Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abutareq
الكاتب الليبي أبوطارق

الثلاثاء 18 نوفمبر 2008

قاعـدة الحكم لا تعـني شرعـية الحكم

أبو طارق

ألمحت في مقال سابق إلى وجود مؤشرات تؤكد توجّه القذافي وانشغاله حاليا ببناء ما يطلق عليه " قاعدة حكم " لإبنه سيف من بعده، قوامها أغلب عناصر قاعدة الحكم التى بناها لنفسه واعتمد عليها منذ اغتصابه للسلطة في الأول من سبتمبر 1969.

قاعدة الحكم ( والتى تعرف أحيانا اخرى بقاعدة القوة) التى سبق أن بناها القذافي لنفسه تقوم ، كما هو معروف ، على المؤسسة العسكرية وكتائب الأمن فيها وعلى الاجهزة الامنية المتعددة واللجان الثورية ( العسكرية والمدنية ) وعلى أعداد من قبيلته وبعض الولاءات القبلية الأخرى وعلى أجهزة الدعاية الواسعة فضلاً عن الدعم الخارجي الخفي والعلني . كما تقوم هذه القاعدة على اساليب القمع والبطش والتنكيل والخداع والتضليل والديماغوجية والفوضى المستمرة والفتنة والتأليب وعلى بعض صور الترغيب وشراء الضمائر والذمم والتى تستند جميعها – وفقا لوجهة نظره – إلى " الشرعية الثورية " المزعومة التى حصرها في شخصه دون غيره بمن في ذلك أعضاء ما كان يعرف بمجلس قيادة الثورة

غير أن القذافي يعلم تمام العلم أن قاعدة القوة التى استند عليها لبقائه في الحكم والسلطة هي مفصّلة على مقاسه ووفقا لشخصيته بكل أمزجتها وطباعها وخصالها العدوانية الدنيئة. كما يعلم القذافي أيضاً أن ولاء كافة عناصر هذه القاعدة قد كيّف للارتباط به ولخدمته شخصياً دون غيره أيا كان هذا الغير.

ومن ثم فالقذافي يدرك أنه وإن كان بمقدوره أن ينقل أساليب هذه القاعدة إلى ابنه سيف ( او غيره ) من خلال التدريب والتلقين معتمداً على " جينات الشر " الكامنة بالوراثة الطبيعية في هذا الابن ( ولا يخفى أن هذا الابن قد أظهر نبوغاً في بعض الخصال الدنيئة عن أبيه وفي مقدمتها الكذب والدجل ) ، إلا أن القذافي يدرك أنه ليس من الحكمة أو ربما من غير المستطاع نقل ولاءات عناصر هذه القاعدة إلى الابن دون ادخال عمليات " تحوير وتشذيب وتطهير " عليها يتم بموجبها إستبعاد أي عناصر غير مناسبة لقاعدة الحكم الجديدة لأسباب متعددة يأتي في مقدمتها " الولاء ".

ومن جهة أخرى فإن القذافي يدرك جيداُ أنه لا يستطيع أن يبني هذه القاعدة على أساس " الشرعية الثورية " التى ادعاها لحكمه طوال ما يقارب الأربعة عقود الماضية حيث انه اعترف بنفسه وفي أكثر من مناسبة أن " الشرعية الثورية " هي خاصة ولصيقة به وغير قابلة للنقل أو التوريث لغيره ، كما أنه يعلم أن هذه الشرعية الثورية لم تعد منسجمة مع " الاصلاحات " التى يدعي عزمه ادخالها على نظام حكمه .. ومن ثم فلا بد من البحث عن " شرعية جديدة " لقاعدة الحكم التى يزمع بناءها للإبن الوريث.

يضاف إلى الاعتبارات السابقة التى تتحكم في تفكير القذافي وفي قراراته بشأن بناء " قاعدة حكم " لإبنه سيف ( تطمئن الاطراف الدولية والإقليمية التى تشكك في قدرة هذا الابن على خلافة أبيه في حكم ليبيـا والسيطرة على أوضاعها) يضاف الى هذه الاعتبارات أن القذافي لايرغب في أن يتنازل عن الحكم والسلطة حتى آخر لحظة من عمره التعيس وطالما بقى على قيد الحياة .

بسبب هذه الاعتبارات وفي ضوئها وبهدف إعادة تفصيل قاعدة الحكم الحالية على مقاس الابن الوريث ونقل ولائها تدريجيا اليه ، أعطى القذافي الاذن بتسيير المظاهرات الشعبية الحاشدة ( العفوية جداً بالطبع ) بقيادة منظمة وروابط الشباب في المدن الرئيسية بالبلاد تطالب بعدول الابن سيف عن قراره ( في العشرين من شهر اغسطس الماضي ) بإعتزال العمل السياسي وقيادة مسيرة الاصلاح. كما اعطى الامر بتسيير مظاهرات اخرى مماثلة تقودها عناصر " اللجان الثورية " تعلن ولاءها لهذا الابن ( بعد ان شاع لفترة طويلة أنها تعارض الابن وتقف حجر عثرة امام مشروعه الاصلاحي) كما أعطى الاذن بأن يشرع هذا الاخير في القيام بزيارات معلنة لمنطقة جبل نفوسة وغيرها من مناطق ليبيـا واللقاء بعدد من القيادات الأهلية والقبلية، والاذن للإبن بمواصلة وتجديد علاقاته مع بعض عناصر " الحراك السياسي" في الداخل وعدد من عناصر المعارضة المدجنة في الخارج مؤكداً لها عزمه على مواصلة " مسيرة الاصلاح " والوفاء بوعوده السابقة لها .

