معي ،وأصابنا من العقيق،نلنا بعض حاجتنا.فواعدته العصر،وركبنا جميعا،فوالله لكان كما قال.لقد أصابنا من تراب العقيق.فتقدم رجل فقرع الباب،فخرجت إلينا جارية سوداء،فقال لها الأمير:قولي لمولاك إني بالباب.فدخلت فأبطأت، ثم خرجت فقالت:إن مولاي يقرئك السلام ويقول:إن كانت مسألة فارفعها في رقعة يخرج إليك الجواب،وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس فانصرف. فقال لها:قولي له إن معي كتاب والي مكة إليه في حاجة مهمة.فخرج إلينا مالك.قال:فرفع إليه الوالي الكتاب،فبلغ إلى قوله(إن هذا رجل من أمره وحاله،فتحدثه،وتفعل،وتصنع!!)رمي الكتاب من يده ثم قال:سبحان الله!! أوصار علم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخذ بالرسائل!!قال:فرأيت الوالي وقد تهّيبه إن يكلمه،فتقدمت إليه، وقلت:أصلحك الله،إني رجل مطلبي ....).(معجم الأدباء،وانظر توالي التأسيس)

نحن هنا أمام نص يعكس شعور الشافعي بمدى منزلة الاستعانة برجل السلطة(=والي مكة والمدينة)والنسب(=مطلبي)في تحقيق المطالب وتقريب الأغراض علمية كانت أم وظيفية،أم اجتماعية.فلما أخذ العلم الذي يؤهله لتقلد الوظائف السياسية استعان بالنسب في التوسط عند السلطة في نيل وظيفة رسمية في نجران،ولا بأس أن نشير بهذا الصدد إلى قصة تعيينه واليا أوقاضا على اليمن ونجران،فقد صرح الشافعي بعد إتمام تعلمه على يدي مالك،قال(فجئت إلى مصعب بن عبدالله ، فكلمته أن يكلم لي بعض أهلنا،فيعطيني شيئا،فإنه كان بي من الفقر والفاقة ما الله به عليم،فقال لي مصعب:أتيت فلانا، فكلمته،فقال:أتكلمني في رجل كان منا فخالفنا؟قال:فأعطاني مئة دينار.(أعلام النبلاء)وفي رواية الحميدي عن الشافعي قال:قدم وال على اليمن-يعني من مكة-فكلمه بعض القرشيين في أن أصحبه.(توالى التأسيس)وفي ذات المصدر يقول الشافعي(ثم وليت نجران...).علما بأن بعض المراجع أشارت إلى أن مخالفة الشافعي لبني قومه تمثلت في لزومه لحلقة مالك،لأن الإمام مالك كان في أخر عمره مخالفا لسياسة نظام الحكم العباسي!!ولا يخفى أن أسلوب الشافعي التوظيفي واستلامه بعض الوظائف السيادية السلطوية كانت محل نقد ولوم من شيخيه؛ابن عيينة،وابن يحي،فقد قال له سيفان ابن عيينة(قد بلغني حسن ما انتشر عنك..فلا تعد)كذلك لامة شيخه المكي إبراهيم بن أبي يحي بنحو ذلك.ولعل في ما ذكره الحاكم على لسان الشافعي من انتقادات بعض معاصريه بميله للدنيا يفهم منه القرب من السلطان واستلام الوظائف والجوائز،قال الشافعي:يقولون إني إنما أخالفهم للدنيا،وكيف يكون ذلك والدنيا معهم إنما يريد الانسان الدنيا لبطنه وفرجه ، وقد منعت ما ألذ من المطاعم ولا سبيل لي للنكاح-يعني لما كان به من البواسير-ولكن لست أخالف إلا من خالف سنة رسول الله).(توالي التأسيس)

