Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelhamid el-Kebti


عـبدالحـميد الكبتي

Thursday, 28 December, 2006

العـذر بالجهـل؟!.. بل رحمة الله أوسع(*)

عبدالحميد الكبتي

السؤال :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بدون أي مقدمات ادخل في موضوع الاستشارة وسؤالي للشيخ عبد الحميد الكبتي يا شيخ أسألك بالله تنور بصيرتي في هذا الموضوع الشائك الذي أشكل علي واعلم اني لن اسأل بعدك احد والموضوع هو عن العذر بالجهل هذه المسألة أرقتني وأريد حلا ... الموضوع له تشعبات حتى يدخل في قضية كبيرة وهي قضية التكفير...


الجواب :

أخي الكريم أحمد وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..

وبارك الله فيك على حرصك وسؤالك وطلبك للعلم والمعرفة في دين الله تعالى .

أخي الكريم : سؤالك هذا حرّك في النفس الكثير من القضايا المهمة، كان أغلبها في نفسي له محل الضيق؛ ذلك بأن هذه المسألة "العذر بالجهل" مسألة قديمة، وخاضت فيها بلادنا في فترة الثمانينات لسنوات لا بأس بها، وسقط فيها أقوام وتنبه له آخرون، وظهرت وقتها وتحديدا في مدينة بنغازي ، ظاهرة "التكفير" في عدد من الشباب المتدين ، وظهر فكر "التوقف والتبين" في فئة أخرى منهم، والتوقف والتبين يعني عدم الحكم على الناس لا بكفر ولا بإسلام حتى يتبين أمرهم.

ومما يؤسف له أن يعود الحديث إليه اليوم بعد مرور ما يقرب من عقدين من الزمان ، ولأجد مثل هذه الأفكار تشغل بعض الشباب الطيب من أمثالكم ، في وقت الأولى فيه الاهتمام بكثير من القضايا العملية الهامة التي تشغل الوطن والمواطن .

دعـاة .. وكفى

قبل أن ندخل في هذه المسألة ـ العذر بالجهل ـ يجب أن يتضح لكل مهتم ومتصدر لها بأن الداعية إلى الله وكل مسلم، دوره هو الدعوة إلى هذا الدين الوسطي السمح، بوسطية في الفكر والسلوك والاعتقاد والممارسة الدعوية، ومن أبرز أسس هذه الوسطية في الفهم والتطبيق لهذا الدين، أننا دعاة إلى الله تعالى، ولسنا قضاة نحكم على الناس، علينا واجب البيان والتبليغ، وبأحسن الطرق، وهذا ما يسألنا عنه ربنا يوم القيامة، ولن يسألنا أن فلانا عمل كذا ولم تحكم عليه وقتها!

ولو كان الحكم على الناس أمرا شرعيا ، لأشاع النبي عليه الصلاة والسلام أسماء المنافقين في المدينة ، ونشر أسماءهم لكل الناس ، ولكنه عليه الصلاة والسلام يعلمهم بحكم الوحي والنبوة ، وخصص لمعرفة هؤلاء صحابيا واحدا ، هو سيدنا حذيفة بن اليمان رضوان الله عليه ، والذي كان عمر بن الخطاب يجري خلفه في الطرقات بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام يسأله عن اسمه إن كان ذكره النبي عليه الصلاة والسلام من المنافقين أم لا ، فلو كان الحكم على الناس ومعرفة كفرهم وإسلامهم أمر واجب ، لما كتم عليه الصلاة والسلام أسماء أولئك المنافقين ، ولعرّف المجتمع الإسلامي " الناشئ " على مخاطرهم ومكرهم ، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك ، لأن هذا ليس هو دورنا مطلقا .

فأول النقاط أننا دعاة رحمة وخير ، ولسنا قضاة نصدر الأحكام على هذا وذاك .

ودعـاة عـلى وعـي .. لا مجرد نصوص

ثاني منطلق أساسي في فهم مسألة العذر بالجهل ، هو فهم الواقع الدعوي ؛ فقد تكلم الفقهاء قديما عن بلوغ الدعوة إلى الناس ومدى شيوع العلم بشرائع الإسلام فيهم ، ودون التاريخ كلمة راقية جدا لعمر بن عبد العزيز حين تولى الخلافة فقال رضوان الله عليه وهو ينصح وزيره ، قال : " افشوا العلم حتى يعلم من لا يعلم " . حتى ذهب الإمام الغزالي للقوم بأن من يقعد عن تعليم الناس هو على منكر عظيم ، حين قال رحمه الله : ( اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان ، فليس خاليا في هذا الزمان من منكر ، من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف ) الإحياء 2/342 . فالقعود عن الدعوة والنصح والتوجيه والإرشاد هو المنكر ، الذي يجب أن يشغل كل حريص واع ، ويسعى لعدم التلبس بهذا المنكر بالدعوة والإرشاد والتوجيه والبيان بالتي هي أحسن .

