Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan writer Dr. Abdelhakim al-Faitouri


Dr. A. al-Faitouri

Saturday, 1 July, 2006

مقاربات بين عـقلانية الترابي وسلفية عـبده ورضا(*)

د. عبدالحكيم الفيتوري


حسن الترابي

رجال الاصلاح الاسلامي الاوائل واجهوا ازمة ضاغطة مرت علي الامة.. واصبحت في زمن الترابي اكثر الحاحا. خصوم عبده، رضا، الترابي يسعون اليوم لمحاصرة اجتهاداتهم والعودة بهم لقفص التقليد الذي فروا منه.
د. عبدالحكيم الفيتوري

هذه قراءة اجتهادية في الجدل الذي ثار حول بعض الاراء التي نقلت عن الشيخ حسن الترابي، زعيم الحركة الاسلامية في السودان، وتحاول فهمها في ضوء اراء وافكار حركة الاصلاح الاسلامية التي بدأت في نهايات القرن التاسع عشر. بجمال الدين الافغاني، وعبر عنها فكريا محمد عبده، وسجل تراثها محمد رشيد رضا الذي انزاح بفكر الحركة الاصلاحية هذه الي سلفية تقارب سلفية محمد بن عبدالوهاب، وننشر هذه القراءة لمحاولتها الاجتهادية، وهي تعبر عن تحليل ورؤية كاتبها عبدالحكيم الفيتوري.      (القدس العربي)(*)

استهلال :
هذه مقالة في المفارقات والمقاربات بين عبده، ورضا و الترابي ، مفارقات في التاريخ من ناحية ظروف الاستعمار وحالات التخلف التي احاطت بالامة في جوانب كثيرة. ومقاربات من حيث الموافقات الكثير من الاجتهادات في الفكر الديني والاصلاح السياسي بين سلفية عبده ورضا وعقلانية الترابي. فقد عاش الامام محمد عبده العالم الازهري (1849ـ 1905) بمصر ابان الثورة الفرنسية والحركة العرابية وضعف الدولة التركية، تعلم اللغة الفرنسية والانكليزية وسافر الي خارج مصر مرات عديدة الي الشام والسودان وتونس والجزائر وفرنسا وانكلترا، والتقي الفيلسوف الشهير البريطاني (هربرت سبنسر) احد مؤسسي علم الاجتماع الحديث، كذلك التقي وجوه البرلمان والصحافة والرأي العام ببريطانيا، قراء كتابات منظري فكر الثورة الفرنسية امثال مونتسيكو وغيره. ومن ابرز اعماله الفكرية رسالة التوحيد ، وصاغ كل مقالات العروة الوثقي، ومقالات الاضطهاد في النصرانية والاسلام، والمستبد العادل، مشاركة لقاسم امين في كتابه (تحرير المرأة)، وترجمته لكتاب التربية لهربرت سبنسر عن الفرنسية.
اما الشيخ رشيد رضا، ذلك العالم الديني السلفي الشامي الذي ضرب في العلم الشرعي اصولا وفروعا وبكل فنونه ومذاهبه بسهم وافر، ايضا كان واسع الاطلاع علي المصادر الاجنبية باللغتين الانكليزية والفرنسية فقد قرأ كتاب(الخلافة) لسير ويليام موير، وكتاب (الاسلام) لأوجيست مولر، وكتاب (محمد وخلفاؤه) للاستاذ واشنطون ايفرنج وغير ذلك، وهو كذلك امتداد طبيعي لجهود استاذه محمد عبده حيث عاش رشيد في فترة عصيبة من التاريخ، فالخلافة التركية في اسطنبول تنهار شيئا فشيئا، والحكم العثماني قد تقهقر في الاقاليم والولايات والاستعمار بدأ يعم العالم الاسلامي كله، ومحاولة ابتلاع ارض فلسطين واغتصابها تسير ، وتفاقم الوضع الداخلي بالحروب المستمرة التي غيرت من خريطة العالم الاسلامي... ادت كل هذه العوامل الي تبدد وحدة المسلمين وتشتت كلمتهم وتمزيق جغرافيتهم التي كانت موحدة، وقد تبع هذا تغيير العقليات وتغيير في احكام الاسلام، هذا هو الجو الذي تنفس فيه رشيد رضا، فكانت له اصدارات علمية وفكرية ابرزها مجلة المنار التي عمرت عمرا يناهز سبعا وثلاثين سنة من سنة 1898 الي 1935 وهو عمر ظهرت فيه احداث سياسية جسام كان اكبرها انهيار الامبراطورية العثمانية والقضاء علي خلافتها، وظهور الثورة البلشفية الاشتراكية الشيوعية في روسيا التي قضت علي النظام القيصري المستبد، وما جري بين حركة نجد الوهابية وحركة الحجاز حول تولي الزعامة علي مقدسات المسلمين وتدخل الاستعمار الانكليزي في المنطقة، وبروز ظاهرة الانفصال التي استفحلت بشكل ذريع في العالم العربي وفي شرق اوروبا، وظهور ظاهرة القومية العربية التي تنظر لمستقبل الدولة الوطنية في العالم الاسلامي من منظور الصيغة العلمانية التي اسس دعائمها مصطفي كمال اتاتورك.
ومن المفارقات ان تكون ولادة الترابي في نفس العام الذي توقفت فيه مجلة المنار 1935 بمدينة كسلا بالسودان، وهو الآن ابن السبعينات من العمر، فقد حفظ القرآن وتعلم الفقه واصوله علي والده، ثم التحق بعدها بكلية القانون 1951، نال ماجستير قانون من لندن 55، ودرجة الدكتوراه من جامعة السوربون عام 59 وأصبح عميدا لكلية الحقوق في جامعة الخرطوم الي 65. والتحق بالحركة الاسلامية منذ منتصف الخمسينات، تولي مناصب عدة في حكومات السودان المتعاقبة، سجن مرات عديدة، وهو قارئ من الطراز الاول فهو يقرأ بالانكليزية والفرنسية والالمانية فقد مكنت هذه الموهبة علي سعة المطالعة للمصادر الغربية والدراسات العلمية والاستراتيجية حول الاسلام والمسلمين والمنطقة، سافر كثيرا والتقي كثيرا من قيادات الفكر والسياسة في المنطقة العربية وفي اوروبا وامريكا والشرق الاقصي.

