Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelnabi Abousaif Yasin


Abdelnabi  A. Yasin

Sunday, 14 January, 2007

 

شهداء، وأحداث يناير.. دائماً فى الذاكرة
( 2 من 2 )

عبدالنبى أبوسـيف ياسـين


شهداء يناير عام 1964

بنغـازى فى 14 يناير :

لبست وتسللت مبكراً هذا الصباح لتجنّب المواجهة المريرة مع والداي.. وخصوصاً، وجبهتى أصبحت ذات ألوان زرقاء/ خضراء.. وأيضاً، قبل أن تصل سيارة وشاويش الشرطة التى وعد بها الأفندى إلى البيت.. ..
قررت أن أذهب للمدرسة للتشاور مع زملائى ضحايا ليلة البارحة الأليمة..
ولم يكن يخطر على بالى.. بأن صباح هذا اليوم.. سيكون أشد إيلاماً.. ودماً ونارا..
وسيجعل ( كلّ ) مدينة بنغازى تتأرجح على شفة بركان.

ذهبت وزملائى لمقابلة مشرف المدرسة الأستاذ سالم المكلوب.. بعد الإتفاق على رواية معينة.. وحكينا له ما جرى لنا.. مع بعض التحريف البسيط!.. وأخبرناه أننا بعد التصفيات.. أردنا الذهاب إلى المكتبة الأمريكية بـشارع عمر المختار.. لإستعارة بعض الكتب!.. وأبرز بعض منّا بطاقات اشتراك المكتبة الأمريكية.. تأكيداً على صدقنا!.. ( كنّا وقتها فعلاً فى جشع دائم للقراءة )..
وقلنا له بأننا لم نسمع بالمظاهرة الجامعية إطلاقاً!.. ولكننا أمام الجامعة وجدنا الكثير من الحجارة.. فترجّلنا من على دراجاتنا كى لانقع من عليها.. وإذا بالشرطة تهجم علينا وتضربنا وتعتقلنا حتى منتصف الليل.. وبأن الشرطة أبلغتنا أنها ستكاتب وزارة التعليم لطردنا من الدراسة نهائياً.. وأريناه أثر الضرب فى ظهورنا ورؤوسنا وأطرافنا.. وترجّيناه أن يبلّغ الناظر، الأستاذ محمد المرتضى بالأمر لينقضنا من هذا المصير الذى لا نستحقه..
تعاطف الأستاذ سالم – وهو الشديد من عادته – ووعد بأنّه سيدحث الناظر بالخصوص فلنطمئن..

سُعدنا بهذا الوعد.. وقررنا تعكيس الحصة الأولى.. إحتفاءاً به.. ولأننا أيضاً كنّا نكاد أن نموت من شدّة الجوع.. إذ لم نذق شيئاً منذ إفطار الأمس بالمدرسة.. فاتجهنا إلى المقصف والسندويشات والمشروب.. ونسينا شكاوى وآلام رؤوسنا وأطرافنا ومواخيرنا.. من شدّة الفرح.

