Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abou-Ahmed
الكاتب الليبي أبو أحمد

الخميس 20 نوفمبر 2008

كفاكم

أبو أحمد

ذهبت همومٌ حرْتُ فى اسماءها ... واتت همومٌ مالها اسماء

بالأمس القريب رفعتُ قلمى مدافعاً عن اعراضِ أخوة وأُخوات لنا تعرض لهم بالقول الفاحش نفرٌٌ من الذين ركنوا للقوم الظالمين، واليوم اجد نفسى ولذات الموقف ألأخلاقى ملزماً ان ارفع نفس القلم لأكتب: اتقوا الله كفاكم هراءً وسفهاً ومزايدات.

يبدو أن البعض بيننا لايزالون يعيشون فى زمانٍ غير زمانهم، ويلتصقون فكراً وعقلاً بجيل اكل عليه الدهر وشرب، بل لربما إندثرَ اترابهم مع الغابرين منذ امد، ولا نبالغ فى الوصف إن قلنا بأنهم اُناسٌ اكثر تخلفاً واقل مدنية من أولئك الذين عاشوا فى ظلمات العصور الوسطى (Medieval Era). لقد اصاب هولاء القوم وعلى مدى اربعة عقود ما اصابهم، ورغم حالة التيه التى هم فيها لايزالون فى غيهم يعمهون. جيل لديه قصور فى فهم المعني الصحيح للديمقراطية، ويجهل معايير حرية التعبير, كما ينقصه إستيعاب ضوابط ومستلزمات حق النقد، نفرٌ لايتقيدون بمقومات الأدب العام. إنه جيل يتخبط فى سيره ولا يُبْصِر ابْعَدُ من مقدمة انفه. أن معنى الديمقراطية عند بعضهم ينحصر فى تمرير ما يرونه صواباً وبالصورة التى تخدم مصالحهم دون تثمين لوجهات نظر الرأى المخالف ولو كان اتباعه كُثًرْ. ديدنهم صد الأبواب فى وجوه الأخرين، يسلكون سُبل ملتوية ودهاليز مظلمة لتحقيق مأربهم، تراهم يستخدمون ماهو متاح من المنابر الأعلامية ويستغلونها فى التجريح والتشويه والتشكيك والتخوين، فيتدحرجون وتتدحرج معهم قيمهم الوضيعة الى اسفلَ سافلين كى تستقر من بعد فى وادٍ سحيق. فتباً لهم وللصنم الذى يقدسونه، وتعساً للنفاق الذى يمارسونه، وللفكر المريض الذى يعتنقونه، وللعهر الذى جبلوا عليه.

هناك عقول متحجرة لا تحمل فكراً ولا تؤمن مطلقاُ بالرأى القائل: أننى قد اخالفك فى الرأى ولكننى على إستعداد ان اقف معك الى اخر الطريق من اجل ان تقول رأيك، كما اتعهد بمساندتك للتعبير بحرية على مايخالج نفسك، وثق من أننى لن اتخلى عنك وانت تطرح فكرتك بصراحة وتعبر عما يسرى فى طيات فؤداك دون الخوف من أن يمسك مكروه او اذى. درر من كلمات بسيطة الأسلوب ... عميقة المعنى ... نبيلة الأهداف ... إنسانية الغايات لكن لا تجد لها موضعاً فى ادمغة عشعش فيها التدليس والكِبَرْ ((لا اُريكم إلأ ما أرى وما اهديكم إلا سبيل الرشاد)). كائنات بهيمية الغريزة ليس لديها الجهوزية لنصرة اولئك الذين يخالفونهم فكرياً، ولا يفسحون المجال امام الأخرين للتعبيرعن ارائهم بحرية. فهم لا يملكون الشجاعة الأدبية ولا يلتزمون بالمعايير الأخلاقية التى بها يذوذن عن اصحاب الفكر المخالف. كائنات عطشى للدم، تكيل الشتم والسباب والسخرية لخصومها، وتحرص كل الحرص على تحطيمهم معنوياً، وإرهابهم فكرياً، وتعريضهم لصنوف مختلفة من الأذى الجسدى والنفسى.