ولو أننا سألنا أنفسنا سؤالا صريحا : هل الناس اليوم في مجتمعاتنا أتيحت لهم فرص الاستماع لدين الإسلام الوسطي السمح ، هل انتشرت الدروس والخطب والمدارس والجامعات التي تنشر الإسلام الصحيح ، هل انتشرت بين الناس بشكل كبير ، وهل أتيحت وسائل الإعلام لنشر الوعي بدين الله وفهمه فهما صحيحا كما يحب الله ورسوله ؟ أم أن الواقع على خلاف ذلك ؟

ولنوسع السؤال قليلا : ما هي المؤسسات الدعوية العاملة اليوم في مجتمعنا ؟ وهل هي على فهم شامل وسطي لدين الله ؟ ما هي الجامعات الشرعية التي تعلم طلاب العلم على أسس منهجية سليمة ، لتخرج لنا الدعاة الذين يجوبون كل واد وحي وناد من ربوع البلاد كلها ؟ وزد أنت ما تحب من تساؤلات فرعية أخرى !!

فهم الواقع يقول : إن نشر الوعي الإسلامي في حالة ضعيفة ، ويحتاج لجهود كبيرة جدا ، لا تقدر أن تقوم بها الدولة لوحدها ، ولا يمكن أن تؤدي هذا الدور الطرق الصوفية المنحرفة التي تنشر هذه الأيام ، وفهم الواقع يقول أيضا أن وسائل الإعلام لا تخدم هذا الهدف ، ولا تسعى له بشكل كبير ، ولا توفر عدد كاف من الدعاة العلماء بين أوساط الناس ، ولا تتوفر مراكز ومعاهد شرعية تسعى لبناء الوعي الإسلامي بشكل عميق .

ولنا في قلب النبي .. أسوة

فإن أدركنا ذلك ، فتعال معي لقلب محمد صلى الله عليه وسلم سيد الخلق أجمعين ، وهو النبي العظيم الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وتركها على المحجة البيضاء ، ولم يقصر مطلقا في الدعوة إلى دين الله ، تعال معي ننظر إلى قلبه كيف كان مع غير المسلمين ، قال تعالى في سورة الكهف : ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) . قال ابن كثير : " لا تهلك نفسك أسفا قال قتادة : قاتل نفسك غضبا وحزنا عليهم وقال مجاهد جزعا " . وفي سورة الشعراء : ( لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) وفي سورة فطار : ( فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) لقد كان سيد الخلق يكاد يهلك نفسه تأسفا وحرقة وغيضا ورحمة بأن الكفار لم يكونوا مسلمين ، وهو النبي ! ، فهلا ملكنا بعضا من قلبه عليه الصلاة والسلام ونحن نتعامل مع أهلنا ومجتمعنا المسلم !!

إن الشعوب الإسلامية تعرضت لكثير من الويلات ، وعبر عقود ليست بالقصيرة ، أدت بها إلى هذا الحال من الهوان والضياع والمذلة والانحراف ، ولا يكون أمر إعادتهم إلى الجادة في سنوات قليلة ، فالهدم والنخر والتشويه والتمييع استمر عشرات السنوات ، لابد من معرفة إدراك ذلك ، كي نعرف الواقع اليوم علينا أن نعلم كيف وصلنا إلى هذه الحال ، ومن ثم يكون العلاج بناء على ذلك ، وقل لي برب السماء أتلقى شعوبنا كل هذا العنت والتضييق والتجهيل ثم يخرج من أبناءها من يزيد الهدم هدما ، ومن يرفع معوله في وجوههم بحجة أنه الواعي العالم بدين الله وهم الجهلة؟

تعس داعية يأخذ ظواهر من النصوص دون علم ووعي ، ثم يبدأ في إسقاطها على الناس ، دون أي تحقيق للمناط ، ودون أي معرفة بملابسات الواقع وكيفية التحرك فيه ، ومن أجل ذلك كل الأفكار التكفيرية لم تنجح في أي منطقة من العالم كله ، وبات دعاتها إما منكفئين على أنفسهم ليس لهم من تأثير مطلقا ، أو ممن عاد على الجادة وتاب من فكره المغالي ، أو ممن دفعه الغلو إلى عدم التحمل النفسي فترك كل شي والعياذ بالله !