عدنا لفصولنا وللحصة الثانية.. وإذا بالهرج والمرج بالممرات والفصول.. وإذا بأعضاء إتحاد طلبة المدرسة يحثوننا على التظاهر.. مساندة لطلبة الجامعة والمطالبة بذهاب الملك للقمة العربية.. ولا تنازل عن ذلك المطلب..
فقلت لزملائى بالمحنة.. بأننا مش ناقصين مشاكل.. ونحن فوق ذلك، مهددين بالطرد.. وشبعنا من ضرب وركلات جنود القوات المتحركة ما كفانا ويزيد.. غير أنّ تحريض زملائنا فى الفصل تغلّب علينا.. وتبعناهم على مضض بإتجاه المقصف مجدداً.. ومن ثمّ، لشارع الإستقلال.. وتواجدنا بقصد أو بغيره.. فى الربع الأخير من المظاهرة.. وتقدمنا.. صارخين وهاتفين وحاملين بعض صور الملك التى انتزعناها من الفصول..
تقدّمت المظاهرة فى إتجاه الديوان الملكى الغير بعيد من المدرسة.. ورأيت وزملائى برعب.. رتلاً من شاحنات القوة المتحركة.. تغصّ بجنودها وبكامل عتادهم الحربى.. فى شارع جانبى.. محاذ لمستودع – جراج - شركة الأتوبيسات.. ونبهّنا من حولنا بالخطر القادم.. غير أنّ المظاهرة استمرت.. وقبل أن تصل إلى الديوان.. بدأ هجوم الشرطة والعساكر من كافة الإتجاهات.. وتشتت صفوف المظاهرة.. فبعضها أسرع إلى الأمام لمجابة الهجوم.. وتوفّرت لهم كميات مأهولة من الحجارة فى لمح البصر.. والجزء الأكبر من المظاهرة.. عاد إلى داخل سور المدرسة ومن ثمّ إلى الفصول.. ولاقوا الويل بداخلها..
والجزء الى كنت فيه.. ولله الحمد.. لم يعود لداخل المدرسة.. وإنما تقهقرنا فى نفس الشارع، بإتجاه سيدى حسين.. واحتمينا خلف مبنى – صار فيما بعد للشرطة والبطاقات الشخصية - .. ومن هناك بدئنا التراشق مع جنود المتحركة، بالحجارة..
وكان يقود حملات التصويب، على البيجو.. الذى كان يخرج الى مسافات عميقة، بإتجاهم.. ويرمى ما فى يديه، ثمّ يعود للتسلّح بالمزيد..
وفى إحدى تلك المرات المتتالية.. وهو فى وسط الشارع.. سمعنا صوت الرصاص، لآوّل مرّة.. وصاح من أفادنا، بأنّهم أصابوا على البيجو بالرصاص.. ذلك الفتى الشجاع..
ويقال بعدها، أنّ قنّاصاً.. تأهب له خصيصاً فى إحدى طلعاته.. بركبة ونصف.. وأصابه..
كما قيل أنّ ذلك القنّاص.. لم يكن سوى قائد تلك القوّة.. وهو مقدماً يدعى أحمد حسين..
والله أعلم..
رحم الله شهيدنا البطل.. على الأمين البيجو.

انفلت بعدها دويّ إطلاق النار فى كل صوب.. وبصورة.. لن نعهدها أبداً.. وبكثافة لم تعرفها بنغازى منذ الحرب العالمية..
ثمّ توجّهت نحونا أعداداً كبيرة من جنود يطلقون الرصاص دون هوادة.. فى اتجاهنا وفى الهواء.. وفى كل إتجاه.. انفلت زمام الموقف تماماً وبدرجة مخيفة.. ولم نكن سوى صبيان صغار!..

هرعنا على الفور– وعلى وجوهنا – تقريباً – بإتجاه مقبرة سى حسين.. ولا أدرى إلى اليوم، كيف تخطينا سورها.. وقبورها.. فى بضعة خطوات قليلة؟.. واتجهنا بعدها شمالاً بإتجاه حى السكابلى.. ومنه لمعهد دى لا سالى.. ومنه لمدرسة الأمير، بسرعة البرق..

ووصلنا عبر شارع عمرو بن العاص.. الى ميدان عمر طوسون – الشجرة – فى دقائق..
وإذا بالموقف هناك يشتدّ تأزماً.. فانضممنا لمجموعة من راشقى الحجارة.. وأذكر منهم جارى وصديقى القديم.. محمود شمّام.. ومرّة أخرى، صالح النقّاز.. وسالم أبوشريدة.. ومفتاح زايد.. وآخرين لا تسعفنى ذاكرتى بتذكّرهم على وجهه التحديد.. وداهمتنا تعزيزات غزيرة من المُتحركة.. سكبتهم أمامنا الشاحنات فى ميدان الشجرة..

فانسحبنا إلى شارع ( فيّا تورينو).. شبه الزقاق.. ولحق بنا الجنود بأسلحتهم.. ورصاصهم وحجارتهم.. وبهراواتهم.. وبتغّول شديد.. وشاهدت سقوط محمود شمّام.. ولم نكن ندرى، أسقط برصاص أو بحجارة؟.. لاكننا، عندما رأينا الجنود يضربونه ويركلونه، وهو ملقى على الأرض.. عرفنا أنه على قيد الحياة.. على الأقلّ.. ولم نستطع الإنتظار.. فكانت مجموعة أخرى من المتحركة، تندفع نحونا بسرعة مخيفة.. فتوزعنا بين زقاقين.. أولهما زقاق إلى اليسار، وكنت ضمن من اختاروه.. والآخر، كان يميناً، ورأيت صديقى سالم وصالح من ضمن من إختاروه..