وفي هذا السياق ذاته فمن غير المستبعد أن تشهد الايام والاسابيع والأشهر القادمة ، ما لم تقع مفاجأة ما تقلب كافة حسابات القذافي ونظامه رأساً على عقب، المزيد من الخطوات على طريق بناء قاعدة الحكم الجديدة ، من ذلك :

• نشر المزيد من المقالات التى تعلن التمسك بمنهج ومسيرة الاصلاح وبعودة سيف لقيادة هذه المسيرة " ولو بالسيف ". وتقدم شتى " المبررات " لهذه الدعوة، كما تروج لفكرة " المصالحة الوطنية " المزورة .

• تسيير المزيد من المظاهرات ( العفوية ) في بقية المدن والقرى الليبية تردد المطالب نفسها وتضفي المزيد من الألقاب على الابن الوريث وتصدر له المبايعات.

عقد الملتقيات والندوات تحت شتى المسميات ودعوة أعداد من النخب المثقفة للمشاركة فيها وبخاصة من بين تلك التى شاركت في الماضي فيما عرف بالحراك السياسي والدعوة إلى حرية الصحافة وإقامة منظمات المجتمع المدني كل ذلك برعاية الأبن وتحت مظلته وبهدف إعطاء سمت " حضاري وديمقراطي وشرعي" مزيف لهذا التحرك.

• إصدار دستور من إملاء القذافي ووفقاً لرؤاه وتصوراته وتوجهاته يجري تفصيل أحد المناصب الهامة فيه على مقاس الابن سيف كما يسمح فيه مقابل ذلك بقيام " منابر سياسية ومنظمات مجتمع مدني " مدجنة ومن غيرالمستغرب أن يسمح هذا الدستور بـ"منبر" لعناصر المعارضة المدجنة بالخارج.

• إصدار مبابعات للإبن الوريث قائد مسيرة الاصلاح ومنقذ ليبيـا بإسم بعض النخب المثقفة في الداخل والخارج والعناصر المحسوبة على المعارضة في الخارج فضلاً عن منظمات المجتمع المدني...إلخ.

إن القذافي يتصور أنه بقيامه بهذه الخطوات سوف لن يبنى لإبنه سيف " قاعدة حكم " فقط ولكنه سوف يضفي عليه " الشرعية الجديدة " التي بدأ الكثيرون في ترديدها سواء اتخذت هذه الشرعية إسم " الوطنية " أو " الشعبية " أو غير ذلك من المسميات.

وبالطبع فليس في كل ما ذكرناه جديد أو غريب أو غير متوقع ، قذلك هو العهد بالقذافي وبأساليبه على امتداد السنوات التسع وثلاثين الماضية . غير أن الغريب والمستهجن حقاُ أن تنطلي هذه الالاعيب والاساليب على بعض من يوصف بالنخب المثقفة وبالقيادات الفكرية والعلمية من داخل البلاد ومن خارجها، وأن نسمع أصواتا ترتفع من بينها ترحب بهذه الاجراءات وتمجدها بل وتعتبرها كفيلة بأن تمنح هذا الابن " شرعية " حقيقية.

إن المرء لا يستطيع أن يفهم كيف غاب على أصحاب هذه الاصوات والاقلام إدراك أن هناك فارقا جوهرياً وبوناً شاسعاً بين " قاعدة القوة " التي يستند إليها اي حكم وبين " شرعية هذا الحكم " ؟

كيف غاب على أصحاب هذه الاصوات والأقلام ، ومن قد ينضم إليهم في ترديد هذه المعزوفة ، أن جميع الطغاة والمستبدين الذين عرفهم تاريخ البشرية ، ومن بينهم القذافي وان كان أحقرهم ، كانت لهم " قاعدة قوة" داخلية أو خارجية أوصلتهم إلى الحكم وأبقتهم فيه.

وكيف غاب عنهم أن هذه " القاعدة " وإن اختلفت أشكالها واساليبها فإنها لم تضف على نظم هؤلاء الطغاة أي شرعية . فظلت هذه النظم قائمة على البطش والارهاب والاستبداد والحيلة والخداع ، وظلت فاقدة للشرعية سواء أكان هؤلاء الطغاة هم الذين صنعوا هذه النظم أم صُنعت لهم بالمؤامرة أو التوريث.