هناك حادثتان وقعتا فى زمن سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) وتحديداً فى مجتمع المدينة، مجتمع بناء الدولة الأسلامية، لعلنا نستنبط من سردهما الدروس والعبر التى نقييم بها مسيرتنا، ونصحح بها هفواتنا، ونصلح بها اعوجاجنا، ونرد بها معوجنا:

• الحادثة الأولى: نقضت بنى قريضة العهد مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلما تناهى ذلك لسمعه كلف نفرٌ من الصحابة (رضى الله عنهم) من بينهم سيدنا سعد بن عباده وسيدنا سعد بن معاذ (رضى الله عنهما) وطلب من فريق إستقصاء الحقائق هذا تحرى الأمر والتأكد من صحته، وشدد عليهم إن كان الخبر كما سمعه فليبلغوه هو ليتدبر الأمر ولايبلغوا سواه، اما إن كان الوضع على غير ذلك فليشيعوه بين المسلمين وليطمئنوا الناس. فلما وصل الوفد الى بنى قريضة وجدوا القوم على شر حال نقضوا العهد، واكثروا سِباب وهجاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، بل كانوا يجهزون انفسهم، ويعدون العدة لقتاله وقتال صحبه الأبرار. وكان سيدنا سعد بن عبادة (رضى الله عنه) حاد الطبع لايقبل سِباب المصطفى (عليه الصلاة والسلام)، فهَمَ هذا الصحابى الجليل برد الصاع بصاعين لكن رفاقه (رضى الله عنهم اجمعين) ذكروه بأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بضرورة تحرى الأمر وعدم مفاتحة احد حتى يتم إبلاغه (صلى الله عليه وسلم). فلما رجع وفد الصحابة (رضوان الله عليهم اجمعين) الى المدينة قاموا بأخبار نبى الهدى بما شاهدوا وسمعوا فى بنى قريضة فأجابهم صلوات ربى وسلامه عليه: "ابشروا" إى وربى قال: "ابشروا".

• الحادثة ألثانية: عقب هجرته (صلى الله عليه وسلم) للمدينة المنورة قام بتوحيد ساكنيها خصوصاً قبيلتى الأوس والخزرج اللتان وقعت بينهما حروب ضارية حصدت الرجال، وانهكت القوى، واكلت الأخضر واليابس. فبعد البعثة والهجرة تأخا القوم واصبحوا على قلب رجُلٍ واحد يجمعهم حب الله تعالى وحب رسوله (صلى الله عليه وسلم) وظلوا على هذه المحبة والمودة والأخوة. وذات يوم طلب عدو مقيم بينهم من احد غلمانه أن يُنشِدَ فى مجلس من مجالس القوم ابياتاً من الشعر تُذَكِرهم بيوم "بُعَاث" وهو يوم مشهود حمى وطيسه، تقاتلت فيه القبيلتان قتالاً مريراً وكان ذلك قبل هجرته (صلى الله عليه وسلم). فلما سمع القوم ما انشد الفتى اشتدت الحمية، واشتط الغضب، واستلوا سيوفهم تحفزاً للقتال فلما بلغ النباء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قدِم اليهم مسرعاً وهو غاضب قائلاً: أترجعون بعدى كفاراً يضرب بعضكم رِقاب بعض بعد ان من الله تعالى عليكم بالأسلام. اكتشف القوم فداحة الشَرَك الذى نُصِبَ لهم فبكى القوم وتعانقوا وعادوا إخوةً متحابين.

لماذا قال فى الحادثة الأولى: "ابشروا ... ابشروا" ؟؟؟!!! بينما فزع وغضب فى الثانية!!!.

لقد اختلف البشر منذ الأزل فى الوانهم واشكالهم واذواقهم، وتباينوا فى اجناسهم ولغاتهم، وتنوعوا فى مصادر كسبهم وسبل عيشهم. كما قضت سنن الله سبحانه وتعالى أن يتنوع خلقه ويتميزون عن بعضهم البعض عقلاً وفهماً، فكراً واجتهاداً، خلقاً واخلاقاً، وسيظلون كذلك الى ان يرث الله الأرض ومن عليها. ومن الطبيعى أن اختلاف عقول البشر يترتب عليها تصورات شتى، ومفاهيم متعددة تؤدى الى تنوع الأراء، وتعدد المواقف التى تؤثر سلباً وإيجاباًً فى المسائل السياسية والثقافية والأجتماعية والفكرية والفقهية بل تصل مؤثراتها الى دوائر العلم والمعرفة.

لقد نتج عن تصارع الأفكار، وتصادم المفاهيم، واختلاف الأطروحات، وتلاقح الأراء إثراءً للفكر الأنسانى، كما تطور الأجتهاد البشرى تطوراً متنوعاً وإيجابياً. ورغم أن "الخلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية" كما يقولون، واعتبر رحمة فى فقه امة الأسلام، إلا أنه فى الحالة الليبية افرز نشازاً، واجج عداوةً وخصومة، ونشر على الخيوط العنكبوتية غسيلاً قذراً يقزقز العيون، وتزكم عفونته الأنوف، إنها صور مزرية من الشحناء والبغضاء والكراهية والتى يتم إدراجها زوراً وبهتاناً تحت مسمى حرية الكلمة. لقد اصيبت الكلمة فى مقتل على يد صبية مراهقون لا يدركون المخاطر الناجمة عن اللعب بالنار، وتبنى بعضهم وبوقاحة لغة الشوارع اسلوباً للدفع بحججهم المبتورة وافكارهم المريضة. إلا أنه فى هذا المقام ينبغى تثمين جهد اولئك المخلصين من الكتاب الفضلاء الذين احبوا الوطن فأحبهم الوطن، واخلصوا للكلمة فصدقت اطروحاتهم، وتألقوا بسمو اخلاقهم فحافظوا على معايير الأخلاق الليبية المتعارف عليها، وفى السياق يجب التأكيد على ما يلى:

