Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abou-Ahmed
الكاتب الليبي أبو أحمد

السبت 15 يناير 2011

أساطير وأوهام

أبو أحمد

(كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُو يَكْسِبُونَ) المطففين-14

الحاسة الأخلاقية لدى ادعياء الثقافة فى بلادنا مصابة بالشلل الكامل، وسر "بَلادَةُ" الأحساس بالمسئولية التى جَبلوا عليها ناتج عن هوس فى التصور ... وسوء المعتقد ... والخلل فى التفكير. حالهم يذكرك بحال النوق التى تضحك من إعوجاج رقاب من حولها من بنى جنسها دون ان تكلف نفسها مشقة النظر إلى شكل اعناقها الملتوية. فهولاء المتنطعون عاجزون عن إدراك وفهم حقيقة باطلهم، وزيف منهجهم، وانحراف سلوكهم، والعجيب فى امرهم والغريب فى شأنهم انهم يتناسون حجم المخاطر التى قد يعرضون لها امن الوطن وسلامته بسبب ضيق الأفق، وإنطماس القلوب، والغفلة عن الحق، والأنحراف عن جادة الصواب، واتباع هوى النفس، والأستسلام لزيغ الشيطان! اعراض عَرَفَها الأنسان العامى "بعمى البصيرة" الذى يترك "الرَانَ" على القلوب ويُحْكِمُ اقْفَالُهَا. اغلال لا يستطيع اسيرها ان يتحرر منها إلا بالتوبة والإنابة.

امر ادعياء الثقافة فى بلادنا عجيب!!! فهم يخادعون الدهماء من الناس بمقولة ان العزة تكمن فى تقسيم الوطن وتفتيت مكوناته إلى كيانات صغيرة، وفى تقطيع اوصاله إرباً ليصبح بؤر مهمشة، ومحميات قزمية لا وزن لها على خارطة العالم الجيوسياسية وتكتلاته الأقتصادية. يتناسى غلاة الأنفصاليين ان زمن الرهان على التلاعب بالكلمات والتبريرات قد ولى وان حقيقة عجزهم ... وتواطؤهم ... وتباكيهم لم تعد خافية على احد. فالعزة كما عَرَفَهَا العرب فى لغتهم تعنى: الشدة ... والمنعة ... والقوة ... والغلبة، وهى عكس الذل ... والمهانة ... والأنكسار... والصغار. فالعزة صمام امان المجتمع من الشرور والأخطار، فلا عزة إلا فى القوة ... ولاقوة إلا فى وحدة التراب ... ولا وحدة فى غياب العدل والحرية والمساوة. العزة ترمز لمعنى سامى، وهى لفظ له قدسية مستمدة من الأرتباط بالله تعالى، إرتباط تسمو به النفس السوية عن مواضع المهانة، وتسير به على منهج الله تعالى. ولقد ابدع الخالق سبحانه وتعالى بقوله: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) المنافقون-8. فمفهوم العزة الذى يردده العنصريون من دعاة الأنفصال هو مفهوم خاطئ لأنه مقيدٌ بحب السيطرة والجاه والأنانية ... اسيراً لحب التملك والإقصاء والتهميش العنىصرى ... مسيجٌ بسادية التطهير العرقى والتغنى بالأمجاد الزائفة والتفاخر بالأنساب والقبيلة. فدعاة الأنفصال والأقليمية يتناسون ان العزة لله: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) النساء-139. فما دامت العزة لله فأن سموها لا يتناغم مع الظلم ... ولا ينسجم مع العدوان ... ولا يقر بتقسيم الأوطان إلى جزيئات.