ـ نقاط الالتقاء بين الثلاثة:
اللافت للانتباه ان نقاط الالتقاء بين عقلانية الترابي وسلفية عبده ورضا، تمثلت في الاجواء الضاغطة التي مرت بها الامة، ففي مرحلة عبده ورضا كانت الثورة الفرنسية والثورة في الفكر والصناعة ومصادرة الفكر الديني ومحاصرته في كنائس، واستعمار المنطقة الاسلامية ومصادرة حق الشعب الفلسطيني في ارضه، وسيطرة الفكر العلماني علي سدة الحكم في المنطقة الاسلامية. بيد ان الحقبة الزمانية التي عايشها الترابي كانت من طراز آخر فهي اكبر تعقيدا واقوي سيطرة واكثر نعومة وكذلك من خلال طرح المشروع الليبرالي الكامل العولمة بكل ما تحمله من معاني الاستتباع، والالحاق العلمي والثقافي والتكنولوجي والاقتصادي والاعلامي بنظام عالمي له مؤسساته الدولية سياسيا واقتصاديا وامنيا وتربويا وفكريا وحضاريا بل ودينيا كذلك. وقد منحت هذه المؤسسات للعولمة شرعيتها واخذت من هذه المؤسسات تفويضا تاما بتغيير قيم العالم ونظمه وقياداته، بل صارت هذه المؤسسات اداتها ووسيلتها في إحداث تلك التغييرات القسرية، ولم تعد العولمة المعاصرة تقبل من الآخرين مجرد القبول بها، او الانفتاح عليها، ثم التداخل الاقتصادي معها، لكنها تصر علي ان تعيد تشكيل انظمة الشعوب والامم الاخري علي صورتها، وتلحقها بها الحاقا عضويا ليكون الاستتباع كاملا غير منقوص لا يفرق فيه بين السياسي والاقتصادي والتعليمي والثقافي والفني والحضاري!!

