Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abdelnabi Abousaif Yasin


Abdelnabi  A. Yasin

Saturday, 12 May, 2007

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الحلقات ( من 1 إلى 19 )

الحلقة 25   الحلقة 24   الحلقة 23   الحلقة 22   الحلقة 21   الحلقة 20
                                                                 الحلقة 28   الحلقة 27   الحلقة 26

محطّات ليبيّة (24)

عبدالنبى أبوسـيف ياسـين

مـحـطـة حـزن



          لمَ لمْ نُمجّد ذكرهم ياصاحبى          ونـذكر فضـلهم وهم أحـيـاء؟
          لمَ يا أخـى تأتى الإشادة آجلاً          يـحـلو لنا بعـد الأوان رثــاء!

          فقيد الوطـن : الأستاذ عبدالحميد البكوش
(1)

رحم الله فقيد الوطن.. المحامى الناجح.. ورجل الدولة المحنّـك.. والمعارض الخلوق الذى كان على مبدأ.. لا يتزحزح.. ولا يترنّح.. ولا يتجنّح, وفق مكاسب شخصية.. وهو كذلك الكاتب والشاعر المتمكن.. وهو فوق وقبل كلّ شئ.. الليبي..الأصيل, الأصيل.

لقد التقيت بهذا الرجل فى الصبا وفى المشيب.. وفى الفترتين, ظهر لى هذا الرجل, وظلّ فى عينيّ عملاقاً, يفرض على الكل احترامه, رغم قصر قامته عملاق.

آخر لقآتى معه كانت عامي 98 و99 من القرن الماضى بالقاهرة.. رفقة أخى ياسين, والذى كانت تجمعه بالفقيد علاقة مودة واحترام متبادل.. وشعر!.. إضافة إلى أن الفقيد, هو من عيّن شقيقى وكيلاً لوزارة السياحة, عندما ترأس الوزارة, فى بحثه عن العناصر الوطنية الشابة.. لتجديد دماء دولة ليبيا الناشئة..
كانت لقاءاتهم شيّقة حماسيّة.. رغم أننى, كنت معظم الوقت مستمعاً لهما, فقط, فى زاويته المفضلة فى فـندق مريديان بهليوبوليس.. وأشاهدهما, وهما يتراشقان بأشعارٍ, لهما ولغيرهما, فى مبارزات أخوية ممتعة..

وسألنى الفقيد فى إحدى المرّات, إن كنت أحفظ بعض الشعر.. وأنا سليل الشعراء, أباً وأعماماً وأخوالاً وأجداد.. فقلت له.. بأننى أجد صعوبة فى الحفظ.. حتى لما أحاول أن أنظمه من شعر.. فقال:
" إذاً إطمئن يا عزيزى.. فإنك لن تكون شاعراً, وربما, هذه بركة فى حدّ ذاتها.. فأغلب الشعراء تعساء."

لقد وجدته, رجلاً قوياً خلوقاً إيجابياً متفائلا.. لن يجد اليأس أو القنوط.. قيد أنملة بجواره.

وكما ذكرت, عرفته صبياً, حين كان يزور والدى, عندما كانا زميلين فى حكومة السيّد حسين مازق منتصف الستينيات.. وكلّ ما حلّ ببنغازى.. ورغم فارق السن والتعليم بينهما.. إلاّ أن علاقة حميمة نمت بينهما, جذورها الإحترام المتبادل.. وأيضاً, الشعر!
فوالدى, كان موثقاً جاداً للشعر الشعبى الليبى, بشهادة الدكتور على الساحلى, والأستاذ سالم الكبتى, وأساتذة آخرون من جامعة بنغازى, الذين وصفوا محفوظاته, وتسجيلاته لشعر الجهاد, بالموسوعة.. كما كان والدى كذلك, مولعاً بالشعر العربى القديم, والجاهلى منه خصوصاً, وملماً بأدق تفاصيل مواقف المروءة والنبل والوقائع, والمواقف الشجاعة.. خلف كلّ قصيد.. وكان لا يملّ من رواية قصصها.. وأسبابها وتواقيتها.