إن كان غلاة الأنفصاليين من تلامذة مدرسة (جون قرنق ... ومجيب الرحمن) لا يروق لهم خطاب دعاة الوحدة الوطنية، ويشعرون بلا إحساس ان الكلمات "اصبحت شظى فى الحلقوم" فليقولوا لنا: هل نحر الوطن وتقطيع اوصاله ليسهل إلتهامه فيما بعد سجية طيبة نستطيع بها حَلُ مشاكلنا، والية راشدة تساعدنا على رفع الغبن عن كاهل ابنائنا واهلينا؟ نحن نحاجج هولاء الغلاة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونذكرهم بأن التخلص من الظلم ... ورفع الجور ... والدفاع عن حقوق المواطنين لا يتم عن طريق الدعوات إلى التشرذم والأنفصال، بل يتحقق ذلك بمحاولة معرفة مواطن الخلل، والحرص على رص الصفوف، والعمل على وضع تصورات سليمة، وإعتماد برامج عملية جادة تعجل بزوال الباطل الذى سَبَبَ المعاناة. ولا يخفى على احد "شنشنة" هولاء الأنفصاليين، واساليبهم الملتوية، ومحاولات خداعهم للغلابة من مقهورى هذا الشعب، وحرصهم الدائم على تزكية أنفسهم، والأدعاء بأنهم صمام الأمان الذى يحمي الجماهير من جور الجائرين ... ويتصدى لظلم الظالمين. لكنهم فى الحقيقة هم عبارة عن دمى على مسرح العرائس تحركهم اسلاك تتحكم فيها ايادى خفية. الليبيون شعب من مكونات الأمة المسلمة والمطلوب منهم اولاَ وعلى عجل هو اعادة ترتيب اولوياتهم، والتفكير جدياً فى تبنى الأساليب التى تساعدهم على الأسراع بدحر وهزيمة الظلم الواقع عليهم. إن المثقف الليبى المخلص صاحب القلم الشريف، وكذلك النخب السياسية فى المهجر وفى داخل تراب الوطن يقع على عاتقهم دور محورى فى هذا الوقت الحرج. هم مدعوون للمشاركة بجدية فى توعية ابناء وطنهم، وتنبيههم إلى المخاطر التى تشكلها نزوات وشطحات غلاة الأنفصاليين، وان يبحثوا عن الكيفية التى يتم بها إيصال الناس إلى شاطئ الأمان بدون نزف قطرة دم او إزهاق ارواح بريئة. إن صمت المخلصين يفتح ابواب الوطن واسعة ليتسلل منها اعدائه فيأكلون الأخضر واليابس، ويتيح الفرصة لأنصاف المتعلمين ودعاة الأنفصال لنفث سمومهم، وللتطاول على وحدة الوطن وعلى لحمة نسيجه الأجتماعى.

إن دعوات الأنفصال التى ينادى بها الغلاة من بروكسل ... والرباط ... وباريس ... وولاية تاكسس الأمريكية، والتى يتم من خلالها التحريض على تفكيك الوطن إلى دويلات، وتشتيت اهله إلى شيع، وطردهم شر طردة، هى دعوات يجب مواجهتها وفضح دعاتها. ان سيادة الوطن ... وسلامته ... وامنه ... وامانه ... واهله ... خطوط حمراء دونها المُهَجُ والأرواح. وينبغى التفريق هنا بين محاربة الظلم واهله وبين عموم الشعب. فالشعب الذى يتضور جوعاً وقد أعياه المرض لم يقوم بمطاردة ابنائه فى اصقاع الأرض، ولم يحرم نفسه من خيرات وطنه، ولم يطلق الرصاص على الأبرياء فى "باستيل" بوسليم، ولم يبعثر الأموال على افخاذ الغوانى فى روما ... وجزر الكاريبى ... ومنتجعات فرنسا، ولم يمسك برأس البقرة التى تدر حليبها فى ادغال افريقيا. الجماهير التى تركض طوال اليوم وراء لقمة العيش والمتصل ليلها بنهارها، والتى تقف فى صفوف امام المساجد وبوابات المقابر تتسول دِرهماً لشراء وصفة الدواء، والتى ترحل خارج الوطن باحثة عن العلاج والشفاء بعد ان اصابها الإعياء فى مقتل يجب ان لا يُحَمِلُهَا غلاة الأنفصاليين مسئولية التهميش وانهيار البنية التحتية التى تعانى منها كافة مدن وقرى وطننا الحبيب، ويتخذونها حجة واهية لشق الصف، ودعوة مشبوهة لتقسيم الوطن وتفريق الشعب.