ـ موطن الداء ومكمن الخطر:
ويكمن مكمن الخطر في ان شعوبنا لا تملك الآن سوي تراثها وموروثها الحضاري والديني المنحدر اليها من اسلافها، والذي صاغه الاسلاف بطرائق ادراك ومعرفة خاصة عائدة الي المكونات التاريخية لذلك الموروث، وهو في سائر الاحوال له وعليه، وهنا مكمن الخطر اذ ستجد الامة نفسها مسوقة دون اختيار للاحتماء بموروثاتها الحضارية والمذهبية والثقافية والايديولوجية دفاعا عن النفس، ودون تمييز بين اسلام النص و اسلام التاريخ ، وهنا سوف تدخل الامة في حالة تعصب بالحق وغيره لموروثاتها، وهذه الحالة تجعلها في نظر العولمة اكثر تخلفا وخروجا من الحاضر الي الماضي والتاريخ. اما من وجهة نظرنا فان الخطر في ذلك الارتداد غير المنظم الي الماضي ودون تمييز بين اسلام النص و اسلام التاريخ هو ان شعوبنا في رجعتها هذه الي الموروث دون فرز بين المقدس والبشري سوف تجمد سائر حواس النقد ووسائله ـ ان وجدت ـ وتوقف اية ممارسات تجديدية داخلية اذ لا صوت يعلو حينئذ علي صوت معركة الدفاع عن النفس؛ فتصبح محاولات التجديد النوعي الداخلي علي ضعفها وقلتها بدعة من البدع، او ردة عن الدين، او تواطؤا مع قيادة الغرب وفي اقل الاحوال تبعية واستحسانا لبدائل المستعمر، وتفقد الشعوب آنذاك القدرة علي التمييز بين مجالات التجديد وعناصر التحصن الداخلي، وبين عرض قيم اسلام النص وتحدي قوي الهجوم الخارجي فتدخل حالة الفتنة التي تذر الحليم حيرانا!!

ـ مدار أفكار عبده، رضا، الترابي :
لا يخفي ان افكار عبده، رضا، الترابي تدور حول قضايا الاجتهاد والتجديد ونبذ السكونية والتقليد في الفكر الديني والفكر السياسي، وفي هذا النسق كانت جهودهم في تحرير اسلام النص من اسلام التاريخ وترسيم دائرة الواجب من المباح وفك الاشتباك بين الشكل و المضمون ، علما بان هذه الومضات التجديدية ما كان لها ان تخرج الي حيز الوجود وأن تصبح فكرا لولا لقاء هؤلاء المفكرين بالعقل الغربي الليبرالي عبر الكتب او الجامعات او اللقاءات الشخصية مع مفكريهم، حيث اثمرت تلك اللقاءات مجموعة من التساؤلات حول الاسلام وقضاياه في ثلاث مسائل هامة، وهي مسألة تمكن الاستبداد وانواعه من العقل المسلم في الحكم والسلوك عبر قرون طويلة من تاريخ المسلمين عربا وفرسا وأتراكا السلطان ظل الله في الارض !! ومسألة الحريات العامة: وهي مرتبطة بالاولي حين ننظر الي القضية نفسها من منظور الانسان، اي ان ما يركز استبداد الحكام هو خضوع المحكومين وتشبعهم بفكرة القدر والقسمة والمكتوب العقيدة القدرية والجبرية حتي اصبحت من البديهيات لديهم وجزءا لا يتجزأ من عقيدة المسلمين!! واخيرا مسألة التولد، ومن المعلوم ان المتكلمين نفوا ان يتولد فعل عن فعل سابق بدون توسط القدرة الالهية. التولد يؤدي في نظرهم الي التعطيل والي الشرك!! الا ان الغرب يدعي ان هذا الاختيار كان اسوأ ما اقدم عليه المتكلمون اذ قطعوا كل امل في ان يظهر في الاسلام علم تجريبي يهدف الي الكشف عن نواميس الطبيعة، اذا اعتقد المرء ان كل حادث يمكن ان ينقض في اية لحظة بعكسه، لماذا يتعب نفسه ويلاحظ الحوادث ليستنبط منها قوانين اطرادية ؟ فاذا كان كل شيء ممكنا في أية لحظة فلا شيء مضمون الحصول ابدا، ولزم التواكل!!
فكان جواب هؤلاء عبده، رضا، الترابي علي تساؤلات الغرب من منظور اسلام النص وقواعد المقاصد علي هيئة منظومة فكرية تجديدية في الفكر والحركة والسياسة فكانت الدعوة الي تجديد اصول الفقه واعادة صياغته وترتيبه بما يناسب عمليات النهوض والاقلاع الحضاري، ونقد منظومة الفقه التقليدية في الفكر والسياسة، وفتح باب الاجتهاد والتجديد في اطار اسلام النص وقواعد المقاصد ، يقول الترابي : وفي يومنا هذا اصبحت الحاجة الي المنهج الاصولي الذي ينبغي ان نؤسس عليه النهضة الاسلامية حاجة ملحة، لكن تتعقد علينا المسألة بكون علم الاصول التقليدي الذي نلتمس فيه الهداية لم يعد مناسبا للوفاء بحاجتنا المعاصرة حق الوفاء، لانه مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها بل بطبيعة القضايا الفقهية التي كان يتوجه اليها البحث الفقهي.
وقد جوبهت هذه الاجتهادات بانتقادات حادة وصلت لدرجة التفسيق والتكفير، والعجيب ان من يتعمق في انتقادات خصوم عبده، رضا، الترابي يجد انها مبنية علي فرضية ان هذه الاجتهادات تناقض منظومة اسلام النص وهي في الحقيقة لا تناقضه ولكنها قطعا تناقض منظومة السلف اسلام التاريخ والتي تعني عند العقل الكلاسيكي منظومة مقدسة تفيد الوجوب كنصوص القرآن والسنة، وهو بهذا يضيق دائرة المباح ويوسع دائرة الواجب التي تخالف المنهج النبوي. وهكذا يسعي خصوم عبده، رضا، الترابي اليوم لمحاصرة افكارهم واجتهاداتهم والعودة بهم الي القفص التقليد الذي فروا منه وعملوا طول حياتهم علي هدمه والخروج منه وعليه!!

