Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelnabi Abousaif Yasin


Abdelnabi  A. Yasin

Saturday, 13 January, 2007

 

شهداء، وأحداث يناير.. دائماً فى الذاكرة
( 1 من 2 )

عبدالنبى أبوسـيف ياسـين


شهداء يناير عام 1964

بنغـازى فى 13 يناير :

كشاهد على عصر.. أو بالمنعى الأدق.. كـ صبي معاصر لـ كارثـة..
لا يجب أنّ تتكرّر، إطلاقاً.. بل، ووفاءاً لشهدائنا.. لا يجب أنّ تـمـرّ مرور الكرام..
أو نسمح بنسـيانها أو بتهميشها.. حتّى ولو، تلتها كوارث أخرى.. كانت قطعاً أفضع..
وأشدّ.. من تلك أحداث.. فى ذلك اليناير من عام أربعة وستين.

حينها، كنت فى السادسة عشر من العمر، وفى الفصل الأوّل الثانوي.. بمدرسة بنغازى الثانوية..
وفى يوم 13 يناير، وبعد ظهره بالتحديد.. كنت من ضمن فريق فصل أولى ب.. كحارس مرمى.. فى تصفيات المدرسة ( السداسية ) لكرة القدم بين الفصول..

ويشاء القدر.. أن يكون من ضمن الفريق الخصم فى ذلك اليوم.. المرحوم على الأمين البيجو..
( الذى " سيستشهد " قبيل ظهر اليوم التالى)..
ومع ذلك لم يكن ذلك.. هو آخر لقاء لى معه قبل رحيله.. فى ساعاته تلك المعدودة.. رحمه الله.

جائنا بعد انتهاء المباراة.. من يُـخبرنا.. بأنّ مظاهرة ضخمـة قام بها طلبة الجامعة قبل ظهر ذلك اليوم.. تحتج على إنابة الملك رحمه الله.. وليّ عهده رحمه الله.. لحضور مؤتمر القمّـة العربية.. بالقاهرة.. وتطالب بذهاب الملك إلى القمة.. وأنّ مواجهة عنيفة.. قد حدثت بين طلاّب الجامعة والشرطة.. واعتُـقل الكثير من الطلاب.. وجرح الكثير.

كنت مع عدد زمـلائى من الطلبة.. وأذكر منهم محمد المهدوى (نكس).. وعبدالله حجازى.. وحسن الجربى.. وبعض زملاء لا أذكرهم الآن.. وإقترح أحدهم، بفضول وحماس الصبية..
أنّ نتوجّه لمقر الجامعة الليبية.. بقصر المنار.. فوافقناه، رغم تحذير الراوى لنا، بأنّ محيط الجامعة آنذاك.. ملآن بالشرطة وبجنود القوّة المُـتحركة..
غير أننا أخذنا درّاجاتنا الهوائية وانطلقنا صوب شارع الإستقلال.. ومكان الحدث.
عند مرورنا من أمام شركة " ليبيلكو".. على زاوية زقاق متفرّع من شارع الإستقلال..
استوقفنى صديقى.. سالم أبوشريده.. وكان معه المرحوم صالح مسعود النـقّاز.. ونصحونا بأن لا نستمر.. لأنّ شارع الإستقلال، أُخليّ تماماً، وتمّ إيقاف مرور السيّارات فيه.. كما هومليئ بأعداد كبيرة من الشرطة والقوة المتحركة..
وقال لنا سالم ضاحكاً.. بأنّنا سوف لن نرى شيئاً سوى ( الحيط والكندارية(*) )..
( لم نكن نعلم بالطبع، بأن صالح وسالم.. سيصابا بإطلاقات نارية قيل ظهر اليوم التالى فى صدريهما.. ليستشهد الأول.. وينجو الثانى، بمعجزة.. )

تجاهلنا تحيذراتهما لنا.. وانطلقنا فى إتجاه تلك المسافة القصيرة بيننا وبين الجامعة..
وبالفعل.. لم يكن أمام قصر الجامعة وميدانه.. غير أكوام مبعثرة من الجحارة.. تطلّبت منّا جهداً كبيراً فى تفاديها من على درّاجاتنا.. وعطفنا بعدها صوب الكورنيش.. علّنا نجد شيئاً مثيرأ فى حديقة الجامعة الخلفيّـة، الجميلة.