ليبيا الوطن ليست إرث تُرِكَ لشخص بمفرده ... ولا لقبيلة بعينها ... او لعرق من الأعراق ... او جنس من الأجناس. ليبيا وطن لشعبها وبشعبها ... كل الشعب من طوارق وتبو وامازيغ وعرب ... فلا افضلية فيها لأحد على الأخر إلا بالتقوى والعمل الصالح، فالذى لديه "طابو من النوطاى" يؤكد غير هذه الحقيقة فليأتى به ويقوم بعرضه على الملاء. ليبيا الوطن رقم صعب لا يقبل القسمة إلا على نفسه، فهل يدرك غلاة الأنفصاليين صعوبة تواجد هذا الرقم فى معادلتهم؟ نحن ندعوا لوطن متمدن العزة فيه لله تعالى والسيادة فيه للشعب. نريد وطن التضحية والعطاء ... وطن الرأى، والرأى الأخر ... وطن الوحدة والمواطنة ... وطن العدل والمساوة ... وطن الأمن والسلام ... وطن نبكيه إذا فارقناه، ونتوق شوقاً الى لقائه.

ما الذى يريده الشعب من اجل ليبيا المستقبل والبناء والحضارة؟ يريد من ابنائه المخلصين التسلح بالحذر ... واليقظة ... والتصدى حضارياً لدعوات الأنفصاليين والأنعزاليين. كما يطالبهم بالتمسك بوحدتهم لمواجهة التحديات التى تحيط بهم، وان يتبنوا مبداء الحوار الهادف الذى يؤدى إلى تغيير حالهم إلى ما هو افضل. مشاكلنا التى زرعها العسكر والتنابلة الذين من خلفهم لا تُحَلُ بتقسيم الوطن كما يزعم جهابذة الأنفصاليين، بل يتم حلها بالبحث عن السبل والوسائل التى تقربنا من بعضنا البعض. فالشكوك والتخوفات والكراهية والدعوة للأنفصال لا ترفع المعاناة عن كاهل الشعب بل تضاعف من مشاكله ومأسيه. وفى تقديرى ان عناصر الخير التى تجمعنا كشعب ليبى فى وطننا الموحد اكثر من تلك السلبيات التى يتحجج بها دعاة الأنفصال. لو كان ما يجمع بيننا فقط هو وحدة العقيدة ... ووحدة المصير ... وصلة الرحم لكان ذلك كافياً لضرورة المحافظة على وحدة تراب الوطن. فإذا استمر غلاة الأنفصاليين فى غيهم فأننا نقول لهم: "تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم". نحن دعاة وحدة ولنا اسانيدنا الشرعية التى تؤطر وحدة الأمة ... وتؤكد وحدة الأنسانية ... وتشرح بسلاسة خاصية التنوع البشرى. (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) الأنبياء-92. تبرز هنا الأخوة على مستوى الشعوب، وتذوب العصبية والشعوبية فى كيان الأمة الواحدة، هذه شرعة الله سبحانه وتعالى ومن يسعى لأحداث الفتنة والفرقة فعليه وزر عمله. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْد اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير) الحجرات-13. هذا خطاب واضح وصريح لكافة البشر يذكرهم ببداية خلقهم، ويرشدهم الى حقيقة نشأتهم، ويوضح لهم كيف انهم تناسلوا وتكاثروا حتى اصبحوا شعوباً وقبائل متساوية من اجل ان يتعارفوا ويتعاونوا ... لا ليتفاخروا ويتباهوا ويتقاتلوا ... إذاَ الأفضلية بين الخلائق فى شرع الله معيارها الورع والتقوى ... لا التشرذم والتقوقع حول عصبية الجاهلية. (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) الروم-22. تؤكد الأية الكريمة على ان اصل البشرية واحد مع اختلاف الألسنة والوان البشرة مما يستوجب التفكير ... والتدبر ... والتأمل فى ايات الله سبحانه وتعالى - الكونية منها والحسية - من هنا يتوجب الأنصراف كلياً عن الشعور بالتعالى ... والتكبر ... والفوقية سواءً على مستوى الفرد ... او الجماعة ... او الدولة. فالمثقف الوطنى الشريف هو العنصر الأهم الذى ينبغى ان يقف صلباً فى مواجهة دعاة الجهوية.