ولا شك ان الباحث في ظروف نشأة الاجتهادات التجديدية في التاريخ الاسلامي والتي خالفت المعهود يعرف ان كل واحدة منها كانت تكريسا لموقف يهدف الي الحفاظ علي سلامة الامة إزاء خطر محدق بها، واثناء هذا الاجتهادات تجد نفسها احيانا مدفوعة الي قبول نتائج قد لا توافق ظاهر النصوص او ما الفه الناس، فتلجأ الي قواعد الاجتهاد والتأويل ومراعاة المقاصد لانها تعتبر ان هذا الاجراء اهون عليها من ان تقبل مقالة خصمها الرئيسي التي فيها رد للنصوص جملة او ابقاء الاسلام خارج حلبة الصراع والتأثير!! ولا ينكر هذا الامر الا من لم يتمعن في افكار ابي حنفية، والطوفي، والاشعري، والنظام، وابن تيمية حيث نراهم دائما يمارسون الاجتهاد والتأويل، واعتبار جلب المصالح ودرء المفاسد ثم يصدرون بآراء جد مقلقة في نظر العقل التقليدي إما ايمانا منهم بان هذه الاراء والاجتهادات لا تخالف اسلام النص اوتفاديا لما هو اخطر منها في نظرهم. كاجتهادات ابن تيمية في الجانب العقدي، او محاولته لاعادة قراءة وقائع الفتنة التي دار رحاها بين علي بن ابي طالب ومعاوية، يقول بن حجر: ... افترق الناس فيه شيعا فمنهم من نسبه الي التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية.. ومنهم من ينسبه الي الزندقة لقوله ان النبي لا يستغاث به.. ومنهم من ينسبه الي النفاق لقوله في علي بن ابي طالب انه كان مخذولا حيثما توجه، وانه حاول الخلافة مرارا فلم ينلها وانما قاتل للرياسة لا للديانة، ولقوله انه كان يحب الرياسة وان عثمان كان يحب المال، ولقوله إن أبا بكر اسلم شيخا يدري ما يقول وعليا اسلم صبيا والصبي لا يصح اسلامه علي قول، وبكلامه في قصة خطبة بنت ابي جهل ومات ما نسيها من الثناء.... وقصة ابي العاص ابن الربيع وما يؤخذ من مفهومها ،فانه شنع في ذلك فألزموه بالنفاق... ونسبه قوم الي انه يسعي في الامامة الكبري، فانه كان يلهج بذكر ابن تومرت.
وهكذا يجد هؤلاء المفكرون عبده، رضا، الترابي في هذا الواقع التاريخي ما يبررون به اعمالهم، وما يدفعهم الي الخروج عن تقليد المتأخرين وتبني اجتهادات المتقدمين التجديدية، ايضا جمود المسلمين الذي اصبحوا به حجة علي دينهم، الجمود تهمة وواقع، تهمة يلصقها الغرب بالاسلام فيجب ردها بعملية فرز اسلام النص من اسلام التاريخ وتقديم مقاصد وروح الرسالة الاسلامية بنظرة كلية لا تجزيئية، وواقع يجب تغييره بنهضة المسلمين وتسجيل حضور حضاري في الواقع والمواقع.