مخاطر مهـلكة .. وغـفلة مدمرة

هذا .. ولو أننا حكمنا على أحد بالكفر وكنا مخطئين ، فما الذي يترتب على ذلك من أحكام ؟

تعال استمع للشيخ القرضاوي حفظه الله يلخصها في هذه النقاط

الذي ينبغي أن نؤصله هنا هو أن الحكم بالكفر على إنسان ما، حكم جد خطير، لما يترتب عليه من آثار هي غاية في الخطر، منها:

1ـ لا يحل لزوجته البقاء معه، ويجب أن يفرق بينها وبينه؛ لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة لكافر بالإجماع المتيقن.

2ـ أن أولاده لا يجوز أن يبقوا تحت سلطانه؛ لأنه لا يؤتمن عليهم ويخشى أن يؤثر عليهم بكفره، وبخاصة أن عودهم طري. وهم أمانة في عنق المجتمع الإسلامي كله.

3ـ أنه فقد حق الولاية والنصرة على المجتمع الإسلامي، بعد أن مرق منه وخرج عليه بالكفر الصريح، والردة البواح، ولهذا يجب أن يقاطع، ويفرض عليه حصار أدبي من المجتمع حتى يفيق لنفسه، ويثوب إلى رشده.

4ـ أنه يجب أن يحاكم أمام القضاء الإسلامي، لينفذ فيه حكم المرتد، بعد أن يستتيبه ويزيل من ذهنه الشبهات، ويقيم عليه الحجة.

5ـ أنه إذا مات لا تجرى عليه أحكام المسلمين، فلا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث، كما أنه لا يرث إذا مات مورث له.

6 ـ أنه إذا مات على حاله من الكفر يستوجب لعنة الله وطرده من رحمته، والخلود الأبدي في نار جهنم .

انتهى كلام القرضاوي، ولك أن تتخيل أننا حين نحكم على شخص بالكفر لجهله، فإن ذلك يعني أنه مخلد في النار!، لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويجب أن يفرق بينه وبين زوجته وإلا كان زنا، ويفرق بينه وبين أولاده لأنه لا يؤتمن عليهم ... ولتصور هذه الحالة فإن الحكم بالتكفير قد يطول أقرب الناس ، حتى الوالدين ، ولك أن تتخيل حال ذلك المطلق لحكم التكفير حين يقول بأن أحد والديه غير مسلم بجهله ، وأن بقاء الأم مثلا معه أمر لا يجوز ، فما يكون المطلق للحكم ؟ ابن حلال وعقد شرعي أم ابن زنا ؟؟ ....... متاهة لا تنتهي أبدا إلا بالضياع التام ، وتعمدت أن أذكر ـ أخي الحبيب ـ هذا المثال لأن البعض يسهل عليه الحكم على الناس ، وحين يصل لهذه النقطة يخاف !! يخاف لأنه وصلته هو ؟!

نُسب إلى الإمام مالك ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : من صدَر عنه ما يَحتمل الكفرَ من تسعة وتسعين وجهًا ويَحتمل الإيمانَ من وجه حُمل على الإيمان (فقه السنة جـ 2 ص 453) ورُوي عنه أنه قال : إنما كَفَّ رسولُ الله عن المنافقين ليبيِّن لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه .

هذا هو فقهنا يا أخي الكريم وليس القفز إلى التكفير مطلقا .

" وهذه الأحكام الخطيرة توجب على من يتصدى للحكم بتكفير خلق الله أن يتريث مرات ومرات قبل أن يقول ما يقول. لقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الأخذ بظواهر المسلمين وحسن الظن بهم : "من شَهِد أن لا إله إلا الله ، واستقبَل قبلتَنا ، وصلَّى صلاتَنا ، وأكَل ذبيحتَنا فهو المسلم ، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم" (رواه البخاري) .

ونهى عن قتال مَن لهم مسجد أو يؤذَّن فيهم ، فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا غزا قومًا لم يَغْزُ حتى يُصبِحَ ، فإذا سَمِعَ أذانًا أَمسَكَ ، وإذا لم يَسمَعْ أذانًا أغار بعد ما يُصبِحُ (رواه البخاري) وفي رواية : وسمع رجلاً يقول : الله أكبر الله أكبر . فقال : "على الفطرة" ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله . فقال : "خرَجتَ من النارِ" (رواه مسلم) وعن عصام المُزَني قال : كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا بعث السرية يقول : إذا رأيتم أو سمعتم مناديًا فلا تقتلوا أحدًا" (رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه) .