ولم يكن يغيب عن بال الشافعي أهمية توظيف رابط النسب في خلافة قامت في أصلها على هذه الروابط ، بل وقامت على أنقاض دولة كانت تقوم على ذات الروابط العرقية(الأموية)،فحين اُعتقل الشافعي ومعه تسعة رجال من العلويين،وحملوا مقيدين بالحديد إلى هارون الرشيد،وأحضروهم بين يدي الخليفة،وكان هارون جالسا وراء ستارة،وكانوا يقدمون إليه واحدا واحدا،وكل من تقدم منهم قطع راسه،كل ذلك والشافعي يدعو ربه بدعائة المشهور،ولما جاء دوره حملوه إلى الخليفة وهو مثقل بالحديد.فقال الشافعي:إن الله تعالى قال في كتابه العزيز(وعد الله الذين آمنو وعملوا الصالحات لستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم،وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم،وليبدلنهم من بعد خوفهم آمنا)وهو الذي إذ وعد وفى،فقد مكنك في أرضه وأمنني بعد خوفي حين رددت علي السلام بقولك(وعليك رحمة الله)فقد شملتني رحمة الله بفضلك يا أمير المؤمنين.فقال الرشيد:وما عذرك من بعد ما ظهر أن صاحبك(يريد عبدالله بن الحسن)طغى علينا وبغى واتبعه الأرذلون وكنت أنت الرئيس عليهم.فقال الشافعي:أما وقد استنطقتني يا أمير المؤمنين فسأتكلم بالعدل والانصاف،لكن الكلام مع ثقل الحديد صعب،فإن جدت علي بفكه عن قدمي جثيت على ركبتي كسيرة آبائي عند آبائك وأفصحت عن نفسي،وقإن كانت الأخرى فيدك العليا ويدي السفلى والله غني حميد.فالتفت الرشيد إلى غلامه سراج وقال له:حل عنه فأخذ سراج ما في قدميه من الحديد فجثى الشافعي على ركبتيه وقال(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنيأ فتبينوا)حاشا لله أن أكون ذلك الرجل،لقد أفك المبلغ فيما بلغك به،إن لي حرمة الإسلام،وذمة النسب،وكفى بهما وسيلة،وأنت أحق من أخذ بأدب كتاب الله،أنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذاب عن دينه،المحامي عن ملته!!فتهلل وجه الرشيد ثم قال:ليفرج روعك فإنا نراعي حق قرابتك،وعلمك،ثم أمره بالعقود فقعد.ثم قال الرشيد:عظني يا شافعي،فأخذ الشافعي يعظ الرشيد وعظا تصعدت له القلوب حتى اشتد بكاء الرشيد،فهاج الحاضرون فنظر إليهم الشافعي غضبا واستمر في وعظه!!(انظر:مقدمة موسوعة الإمام الشافعي،كتاب الأم)

وفي نص توالي التأسيس،قال الشافعي فقلت له:مهلا يا أمير المؤمين فإنك الراعي وأنا المرعي،وأنت القادر على ما تريد مني،ما تقول في رجلين أحدهما يراني أخاه والآخر يراني عبده أيهما أحب إلي؟قال:الذي يراك أخاه.قلت:فأنت هو يا أمير المؤمنين،إنكم ولد العباس،وهو ولد علي،ونحن أخوتكم من بني المطلب،فأنتم تروننا إخوة،وهو يروننا عبيدا.قال:فسُرّي عنه ما كان به واستوى جالسا،وقال:عظني فوعظته إلى أن بكى،ثم أمر لي بخمسين آلف درهم)!!

ولعل أساليب هارون الرشيد الاستبداية هي التي دفعت بالشافعي إلتماس جملة تبريرات غير مناسبة لمقامه كتوظيف النسب(=نحن أخوتكم من بني المطلب،وذمة النسب)،وإضفاء الإلقاب التي لا يستحقه هذا المستبد(=وأنت أحق من أخذ بأدب كتاب الله،أنت ابن عم رسول الله،الذاب عن دينه،المحامي عن ملته)،والمثول أمامه بصورة لا تليق(=جثيت على ركبتي كسيرة آبائي عند آبائك)،وفي ظل هذه التبريرات لم يتردد من وعظ الخليفة القاتل الذي قتل تسعة من رفقاء الشافعي بدون قانون ولا محاكمة عادلة ولا شهود(=وكانوا يقدمون إليه واحدا واحدا،وكل من تقدم منهم قطع راسه)،ومن قبول مكأفاة مالية منه بعد ذلك كله(=خمسين آلف درهم).فأين قيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وأين قيمة كلمة حق أمام سطان جائر،وأين قيمة الحرية،وأين احترام الرأى الأخر؟! والأدهى وأمرأن يقدم هذا الخليفة الجزار في صورة الباكي من خشية الله (قال:عظني!!فوعظته إلى أن بكى)!!

ويبدوا أن الشافعي أمام هذه الرغبة الملحة من الخليفة القرشي في التمكين لدولته ضد الفرس والمنأوين من العرب،لم يتردد من تشكيل جبهة دفاعية(من العلماء)ضد المنأوين لهذه الدولة وذلك من خلال إبراز أهمية النسب القرشي وشرفه،وأن الإمامة السياسية والدينية لا تخرج عن قريش،وأن الخارج والمعارض لهذه الإمامة الدينية والسياسية يستحق من القتل والتشريد ما الله به عليم.واستعانوا على ذلك بعلم الانساب،وإنتاج أحاديث؛الإئمة من قريش،والسمع والطاعة،ثم بالمنامات والرؤى.وبهذا السبيل مهد هؤلاء في التضيق على قيم الحريات،وممارسة النقد،وإلغاء حق الاعتراض على السياسي والمعرفي!!

والسلام

يتبع
(1-2)

عـبدالحكيم
Dr_elfitouri@yahoo.co.uk
________________________

1- انظر إن شئت سلسلة السنة،مقالي(من رآني في المنام فسيراني في اليقظة..وإشكالية الفهم )
2- راجع إن شئت مقالي (الأئمة من قريش ...وإشكالية الفهم)


   

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home