ـ دواعي الاجتهاد والخروج عن المألوف:
لقد حمل الوضع المزري للمسلمين بكل حيثياته الفكرية والسياسية والسلوكية والاخلاقية والاقتصاديةان يجتهد عبده، ورضا، والترابي اجتهادات متنوعة اتسمت بالجرأة والخروج عن مألوف منظومة الفقه الكلاسيكي في الفكر السياسي والفكر الديني، والذي يهمنا في هذه المقالة اجتهاداتهم في الفكر الديني وعلي وجه الخصوص اجتهادات الترابي الأخيرة وعلاقاتها بالمنهج الشرعي لاجتهادات عبده، ورضا . ومن هذه الاجتهادات:

1 ـ قوله في حديث الذبابة :
فقد شكك الترابي في صحة حديث الذبابة لمخالفته لاصول القرآن وكليات السنة التي ترشد الي الاهتمام بالصحة والنظافة، وبهذا يوافق الترابي منهج المدرسة الاصلاحية بقيادة عبده ورضا، حيث يقول رشيد رضا: ليس ورود هذا الحديث في البخاري دليلا علي ان النبي صلي الله عليه وسلم قاله، مع منافاته للعلم وعدم امكانية تأويله . ويقول: كم في الصحيحين من احاديث اتضح للعلماء غلط الرواة فيها، وكم فيها من احاديث لم يأخذ بها الائمة في مذاهبهم . وينكر رضا هذا الحديث ويتحدث عن ضرر الذباب ونقله للامراض فيقول: وحديث الذباب غريب عن الرأي وعن التشريع جميعا، اما التشريع في مثل هذا فان تعلق بالنفع والضرر، فمن قواعد الشرع العامة ان كل ضار هو قطعا محرم ويقول: اما الرأي فلا يمكن ان يصل الي التفرقة بين جناحي الذبابة في ان احدهما سام وضار وفي الآخر ترياق ويقول: كل من ظهر له علة في الحديث فلم يصدقه فهو معذور شرعا ولا يصح ان يقال في حقه انه مكذب للحديث .
ثم يقول عن البخاري: وما كلف الله مسلما ان يقرأ صحيح البخاري ويؤمن بكل ما جاء فيه، وان لم يصح عنده، او اعتقد انه ينافي اصول الاسلام، وليس البخاري هو ورواته معصومين عن الخطأ، وليس كل مرتاب في شيء في روايته كان كافرا .

2 ـ قوله في نزول عـيسي بن مريم:
مجمل كلام الترابي في مسألة نزول عيسي في آخر الزمان بانها تخالف اصول الاعتقاد التي وردت في القرآن بان محمدا صلي الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين فلا نبي بعده، ونزول عيسي بشرائع ككسر الصليب، ووضع الجزية، وقتل الخنزير والقردة يخالف قوله تعالي في وصف القرآن بالمهيمن وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه . والترابي بهذا التأويل يوافق رأي المدرسة الاصلاحية عبده ورضا في عدم نزول عيسي في آخر الزمان، يقرر رضا ذلك بقوله: هذا ما يفهمه القارئ الخالي الذهن من الروايات والاقوال، لانه هو المتبادر من العبارة وقد ايدناه بالشواهد من الآيات ويؤكد محمد عبده علي ذلك بقوله: للعلماء ههنا طريقتان احداهما وهي المشهورة انه رفع حيا بجسمه وروحه، وانه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفاه الله تعالي. والطريقة الثانية ان الآية علي ظاهرها وان التوفي علي معناه الظاهر المتبادر وهو الاماتة العادية، وان الرفع يكون بعده وهو رفع الروح. ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان: احدهما: انه حديث آحاد متعلق بامر اعتقادي، والامور الاعتقادية لا يؤخذ فيها الا بالقطعي لان المطلوب فيها هو اليقين، وليس في الباب حديث متواتر. وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الارض بغلبة روحه وسر رسالته علي الناس، وهو الاخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها والتمسك بقشورها دون لبابها. فزمان عيسي علي هذا التأويل هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين والشريعة الاسلامية لاصلاح السرائر من غير تقيد بالرسوم والظواهر .