وإن المرء ليتساءل كيف غاب على هولاء أن "نظم الحكم " التى أقامها المحتلون والمستعمرون الذين نكبت بهم بلاد كثيرة ومن بينها ليبيـا ، استندت جميعها في بقائها واستمرارها إلى " قاعدة قوة " تشكلت من جحافل القوات العسكرية الغازية ومن الاجهزة الأمنية الباطشة ومن طوابير الجواسيس والعملاء والخونة المحليين ومن المشانق الميدانية والمحاكم الطائرة ومعتقلات الابادة..؟ وهل يعتقد هؤلاء أن تلك "القاعدة الباطشة " قد أضفت على الحكم الذي أقامه المحتل الايطالي في ليبيـا صفة " الشرعية " بأي مفهوم وبأي معنى ؟ وهل يعتقد هؤلاء أن الحكم الذي أقامه المحتل الايطالي في ليبيـا كان سيكتسب " الشرعية " لو قام هذا المحتل بوضع " دستور" ينظم أوضاع البلاد أو لو قام موسوليني بتنصيب إبنه (لوكان له إبن) حاكما لليبيـا وأخرج عشرات المظاهرات التى تهتف بإسمه وتقدم المبايعات له وأطلق عليه عشرات الألقاب ؟ هل كان كل ذلك سيغير من طبيعة الإحتلال الايطالي لليبيأ ومن طبيعة الحكم الذي أقامه عنوة فوق ارضها ؟ . لا أحسب أن عاقلاً واحداً يجادل في أن حكم المحتل الايطالي لليبيا كان سيظل فاقداً للشرعية حتى لو بقى جاثما فوق ارض ليبيـا مائة عام أو يزيد (كما حدث في الجزائر) وسيظل وجوده هو بحكم " القوة " وليس بحكم " الرضا " كما سيظل هذا الوجود " اغتصاباً" للسطلة وليس "تفويضاً" بها.

إنني اتمنى على اصحاب هذه الاقلام والأصوات أن يدركوا أن " قاعدة الحكم " هي شئ آخر غير " شرعية الحكم ".

إن " قاعدة الحكم " تعنى " قاعدة القوة " التى يستند اليها الحكم ، أي حكم ، في البقاء والاستمرار سواء أكان حكما استعماريا أو حكما وطنيا ، وسواء أكان استبداديا أو غير استبدادي، فرديا أو جماعيا ولا تعني بالضرورة أن يكون هذا الحكم " شرعيا" . أما الذي يجعل أي حكم ( وقاعدة القوة التى يستند اليها ) شرعية فهو استناده إلى رضى الأمة التى يحكمها وهو تعبير هذه الأمة الحرّ المتواتر عن رضاها عنه وقبولها الاختياري الطوعي به وشعورها تجاهه بأنه يمثلها ويناسبها وينتمي اليها ويخدم مصالحها وخيرها العام .

من جهة اخرى يردد بعض أصحاب هذه الاقلام والأصوات أنه لا بأس لديهم من اضفاء " الشرعية الشعبية أو الوطنية " على الابن الوريث طالما كانت هذه الشرعية تستند إلى " دستور" وكأنهم يقولون فليضع القذافي دستوراً للبلاد ولا بأس بعد ذلك أن يجري توريث الابن الحكم بموجب ذلك الدستور!!

فأي دستور يتحدث عنه هؤلاء ؟ هل يتصور هؤلاء أنه بالامكان ائتمان القذافي ونظامه الاستبدادي على عملية وضع دستور للبلاد نابعٍ من ضميرها ووجدانها ومعبرٍ عن إرادتها الحرة وحائزٍ على قبولها ورضاها ومحققٍ لمصالحها؟ .. أما إذا كان الدستور الذي يتحدث عنه هؤلاء هو شئ آخر غير هذا فأي قيمة له وأي شرعية يمكن أن تنبثق عنه وتتأسس عليه ؟ يقول أحد الباحثين في هذا المجال :

"إن بعض مغتصبي السلطة بالقوة قد يلجأون إلى إحاطة أنفسهم بكل "أشكال الشرعية " عن طريق إقامة برلمان واجراء انتخابات وإصدار قوانين وتشريعات . ولكن كل هذه تبقى ستائر تخفي عدم الشرعية ولا تحل محل الشرعية . فالقانون ( بما فيه الدستور الذي هو قانون القوانين ) ليس أي ورقة عليها توقيع الحاكم . فالقوانين أحكام خارجة من ضمير الناس معبرة عنهم في الاساس. وما عدا ذلك فهي قوانين لا تساوي شيئاً في ميزان الشرعية أكثر من الحبر الذي كتبت به ."

ومرة أخرى ولن تكون الاخيرة فليعلم هؤلاء وغيرهم أن أي عملية إصلاح سياسي حقيقي في ليبيـا اليوم بما في ذلك وضع دستور للبلاد والأخذ بها على طريق الشرعية الدستورية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق أو أن يكون لها أي معنى جاد أو قيمة تذكر ما لم تتخذ من إنهاء النظام الانقلابي الجاثم على صدور الليبيين نقطة بدايتها وانطلاقها .

ولله الامر من قبل ومن بعد.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home