Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abou-Ahmed
الكاتب الليبي أبو أحمد

السبت 30 يناير 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

رشفة من فنجان قهوة ( 2 من 4 )
أبو أحمد

رجع صديقى مهموماً "متكدر" يقلب كفيه وهو يقول: لا حول الله ... لقد نسيت "البكرج" على النار فاحترق "وانكبت" القهوة. فقمت بمواساته فى مصيبته قائلاً: "ياخذن سوك البكرج والقهوة ... حتى وانت ما فيك سو يا عزيز الراس". تهون مصيبتك "يا بوصاحب" امام مصيبة الوطن التى تدْمى القلب وتدمع لها العين، ليبيا تشتعل فيها النيران، وتسفك فوق ثراها الدماء الطاهرة، وتُبَذَر على افخاذ الغوانى وحفلات المجون اموالها وخيراتها. تسأل صاحبى: اين توقف حديثنا؟ اجبته: توقفنا عند التحليل المنطقي الذى بسط فيه الطفل الصغير معنى عبارة الفساد السياسي، ومن خلال إستنباطه يمكننا التحدث عن السرطان السياسى المستشرى فى ليبيا: فهو مرض الأمراض ... وسر تخلفنا ... والذى بسببه نرى وبأم اعيننا كيف تلهو وتلعب القيادة الثورية بمصير الشعب والوطن، وكيف شجع ذلك الحكومة الثورية على التواطؤ ... والتخاذل ... والتلكؤ ... واللامبالاة. لقد وطنت هذه التركيبة الثورية الشاذة فى وطننا الفساد ... والتسيب ... والفوضى، وجذرت فى رحابه الظلم ... والأرهاب ... والطغيان. اصبحت بلادنا اليوم تعيش على الهامش، وتم تحويل الكادحين فيها الى كيان إجتماعى عشوائى هزيل لا حساب له ولا وزن، بل تتسابق فروع الحكومة الثورية على توظيفهم كعبيد سخرة داخل اسوار مؤسسة القيادة. إن حالة الأستبداد التى نواجهها معاً – وطناً وشعباً، ارضاً وبشراً، تاريخاً وحضارةً - هى خلايا سرطانية تتضاعف إنقساماتها اللاحميدة وتنتشر بشراسة مدمرة فى ثنايا الوطن مسببةً اوراماً خبيثةً مميتة. فاستمرار هذه الحالة العبثية – المشتملة على غياب المشروع التنموى ... والرؤية المستقبلية ... والتصور الحضارى - تعيق تقدمنا وستظل تحشرنا فى دائرة التخلف وتحرمنا من التمتع بخيرات وطننا والعيش فيه بعزة وكرامة، إن  بطء دوران عجلة التقدم فى ليبيا الوطن ... ليبيا الأم ... نتج عنه ركود وكساد وضعف مس كافة جوانب الحياة. فالذين يجيدون فن إستعمال الهراوات الصاعقة ... والأسلاك المكهربة ... ويستأسدون على ضحاياهم بأستخدام الكلاب المدربة على إفتراس البشر ... ويمارسون الأساليب المنحطة والشاذة فى تعذيب الأبرياء لا يعنيهم من امر الشعب  شيئاً سوى العمل على كتم انفاسه، والحرص على كسر اعناقه، والدفع به صوب الموت البطئ  بعد ان تفتك به الأمراض والرزايا.

فعندما يساء إستخدام السلطة العامة لأهداف غير مشروعة من اجل تحقيق مصالح شخصية فهذا هو الفساد السياسى بعينه. فالأرهاب... وسرقة المال العام... والمحسوبية... والرشوة... والأبتزاز... والعمالة... وإحتكار السلطة ... والقمع ... والخيانة ... والأحتيال ... وممارسة النفوذ هى صورة مقززة من صور هذا الفساد الذى بدوره يسهل نشاطات العالم السفلى كالدعارة ... والأتجار بالمخدرات ... والتهريب ... وغسيل الأموال. وهذا النوع من الفساد اصبح سمة من سمات دولة الجماهير تمارسها القيادة وعصابات الحكومة الثورية. وما سبق ليس ادعاء او تجنى على احد بل هو من البديهيات التى اعترف به اعلامهم المدجن ((وشَهِدَ شَاهِدٌ من اهْلِهَا)) بعد ان انتشرت روائح فسادهم الكريهة كأنتشار لجانهم فى كل مكان، واصبحت فضائحهم احاديث الألسن ومادة يتندر بها الناس فى مجالسهم.                                  