3 ـ قوله في عـقوبة المرتد:
فحوي قوله في عقوبة المرتد بانها من العقوبة التعزيرية التي مردها الي الامام وتقدير المصالح والمفاسد وليست من الحدود الحدية، وذلك انطلاقا من كليات القرآن التي تمنع ممارسة الاكراه في البداية والنهاية كقوله تعالي لا إكراه في الدين وقوله: ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا افانت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين وغيرها من الآيات، وان حديث المرتد جاء في سياق العلاقات الحربية وليس في التشريع لاحكام المجتمع المسلم، وهو بذلك يوافق قول أبي حنيفة، وسفيان الثوري، والاوزاعي وغيرهم من علماء السلف، وكذلك محمد عبده ورضا وعبد المتعال الصعيدي وطه جابر العلواني وغيره.

4 ـ قوله في عـقوبة الخمر:
حيث قال بان الخمر من امهات الخبائث ولكن عقوبتها اجتهادية وليست نصية اي عقوبة الخمر من العقوبات التعزيرية وليست الحدية، لان العقوبات الحدية المقدرة هي التي ورد فيها نص من القرآن وهي عقوبات الفئات الخمس: الذين يسعون في الارض فسادا، والذين يقتلون النفس من غير حق، والذين يرمون المحصنات، والزاني والزانية، والسارق والسارقة. والترابي بهذا القول يوافق سلفية رشيد رضا الذي تبني هذا القول من قبله، وذلك حين تناول احاديث تحريم وعقوبتها، فقال: ويستفاد من مجموع الروايات ان المشروع في العقاب علي شرب الخمر هو الضرب المراد منه اهانة الشارب وتنفير الناس من الشرب، وان ضرب الشارب اربعين وثمانين كان اجتهادا من الخلفاء فاختار الاول ابو بكر لانه اكثر ما وقع بين يدي النبي صلي الله عليه وسلم واختار عمر الثمانين بموافقته لاجتهاد عبد الرحمن بن عوف بتشبهه بحد قذف المحصنات .
ولا يخفي ان هذا الرأي له انصار في الماضي منهم الامام الطحاوي حيث قال: جاءت الاخبار متواترة عن علي بن ابي طالب ان النبي صلي الله عليه وسلم لم يسن في الخمر شيئا. كذلك قال المازري: لو فهم الصحابة ان النبي صلي الله عليه وسلم حد في الخمر حدا معينا لما قالوا فيه بالرأي كما لم يقولوا بالرأي في غيره، فلعلهم فهموا انه ضرب فيه باجتهاده في حق من ضربه. وحكي ابن المنذر والطبري وغيرهما عن طائفة من اهل العلم ان الخمر لا حد فيها وانما فيها التعزير!! وانتصر الشوكاني لهذا الرأي في السيل الجرار و نيل الاوطار !!

5 ـ قوله بجواز بقاء المرأة المسلمة تحت زوجها الكافر:
وقوله هذا يعتمد فيه علي عموميات القرآن الكريم والسنة النبوية التي لم تبطل عقود الجاهلية، كذلك مقتضي المصالح التي ترجحها حاجة المسلمة الجديدة الي البقاء مع زوجها ولا سيما اذا كان لها منه اولاد، وترجو اسلامهم جميعا. والطريف في هذه المسألة ان الشيخ القرضاوي كان يفتي لسنوات طويلة بان المرأة اذا اسلمت يجب ان تفارق زوجها في الحال او بعد انتهاء عدتها؛ لان الاسلام فرق بينهما، ولا بقاء لمسلمة في عصمة كافر، وكما لا يجوز لها ان تتزوج غير المسلم ابتداء، فكذلك لا يجوز لها الاستمرار معه بقاء!! ثم قال: واذكر منذ نحو ربع قرن كنا في امريكا وفي مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين هناك، وعرضت قضية من هذا النوع، وكان الدكتور حسن الترابي حاضرا، فلم ير بأسا بان تبقي المرأة اذا اسلمت مع زوجها الذي لم يسلم، وثارت عليه الثائرة، ورد عليه عدد من الحاضرين من علماء الشريعة، وكنت منهم، وقد كان عمدة الرادين عليه: انه خرج علي الاجماع المقطوع به، المتصل بعمل الامة ، علما بان الشيخ القرضاوي الآن يوافق الترابي في فتواه ولكن بعد ربع قرن من الزمان!!