وأتذكرّ الأستاذ عبد الحميد, بحكم مهنته, كمحامٍ, وكأديب, لا يفوته تسجيل ملاحظاته أولاً بأوّّل, فى نوتة, تكاد, كغليونه, لا تفارقه.. حتى وبعد أن أصبح رئيساً للوزراء.. من أجل تدوين حدثاً ما.. أو شعراً ما.. كما كان, لا يملّ من سؤال والدى عن وقائع الجهاد, أو, قصص النزاعات القبلية الليبية ومسبباتها على مرّ الأجيال.. أ حداثاً وتفاصيلاً وأشعارا.. كلّ حدث ليبي مهما صغر, كان بالنسبة له شئناً هاماً.

كان فقيدنا, الأستاذ عبدالحميد, مثقفاً من الطراز الأوّل.. إلاّ أنه كان, ليبياً, من طراز فريد.. وهاكم الدليل:

حبه النادر لـ ( كلّ ) بنى وطنه.. تستشفه من إهداء أحد دواوينه لهم, على سبيل المثال:

( إلى الوجوه السمراء السمحة التى أنبتتها صحراء ليبيا، شبانا وشابات، رجالا ونساء. الى الأرض الطيبة التى يضنيها العطش وتغرق فى عرقها مكافحة من أجل البقاء. الى كل الذين يسكنون بلادى أهدى هذه الأشعار تعبيرا عن حب أكنه لهم، ولكم أود أن يعرفوه)

أما عن حبه لمحبوبته الدائمة : ليبيا فله شلاّل لها لا ينضب من الحب:

ففى قصيدته (ليبيا حبيبتى) يعترف لها مستصغراً هكذا:

من حبيبتى إذا لم تكونى ؟
من سوى أنت يشعل النار فى دمى
ويغذى هواجسى
ويبيع الظنون فى خاطرى بالظنون ؟
من همومى وسلوتى
وعذابى وفرحتى وشجونى ؟
... ... ... ... ...

من سواك أحسن العوم فى عمق نهره
وأغرق كالطفل فى ضفتيه ؟
من مطيعى وحاكمى الذى أشتكيك إليه
وحبيبى وسيدى إذا لم تكونى ؟

من سواك فى حيرتى أحن إليه ؟
من سرابى الذى أضعت سنيني عليه ؟
من عذابى ومحنتى
وحبيبى ومنصفى إذا ظلمونى
وعدوى وصاحبى
إذا لم تكونى ؟

من سوى أنت أسأل عنها
وأقول اسمها إذا سألونى ؟
من لدى عرشها الكسرواني أنفقت عمرى
وكأنى غنيمة لها وهبونى ؟
من إذا جئتها حيرتنى
وإن غبت عنها اشتكتنى ؟
من إذا أقبلت ضيعتنى
وإن فارقت عذبتنى ؟
فيا ليتهم فوق خدها الحريري وشمة رسمونى(2)

****

حقـاً.. لما تأتى إشادتنا بكلّ من يستحقها.. آجلاً؟!

وكما تسائل الدكتور الهادى شلّوف, مشكوراً.. لماذا نحن معشر( الليبو ) نتذكر أحيائنا – فقط - عندما يموتون؟.. لماذا لا نكرّم أحيائنا - وهم أحياء – ولو بكلمات امتنان ومباركة وتشجيع, لعمل أو أعمال أدوها أو يؤدونها.. فى أي مجال من المجالات التى تخدم هذا الوطن ومواطنيه, بكفائة واخلاص.. ولكيلا ينضمّوا معنا, الى طوابير الصمت.. أو طوابير الموتى/ الأحياء!..
لماذا ننتظر موتهم.. حتى نذكرهم بالخير ونكرّمهم؟.. أم علّ وعسى.. نخشى أنهم سيستفيدون شيئاً..
ولو معنوياً.. من ثمّة تكريم؟
لماذا نتذكّر مُبدعينا, فقط عندما يخطفهم الموت منّا؟

فهل الموت بداية حياة لنا.. أم استمراراً لها؟
وهل نحن, من أنصار الأحياء, ونحن أحياء معهم.. أمّ, نحن فقط من أنصار الأموات, أحياءاً!..
حتّى وإن كنّا - كأحياء - لم نذق, لا للحياة.. ولا للموت, طعماً بعد؟!