( عرفت فيما بعد، أنّ مجموعة صالح وسالم ومفتاح، وغيرهم الكثير.. توجّهت عبر سوق الحوت.. وشارع عمر المختار.. إلى مقرّ قيادة الشرطة.. خلف المحافظة.. وبدؤا يقصفونها بالحجارة.. وأصيب سالم، بطلقة مباشرة فى صدره.. نفذت من ظهره.. وتجنّبت قلبه بأقلّ من أجزاء قليلة من الميليمتر.. فعاش، بعد أن أُسعف بالطائرة..على حساب الدولة فى لندن على الفور..

المحزن حقاً.. أنّ رفيقه وصديقنا.. صالح مسعود النقّاز.. عندما شاهد صاحبه سالم، يصاب فى الصدر.. وفى جهة تكاد أن تكون فى صميم القلب.. ركض واء سيّارة الإسعاف.. التى نقلت سالم إلى مستشفى " الإدفنتيست " – القديم – والمجاور للديوان الملكى آنذاك.. وهناك، إنضمّ صالح.. إلى جمهرة الطلبة أمام المستشفى.. وأولياء أمور الطلبة الغاضبين.. فى تحدّى قوات الأمن والمُتحركة.. ورميهم بالحجارة.. فأطلقت عليهم القوات النيران.. وأصيب، صالح مسعود النقّاز.. فى صدره.. بعد دقائق من وصوله.. ولكن مع الأسف.. لم تتجنّب تلك الإطلاقة.. قلبه هذه المرّة.. رحم الله شهيدنا صالح مسعود النقّاز..)

أمّا للمجموعة التى كنت من ضمنها.. وجدنا أنفسنا بانعطافنا.. مرّة أخرى فى شارع الإستقلال.. وهو آخر مكان، توّد أن تكون فيه ذلك اليوم العصيب.. وأصوات إطلاق النيران فيه تكاد لا تتوقف..
فعبرناه بسرعة البرق.. إلى شارع إدريان بيلت..
وهناك لاقتنا دورية أخرى من المتحركة.. فى سيارات " شمب ".. و " لاندروفر " ..
ولم ننتظرهم، حتّى يترجّلوا لملاقاتنا.. فتبعثرنا فى كلّ إتجاه..
فاتجهت بدورى.. إلى بوابة جانبية لمستشفى الأخوان " بوردوشمو".. عندما تذكرت.. أنّ جدّى، ووالد الوالدة.. الحاج صالح بوخمادة.. أُحضر من اجدابيا للمستشفى .. وينتظر إجراء عمليّة به منذ أيّام.. فدخلت هائماً على وجهى إلى الدور الأرضى.. وإذا بالمستشفى يغصّ بالجرحى والمصابين من الطلبة.. والدماء والألم.. فى كلّ مكان فيه.. وبصعوبة بالغة.. وجدت الحجرة التى بها جدى.. لكننى، وجدته والغضب يتطاير من عينيه.. جالساً على سريره.. وعكازه فى يده متأهباً للعراك.. وسألنى: الكلاب جايين وراك حتّى انت؟.. فقلت له لا أظن يا جدّى.. وسألته كيف عرف؟..

فقال لى أن شقيقى محمود، كان عنده منذ دقائق.. وأن اثنين من المتحركة كانوا يطاردونه.. إلى داخل حجرة جدى.. فطاردهم جدى بعكازه حتى خارج المستشفى.. حمدت الله أنّ شقيقى بخير هو الآخر.. وبقيت فى حجرة جدّى، حتّى حلول المساء.. وأحضرت "السوريلات" له ولى أيضاً .. شربة دجاج وخبز للعشاء.. قبل أن أغادر المستشفى، متسللا إلى البركة.. عبر الرويصات.

رحم الله شهدائنا : مفتـاح بن حـريـز. وعلى لامين البيجو. وصالح النقّاز.

الـزاويـة فى 14 يناير :

إذا كانت طرابس.. هى طرابلس الغرب، أحياناً.. فإنّ مدينة الزاوية البطلة.. هى بنغازى الغرب.. دائماً.. ورحم الله شهدائنا فيها يوم 14 يناير وهم :
مـحـمـد بـودربـالة . ورمـضان عـلى زعـميـط . ومـحـمد أحـمـد .

ودمتم،

عـبدالنبى أبوسـيف ياسـين
Abuseif@maktoob.com


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home