• أن التباين في وجهات النظر ظاهرة صحية وحضارية ينبغى عدم التحسس والتخوف منها، بل يجب الأستفادة منها واستغلالها فى طرح قضايا الوطن، ومتابعة المستجدات المتعلقة به، ورصد التطورات اليومية والمتلاحقة التى تؤثر فيه، وهى ضرورة وسعة ورحمة لا تعمق الخلاف ولا توسع دائرته بل تصهر الأفكار وتصقل التجربة، وبوصف ادق ضرورة تفرضها الطبيعة البشرية، وسماحة الدين، وجمال الكون، ورقى اللغة، والأمل فى الحياة.
• أن إيجاد ارضية للتفاهم المشترك بين اصحاب الأراء والقناعات المختلفة، واتباع منهجية الوسط والأعتدال، وترك التنطع بكل صوره تعتبر مؤثرات إيجابية توحد الصف، وتقرب الشقة، وتزيل الجفوة، وتعجل بأنبلاج الفجر المنتظر الذى تزاح فيه الغمة.
• إن الخلاف والفرقه اعراضٌ لداءِ عضال له مضاعفات خطيرة تجر مصائب وكوارث لا حصر لها، وبحسبى أن الوطن سيطول ليله، والمواطن ستستمر معاناته إذا نُبٍذَ مبداء الأجتماع والائتلاف واعتمد بدلاً منهما نهج الأسفاف والتجريح. ويُخَصُ بالحديث هنا اهل الخندق الواحد وليس السفهاء والمنافقين الذين يتلونون بلون الحرباء.
• ضرورة إعتماد مبداء التسامح والتماس الأعذار، والأستعداد للتعامل مع المخالفين فهناك صفحات ناصعة فى تاريخ الأولين ونماذج حية فى سير المعاصرين يمكن الأقتداء بها.
• حصر الخلاف فى دائرة الأجتهاد وادراك ان المسألة الواحدة قد تحتمل اكثر من وجه، لذا وجب التنويه لذلك كى يتم تجنب اسلوب التشهير والتشويه، ونبذ نهج الأنكار والتخوين.
• إن ادواء الوطن سقيمة مزمنة، وجروحه غائرة نازفة فكيف يشغل الحر الشريف نفسه عن عظائم الأمور بصغائرها؟
• الأبتعاد عن الغوص فى وحل الجدل وذلك بتحديد المعانى والمصطلحات، والأتفاق على المفاهيم والمبادئى، وإيضاح المدلولات بشكل دقيق وجلى حتى لايتم الوقوع فى المحظورات والشبهات. ويكفى للهموم والمصائب أن تكون القاسم المشترك الذى يجمع الشرفاء كى يقفوا جميعاً فى وجه الظلم والطغيان.
• إن احكام الدين، واعراف الناس، ومعاناة الوطن توجب جميعها التعاون وتفرض التنسيق والتكاتف من اجل دحر الظلم واهله والتعجيل ببناء دولة العدل والأنصاف.
• حرى بأصحاب القضية الواحدة أن يقوموا بأختيار الألفاظ المهذبة التى لا سفه فيها ولا تجريح، وأن يستندوا فى حوارهم وتحاورهم الى الدليل الصحيح والمنطق السليم والمنهج السوى. فالغاية من الحوار هو الوصول للحقيقة، ومن وسائله إفساح مساحة للمخالف يطرح فيها افكاره، ويقوم من خلالها بالتعبير عن ارائه وبذات المنهجية دون خوف من ممارسة أرهاب فكرى او مصادرة حق التعبير.

قال نبي الهدى صلوات ربى وسلامه عليه فى الأولى: "ابشروا" نعم "ابشروا" لأن الخطر كان قادماً من خارج الصف، كماً اراد أن يتحرى الأمر قبل أن يكون هو البادئ بنقض العهد مع حلفاء السياسة. اما فى الثانية فقد غضب لأن البلية قدمت من داخل الصف المسلم. صراعنا تحكمه مقومات البشارة وسلبيات الفرقة والتنازع التى تؤدى للفشل وذهاب الريح.

ابواحمد
الولايات المتحدة
thewiseone67@gmail.com



Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home