وعن أبي سعيد الخدري قال : بعث عليٌّ وهو باليمن إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذُهَبية ، فقسمها بين أربعة ، فقال رجل : يا رسول الله اتق الله . فقال : "ويلك ، أو لستُ أحقَّ أهل الأرض أن يَتقيَ اللهَ!" ثم ولَّى الرجل ، فقال خالد بن الوليد : ألاَ أضرب عنقه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : "لا ، لعله أن يكون يصلي" فقال خالد : وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه يا رسول الله ! فقال له صلى الله عليه وسلم : "إني لم أُومَرُ أن أَنقِّبَ عن قلوب الناس ولا أَشُقَّ بطونَهم" مختصر من حديث متفق عليه (نيل الأوطار جـ 1 ص 367) .

العـذر بالجهـل؟ .. بل رحمة الله أوسع

‏في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ ‏ ‏اذْرُوا ‏، ‏نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ ؛ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ . ) .

وفي سنن ابن ماجة من حديث حذيفة بن اليمان رضوان الله عليه ، قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( " يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ‏ وَشْيُ الثَّوْبِ ، حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا ‏ ‏نُسُكٌ ‏ ‏وَلَا صَدَقَةٌ ، وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَحْنُ نَقُولُهَا " . فَقَالَ ‏لَهُ ‏صِلَةُ :‏ ‏مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا ‏ ‏نُسُكٌ ‏ ‏وَلَا صَدَقَةٌ ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ‏حُذَيْفَةُ ‏ ، ‏ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ ‏حُذَيْفَةُ ،‏ ‏ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ يَا ‏ ‏صِلَةُ ‏ ‏تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ ثَلَاثًا . ) . ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم

ففي الحديث الأول يا أخي أحمد قصة رجل جاهل مسلم ، جهل أن الله تعالى يقدر أن يجمع تراب جثته بعد حرقه !! ، وهذه مسألة في الاعتقاد ، وحين سأله ربنا الرحيم الودود عن سبب ذلك الفعل منه ، أجب ذلك العبد بأن الدافع له هو " خشية الله " ، فغفر الله له جهل في مسألة اعتقادية ، لأنه يخشى الله تعالى .

ولك أن تتخيل موقف داعية غير فقيه ، حين يطرح عليه أحد المسلمين العصاة نفس الفكرة ، فكيف سيكون جوابه ؟؟ غالب الذين يخوضون في هذه المسائل التكفيرية يكون ردهم ، أكثر شدة من جواب رب العالمين على ذلك الرجل !!! تأمل ! ، وتأمل أيضا أن الرجل في نص الحديث لم يعمل حسنة قط !! ، أي أنه من كبار العصاة ! ، وأنظر كيف كان جواب رب العالمين . وفي الحديث الثاني يا أخي العزيز تصوير لحالة تصل لها الأمة ، يكون فيها الناس لا يعرفون شيئا من الإسلام إلا ترديد الشهادة ، وقد اعترض الصحابي الجليل صلة بن زفر على راوي الحديث سيدنا حذيفة ، أن ما تفيدهم لا إله إلا الله دون صلاة وصيام ونسك ، فأعرض عنه حذيفة استنكارا لسؤاله ؟! ، ثم ردد عليه في الثالثة : ( تنجيهم من النار ، تنجيهم من النار ، تنجيهم من النار ) .

هناك الكثير من الأدلة في المسألة، ولي دراسات فيها منذ سنوات طويلة، ولكني أحببت أن أضع لك فقط هاذين الحديثين، كي تتأمل بين الجهل الاعتقادي وكيف يغفره الله، وبين الجهل بفرائض الإسلام العملية، وكيف أن الشهادة تنجي من النار، وماذا بقي بعد الاعتقاد وفرائض الإسلام!؟

فكن أخي ذلك الداعية الواعي الفقيه ، الذي يدرك الواقع و حال الأمة الضعيفة ، صاحب القلب الرقيق الرحيم بالناس ، وانتبه للمخاطر والمهالك في هذا الفكر الخارجي المعاصر ، ولا تكن أكثر رحمة من الله بعباده ، ثم الله ولي داعية نشط يحمل في قلبه قلب النبي ، ثم لا يزال عاملا .

مع خالص الوداد ...*
________________________

(*) استشارة وردت لموقع الشبكة الليبية libya-web.net


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home