6 ـ قوله بزواج المسلمة من الكتابي:
انطلق الترابي في قوله هذا عملا بأصل الاباحة، ولعدم ورود نص من القرآن بتحريم ذلك، وبان مفهوم المخالف لقوله تعالي: اليوم احل لكم الطيبات... والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ليس بحجة عند كثير من اهل المذاهب، وقد حاول الشيخ رشيد رضا ان يفسر آية المائدة اليوم احل لكم الطيبات وآية البقرة ولا تنكحوا المشركات حتي يؤمن قريبا لما ذهب اليه الترابي ولكنه لم ينص علي ذلك، وهذا قوله: واما الكتابيات فقد جاء في سورة المائدة انهن حل لنا، وسكت هناك عن تزويج الكتابي بالمسلمة وقالوا ـ ورضيه الاستاذ الامام ـ انه علي اصل المنع وايدوه بالسنة والاجماع. ولكن قد يقال ان الاصل الاباحة في الجميع، فجاء النص بتحريم المشركين والمشركات تغليظا لامر الشرك، ويحل الكتابيات تآلفا لاهل الكتاب، ليروا حسن معاملتنا وسهولة شريعتنا، وهذا انما يظهر بالتزوج منهم، لأن الرجل هو صاحب الولاية والسلطة علي المرأة، فاذا هو احسن معاملتها كان ذلك دليلا علي ان ما هو عليه من الدين القويم يدعو الي الحق والي طريق مستقيم. واما تزويجهم بالمؤمنات فلا تظهر منه مثل هذه الفائدة، لأن المرأة اسيرة الرجل.. فقد يصح ان يكون هذا هو المراد من النصين في السورتين البقرة ـ المائدة ، واذا قامت بعد ذلك أدلة من السنة او الاجماع او من التعليل الآتي لمنع مناكحة اهل الشرك علي تحريم تزويج الكتابي بالمسلمة، فلها حكمها لا عملا بالاصل او نص الكتاب، بل عملا بهذه الأدلة !!

7 ـ قوله بإمامة المرأة المسلمة للرجال:

انطلق الترابي في قوله بصحة إمامة المرأة للرجال من عموم نصوص القرآن التي تكلف الرجال والنساء بإقامة الصلاة، وان الاصل في الاقامة سواء آمّاً أو مأموماً، ايضا من اذنه صلي الله عليه وسلم لأم ورقة بإمامة اهل بيتها من الرجال والنساء، وكذلك من اقوال بعض علماء المذاهب منهم الامام احمد وابن تيمية وغيرهم، كما نقل ابن تيمية وجوز احمد علي المشهور عنه ان تؤم المرأة الرجال لحاجة، مثل ان تكون قارئة وهم غير قارئين فتصلي بهم التراويح، كما اذن النبي صلي الله عليه وسلم لأم ورقة ان تؤم اهل دارها، وجعل لها مؤذنا وتتأخر خلفهم، وان كانوا مأمومين بها للحاجة . وما تصح به صلاة الفرض، او صلاة النفل كالتروايح وغيرها، تصح به صلاة الجمعة، فشروط الصحة واحدة، وشروط الابطال كذلك، علما بان حاجة ام ورقة لامامة الرجال في بيتها، او الحاجة التي اشار اليها الامام احمد وابن تيمية وغيرهم اقل باضعاف كثيرة من حاجة الاسلام اليوم الي تقديم المرأة المسلمة خاصة في ديار الغرب لخوض معركة حقيقية يشنها اعداء الاسلام حول المرأة وحقوقها في الاسلام، خاصة وان اترابها في الديانات الأخري لهن حق ممارسة الامامة في جوانب العبادات والمعاملات والسياسية.
________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "القدس العربي"، 20 مايو 2006م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home