Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
الأثنين 25 مايو 2009

        
        
        

عودة الشهيد إلى الكتابة (11)

الشهداء يستقبلون فتحي الجهمي

للأسف لم نصل إلى مقبرة الهواري جنوب بنغازي، عندما دفن الشهيد فتحي الجهمي، ولكننا وصلنا بعد أن انفض العدد القليل من المشيعين، كان معظمهم من أقاربه، وهو ما لم نتوقعه في مدينة عرفت بانتفاضاتها وصلابتها، ولا ندري شيئا عن الإجراءات التي اتخذها النظام ليمنع الناس من المشاركة في تشييع الجنازة.

سرنا مثل سنافر صغيرة زرقاء بين القبور حتى وصلنا إلى قبره، مكثنا هناك حتى غابت الشمس، وأنتشر الظلام فوق تلك المقبرة الموحشة. كنا قد تعودنا النوم في المقابر، وخاصة فوق قبر صاحبنا ضيف غزال، منذ أن بترنا من يده الكريمة الشجاعة، بل أننا وجدنا المقابر أكثر أمنا وسكينة من عالم البشر الأحياء، وبينما نصغي لأصوات السيارات ومنبهاتها وهي تأتي من بعيد، انزاح تراب القبر من تحتنا، وتدحرجنا وما أن أزحنا ما تبقى من تراب عنا، وتمكنا من الرؤية من جديد، حتى رأينا الجهمي يقف في قبره، وهو في أفضل أحواله، كانت تحيط رأسه هالة من نور، وكان قد استعاد لون بشرته الطبيعي، وما خسره من وزنه خلال سنوات محنته ومرضه، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يستيقظ فيها منذ أن دخل في غيبوبة كاملة يوم الرابع من مايو.

قبل أن نستيقظ من المفاجأة رأينا القبور تنفتح ويخرج منها الشهداء، وهم مثل الجهمي بأكفانهم الناصعة البياض، بينما تحيط برؤوسهم هالات مضيئة. لاحظنا أن قبورا كثيرة لم تنفتح ولم يخرج ساكنوها، فاستنتجنا أنهم أموات عاديون ولم يحظوا بالشهادة.

وقبل أن يبدأ الشهداء في احتضان الجهمي هبط على المقبرة شهداء آخرون، جاءوا من جميع أنحاء ليبيا، وبينهم من جاء من أصقاع العالم، كان بينهم كل من سقط برصاص القذافي في شوارع أوروبا، كانوا يهبطون مثل طيور بيضاء كبيرة على مقبرة الهواري، وبالرغم من غياب القمر إلا أن الرؤية كانت واضحة، بحيث كنا نرى ملامحهم بوضوح شديد، وأول من رأيناه بوضوح كان صاحبنا ضيف الغزال. هرولنا نحوه مسرعين، فرفعنا بيده اليمنى وقبلنا واحدا واحدا، كانت يده قد استعادت الأصابع التي بترت، فأخذنا نتأمل أنفسنا وكيف كنا قبل أن نتحول إلى كائنات صغيرة زرقاء.

رفعنا صاحبنا فوق رأسه فرأينا المشهد كاملا، كان الشهداء يحيطون الجهمي من جميع الأنحاء عندما تقدم منه عمر المختار، بلحيته البيضاء، وبوجهه الضامر، وهو يحتضنه بقوة، ويهنئه بالشهادة، ثم توالى بقية الشهداء الذين كان صاحبنا يردد على ما سمعنا أسماءهم. الفضيل بوعمر، يوسف بورحيل، الباروني، كعبار، بن عسكر، قجة، جعودة، سعدون، البوسيفي، بل كان هناك حتى غومة، وعبد الجليل سيف النصر، مع آخرون قاتلوا الأتراك. لم يكن الجميع في أكفانهم، رأينا قتلى حروب القذافي الخاسرة في ملابسهم العسكرية، ورأينا عمر دبوب وزملاءه اللذين علقوا على أعواد المشانق في الشوارع والجامعات بملابسهم المدنية، كما رأينا شهداء عام 1984 وفي مقدمتهم أحمد حواس، وشهداء بوسليم، ورأينا الأطفال الذين حقنوا بمرض الأيدز، وهم مرفوعين على أكتاف الشهداء، والذين تعلقوا بعنق الجهمي، مما جعله يبكي من التأثر، وفجاءة خرج من بين الجموع، الشهيد علي عبد العزيز الفاخري وقال بصوت جهوري، يشهد الله وأشهدكم أيها الأبرار أنني لم أنتحر في زنزانتي، بل شنقوني فيها. لقد تحملت الأهوال في سجون الأمريكيين، والباكستانيين، والمصريين دون أن أفكر في الانتحار، فكيف أفكر فيه وأنا فوق أرضي.

قبيل الفجر عاد الشهداء من حيث أتوا، أما شهداء الهواري فدخلوا مرة أخرى إلى قبورهم، التي انغلقت عليهم، وكأنها لم تفتح منذ أن دفنوا، أما نحن فقد تكومنا فوق قبر صاحبنا، وغرقنا في نوم عميق، بينما المدينة العنيدة المكابرة تستيقظ ليوم جديد لا أحد يعلم كيف سينتهي، ولكن مثلما قال الشهداء في الليلة الماضية، سوف لن يتوقف الأحرار حتى يستعيدوا بلادهم من الفاشيين، مثلما استعادوها من الطليان والأتراك.

أصابع ضيف غزال


        
        
        

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home