لم يعد مقبولاً دينياً... وتاريخياً... وحضارياً... واخلاقياً... تهميش حالة الفساد السياسى المستوطنة فى ليبيا والتقليل من مخاطرها، واعتبار ان فعل الثورة التدميرى (قيادة وورثه) والجرائم المتعمدة التى مارستها عصابات الحكومة الثورية (بفروعها السبعة) مجرد اجتهاد خاطئ او ضرورة فرضتها مرحلة المراهقة الثورية ... والتغيرات التاريخية ... والتحولات الحضارية. من المؤكد إن حالة الفساد المستشرية تمت بعلم القيادة الثورية بل وبإيحاأت وتعليمات صادرة عنها لعصابات الحكومة الثورية المتكلسة اصنامها منذ ما يزيد على عقود اربعة.  لقد سئم المواطن الحديث عن الشكليات الصغيرة، والهوامش المعزولة، والأمور الأدنى، والوعود المعسولة. بحق لقد تجاوز الشعب مرحلة المراهقة السياسية وبداء يستشعر حجم الكارثة التى حلت به وبالوطن. فهو يشاهد عن كثب ضخامة الدمار الثورى الممنهج الذى طال كل شئ. فالتسونامى الليبى سبب كوارث إنسانية مفجعة، وترك فى القلوب لوعةً وحسرة بغض النظر عما  يقوله المبطلون ... او ما يرقص له المطبلون... فالعبرة دائماً بالنتائج وليس بالتزييف والتهريج. فحياة الشعوب لا تدار بالنيات الحسنة ولا بالعنتريات الطائشة بل بوضع الخطط... وإقامة المشاريع... واعتماد البرامج التى تهدف الى بناء الوطن، والتى تجعل مصالح الشعب قبل كل شئ... وفوق كل إعتبار. فينبغى ان تكون ليبيا اولاً... وليبيا ثانياً... وليبيا دائماً وابدا وطن الخير والعزة والكرامة والذى لا يروق له ذلك فليذهب هو الى ادغال افريقيا... والى منتجعات نيوزيلندا... والى جزر الكاريبى... والى "إستسيونيات" إيطاليا... وإلى جميع اوربا التى لم يعد – على ما يبدو - بردها القارص - "صقع على حد"، اما نحن فلنا وطن عزيز اسمه ليبيا يرخص الدم فى سبيله، وتخفق القلوب والأفئدة باسمه. نأسف قيمنا ووطنيتنا ليست للبيع. 

ما سبق طرحه تطرق الى اعراض الفساد السياسى، لكن التسلسل الطبيعى لنقاش هذه النقطة يتطلب معرفة الأسباب التى تؤدى الى ظهور وإنتشار هذه الأفة الخطيرة. لقد اكدت الأبحاث والدراسات ان هناك حزمة من الأسباب السياسية، والأقتصادية، والأجتماعية، والثقافية تقف وراء تجذر هذا الأخطبوط  كظاهرة كونية مشينة تلحق الدمار والهلاك بكل بلد تحل به. ويعتبر الأستبداد تربة خصبة لنمو وترعرع الفساد السياسى، فالأستبداد يجسد فى حد ذاته صورة من صور الفساد. فعندما يكتسب فرد او مجموعة من الناس سلطات مطلقة دون وجود رقيب ومحاسبة يؤدى ذلك إلى إرتكاب ممارسات غير شرعية يكون لها تأثيرات سلبية على البنية الأقتصادية للدولة. ونظراً لعجز العوام عن مواجهة الأستبداد ومقارعة الطغاة المستبدين فأن الفساد يصبح مسلكهم الوحيد وفرصتهم المواتية التى يتحايلون بها على القيود التى يرسيها ويرسخها الأستبداد. وعندما يصبح الفساد سمة من سمات النخبة الحاكمة يمنح ذلك تغطية شرعية كما يعطى حماية لصور الفساد المختلفة، ويمكن فى هذه الحالة القول ان الفساد السياسى هو الأبن المدلل للأستبداد. وسيظل الفساد يسرى وينتشر طالما تقاعست النخبة عن معاقبة المفسدين داخل التركيبة السياسية "ويصبح حاميها حرمييها". لذا فأن الأرادة السياسية المخلصة هى تلك التى تقاوم الفساد وتحاربه من القمة الى القاع وليس العكس، فلا يوجد هناك معصوم من البشر غير انبياء الله ورسله.

وينبغى التذكير هنا بأنه لا يمكن الفصل بين الأقتصاد والفساد فهما ملتصقان التصاقاً عضوياً. فعندما لا توزع الثروة توزيعاً عادلاً بين افراد المجتمع، ولا تتوافق المرتبات المنخفضة مع الأرتفاع السنوى فى مستوى المعيشة فأن المواطن يلجاء الى السير فى الطرق الملتوية والشوارع الخلفية لتلبية حاجياته وحاجيات اسرته، وهذه صورة من صور الفساد الأقتصادى التى تؤدى الى إنتشار ظواهر إجتماعية سيئة مثل: الرشوة ... والدعارة ... وتعاطى وبيع المخدرات... والتسول ... والأكتساب غير المشروع ... والسرقة ... والجريمة... والتهريب ... وتمرير الصفقات الغير مشروعة. فأن الطمع وإشباع النهم والركض وراء الكسب الغير مشروع ظواهر يمكن القضاء عليها إذا عفت القيادة السياسية، وتوقفت عن ممارسة الأستبداد وقهر المواطن، وقامت بتوفير سبل العيش الكريم لجميع مواطنيها.                                      

 وعادة ما ينتشر الفساد فى المجتمعات التى تضعف فيها البنية الأخلاقية، والقيم الأجتماعية، والمعتقدات الدينية. كما ان التهاون فى تطبيق العقوبة على ذوى الحظوة، والتساهل فى تنفيذ القانون على المفسدين بأعتبارهم من اهل البيت تهيئى بيئة خصبة لنمو الفساد. فالقيادة الناضجة والواعية والمخلصة هى تلك التى تسمح بمساحة غير مقيدة لعلماء الدين، والتربويين، والأخصائيين الأجتماعيين للتحرك بين فئات المجتمع من اجل توجيههم وإصلاحهم "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فأن همُ ذهبت اخلاقهم ذهبوا". فالقيادات والمجتمعات التى لا تحترم ولاتخاف القانون ولا تلقى بالاً لقيمها الأخلاقية هى اول من يكتوى بنار الفساد. فالبلد الذى لا يوجد به منظمات المجتمع المدنى الحرة والذى يغيب فيه نظام المسألة وتحمل المسئولية سيكون مرتعاً خِصْباً للفساد والمفسدين مما يستلزم حملة تطهير واسعة تعيد الأمر الى نصابه.    

يتبع ...

أبو أحمد


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home