لماذا نضيّع أعمارنا بحثاً عن ( مدفونات ) التاريخ.. وننسى ( شلاّلات ) الحياة.. ومنابعها؟
هذا هو السؤال؟.. أمنابعنا, هى المقابر!.. أم عيون الشلاّلات؟..
هل نحن مع الأمجاد الغابرة.. أم مع الأمجاد التى من صنع أيدينا الآن؟
وهل نحن مع الأحياء أولاً.. أم مع الأموات, أولاً وأخيراً؟..

فالله – عزّ وجلّ - لم يخلقنا, لكي نشقى.. فهو لا يُطيق الأشقياء.. بدئاً من إبليس, أوّل الأشقياء و الشياطين,
وحتّى آخرهم من الأشقياء والشياطين!..

بل, لأنّ ( الـحيُّ القيّـوم ) خلقنا.. لكي ننعم بهذه الحياة.. قبل أن يحدد لنا - هو وحده - ميعاد الممات!..

فمن من, كلّ هذا الخوف إذاً؟..

ليس لله من غاية- وهنا, استغفره كثيراً - فى خلقنا, إذا كان الغرض من خلقه أساساً.. هو مماتنا, كتعساء..
ولله فى لله.. ونحن من أفضل خلقه؟..

استنتاج بسيط, أينعم.. ولكن, من سيُجادله.. سيجد نفسه يجادل العادل العال, والأعلى على كلّ من علا..

وهو الذى, من غيره.. خرّاف زايد.. بصحيح.

فهذه هى حكمته الربانية العظيمة, التى لا من مثيل لها, سواءاً فى التعجيز وفى التبسيط :

( عش كإنسان, خليفة لله.. أو, عش كنعجة إن اردت, خليقة من خلق الله ).. خوذ و إلاّ خلّى؟
فلا تلومن إلاّ نفسك.

فإذا كان الخالق اختارنا لأن نكون خليفة له.. فهذا ما خلق وهذا ما أراد..
قال (كنّ) فنكون..
فلماذا لا نكون؟
لماذا, لا نكون, بشراً, أحياءاً, أحراراً؟..
أم, أن أقصى أمانينا, هو انتظار ما بعد الموت, وبينما ننتظر.. تكون خيام الموتى لنا, منابر وواحات للحرية..
ولكن, بشرط الهمس والغمز.. وفقط فى السرّ وفى الخفاء؟!..

أما أجدر بنا, أن نُشـكّل فى خيام موتانا, وقبل أن نموت.. نوادٍ, بإسم: " نوادى: لا حياة لمن تنادى!"
فبالله عليكم, ما أهمية وصول خبر موت إنسان.. إذا لم يكن إنساناً حيّاً, أصلاّ؟

رحم الله, فقيد ليبيا, أبا الوليد, السيّد عبد الحميد.. إبن ليبيا البار.. والذى سيظلّ حيّاً فى ذاكرة هذا الوطن..
رحم الله كلّ من ذكرت فى هذه المحطة.. الأحياء منهم.. والأموات الأحياء..
رحمكم الله أجمعين.

عـبدالنبى أبوسـيف ياسـين
abuseif@maktoob.com
________________________

(1) أبيات من قصبدة رثاء رائعة.. بعثتها لى الأخت الفاضلة " بنت برقة " ونشرتها فى محطتى رقم (13) منذ حوالى العام.. والتى قالتها فى فقيد الوطن الآخر.. السيّد حسين مازق, رثائاً.. ورجائاً, أنّ تقرؤها, لأنّها فعلاً تصوّر مشاعر وطنية صادقة, تجاه ذلك الرجل وهذا الرجل,على حد سواء, رحمهم الله.
(2) أشكر الأستاذ محمود الناكوع على نشره لأشعار الفقيد ونبذة عن دواوينه.


إضغـط هـنا للأطلاع عـلى الحلقات ( من 1 إلى 19 )

الحلقة 25   الحلقة 24   الحلقة 23   الحلقة 22   الحلقة 21   الحلقة 20
                                                                 الحلقة 28   الحلقة 27   الحلقة 26

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home