وهناك، تكرر نفس المشهد بالنسبة لكثافة الحجارة على طريق الكورنيش.. غير أنّ فضولنا قادنا الى تسلّق سور الجامعة الخلفى، القصير.. عسى أن نرى شيئاً مثيراً.. غير أننا لم نرى شيئاً بجانب أكداس الحجارة.. سوى أعداداً من الكراسى والطاولات المهشّمة فى أرجاء الحديقة.. وبعد أن شبعنا نظراًً وتعجباً.. أخذنا بشكليطاتنا.. وأتجهنا على طريق الكورنيش.. فى إتجاه المدرسة
وصوب الكاتدرالية الكاثوليكية..
وهناك.. ومن خلف أشجار حديقتها.. إنهالت علينا، وعلى البشكليطات.. الهروات من كلّ صوب..
وسقطنا، الواحد بعد الآخر.. وشبعنا الواحد بعد الآخر.. ركلاً وضرباً مبرحاً.

حشرونا بعدها فى ذيل سيارة لاندروفر.. وبشكليطاتنا فى ذيل أخرى.. وانطلقوا بنا صوب قيادة الشرطة والقوة المتحركة.. خلف قصر الولاية سابقاً.. والمحافظة آنذاك.

كان مجرد الدخول إلى ذلك المكان، رهيب فى حد ذاته.. فما بالك عندما رأينا مئات الجنود من القوة المتحركة.. يملئون كل ساحات وممرات المبنى.. بعتادهم الحربى الكامل.. وتعمّـد معتقلونا أن يمررونا من بينهم.. فصيلاً، فصيلا.. واستلمنا من كل الفصائل.. ما استلمنا عبرهراواتهم وأحذيتهم الضخمة.. وسمعنا من تعليقاتهم ما سمعنا.. كان أخفها: عويلة المستكة.. وعويلة ماما.. وعويلة حنّا!..
وضعنا مخطتفينا.. فى زنزانة كبيرة.. ولاحظنا أن بقية الزنزانات تغصّ لخشومها بالنزلاء.. ربما، من طلبة الجامعة المتظاهرين.. وتم جرّنا الواحد تلو الآخـر، بعد ذلك ، للتحقيق..
الذى يبدأ به الضابط المحقق بعبارة غاضبة: نهارك أسود يا فرخ الفروخ.. شنو درت؟!..
حاول كلّ منّا أن يُثبت للأفندى.. بأننا طلبة ثانوية لا جامعة.. ولا علاقة لنا بالجامعة.. وأننا كنّا نلعب الكرة.. وأحذيتنا وسراويلنا هاهى.. يعلوها التراب والغبار.. وهى خير دليل على ذلك..
كما يمكن للأفندى سؤال مدرّس الرياضة ومشرف البطولة .. الأستاذ سعد اسنيدل..
ولكن الأفندى لم يصدّق أحداً منّا.. وطلب كافّة البيانات.. من إسم ولّي الأمر.. إلى العنوان..
وإلى أيّ تنظيم، ناصرى/ بعثى/ شيوعى/ كرنكاطى ، ننتمى.. ومن حثـنا على التظاهر؟..

أعادونا، الواحد تلو الآخر، بعد كلّ تحقيق، لصقيع تلك الزنزانة البغيض..
بعد منتصف تلك الليلة ، بقليل.. دخل علينا ضابط التحقيق.. وقال لنا بأنه سيبعث لكل منا سيارة صباح الغد.. ومعها شاويش لإحضارنا مع آبائنا أو أولياء أمورنا.. وبأنّ مديرية الأمن..
ستكاتب وزارة التعليم، من أجل طردنا من الدراسة كليّاً، وفى كافة أنحاء المملكة.. ولن نتحصّل بعد اليوم على شهادة الخلو من السوابق أبداً، بفعلتنا هذه.. وعندما تجرأ وسأله أحدنا عن البشكليطات؟.. ضحك الأفندى وقال بأننا سوف لن نراها أبداً بعد تلك الليلة السوداء..
رجعت ومن معى من قاطنى البركة، على الأقدام.. ونحن نتحسس الأوجاع والكدمات..
ونحن نتخيّل، موقف مواجهة آبائنا من هذا العار.. الذى سيحلّ بهم بسببنا.. حينما نُطرد من كافة المدارس؟
بل، وكيف سنفسّر لهم ضياع.. حتّى البشكليطات.. وهى الطـامـة الأعظم.. من وجهة نظرنا!..
تسلّلت إلى البيت.. تلك الليلة قاطع الأنفاس.. ولكن، لم يشعر بتأخرى.. أو بعودتى أحد.. بفضل شقيقى محمود الذى كان فى انتظارى – قلقاً – فى – راس شوكة – الشارع.

ولنا غداً، يوم 14 يناير.... لقاء.

عـبدالنبى أبوسـيف ياسـين
Abuseif@maktoob.com
________________________

(*) كندارى.. وبالجمع " كندارية ".. كانت تطلق على أفراد القوة المتحرّكة.. ليس لجلافتهم فحسب.. بل للأحذية الإنجليزية ذات المقدمة شبه الحديدية التى كانوا يرتدونها.. وبالطبع الكندرة تعنى حذاء.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home