عندما يكتب احد دعاة الأنفصال عن مأساة إقليم واحد فى ليبيا دون سواه نذكره كدعاة وحدة وطنية أن ليبيا كلها لا بواكى لها. وللأنصاف فأن صور القمع والذل والهوان التى ابكته قد اطرقت جميع الأبواب، وان الظلام قد غطى بيوت الوطن بسواده الكثيف . ولا عجب فأن حدة الألام والمحن والمعاناة ربما تجعل كل الوطن يردد بحرقة الأغنية المشهورة "لحميده موسى" فنان مطروح وتوابعها: "ياللى فيك دموع بكى معاى التى إشتهرت فى ستينيات القرن العشرين. " الفرق بين مأساة الأقليم وهموم الوطن الأم: ان معاناة الأول قد حظيت بأذان صاغية عند طلبة علم النقد والبلاغة فى الجامعات الأمريكية، اما احزان الثانى فقد نالها الصمت المطبق عند غلاة الأنفصاليين "مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ"! والرد الشافى على دعاة الأنفصال فى ولاية "تكساس" ... وفى حواضر فرنسا ... والمغرب ... وبلجيكا ... هو ان حرية التعبير ... وحرية البحث عن المعلومات ... والحرية الأكاديمية ... والحفاظ على الهوية العرقية ... واحترام الخصوصية الثقافية نراها نحن دعاة الوحدة الوطنية حقوق اساسية يجب ان نكفلها لكافة اطياف الشعب الليبى (عربى ... امازيغى ... تباوى ... او تارقى) وان نقف بصلابة من اجل نصرتها ومناصرتها والدفاع عنها فى ليبيا الوطن. فنحن نرى فى الأفق بصيص من نور وبارقة من امل. نحن لا نريد ان يكون بيننا غافل يزيغ عقله بتأثير الشيطان عن جادة الصوب فينطبق عليه مقاطع من قول الشاعر احمد مطر فى قصيدته "ورثة ابليس":

وجوهكم أقنعة بالغة المرونة
طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة
صفق إبليس لها مندهشاً، وباعكم فنونه
وقال: إنى راحل ما عاد لى دور هنا ... دورى انا ... انتم ستلعبونه

هناك امل فى ان غلاة الأنفصاليين سيفيقون من غفلتهم، ويتوقفون عن ندب حظهم ورثاء انفسهم حتى لا يصبح ذلك عادة متأصلة فيهم وعائقاً معنوياً يجعلهم ينظرون للحياة بنظرة تشاؤمية. يقول العلامة على ابو الحسن الندوى: "ان الأنسان النائم لا يفيق او ينتبه إلا إذا ايقظته". يحضرنى هنا لقاء جمعنى فى كولا لمبور والتى تعنى بلغة اهل الملايو "نقطة إلتقاء النهرين او الأنهار" بشاب ماليزى من اصول صينية فقال: " نعم جذور اجدادى من الصين، لكننى افتخر بأنى ماليزى ... وماليزيا هى وطنى"! هناك تساؤل وتعقيب على ذلك: هل هناك عقول تفكر، وقلوب تعى معانى وقوة هكذا الكلمات؟ الأنسان الليبى يتعرض منذ عقود لمحن ونوازل، وهو يتململ من واقعه المزرى وينهض ولو ببطئ لكسر قيده ... ها انا اناديه من وراء البحار: لقد طال شوقى اليك وللوطن المفدى وموعد لقأنا اراه قريباً فى الأفق بأذن الله. قف ايها الشعب الأبى على قدميك، وضع قدمك اليمنى فى رأس جدير والأخرى فى إمساعد وانظر إلى جنوبنا واحتضن جميع ابنائك "فزازنة ... وغرابة ... وشراقة"، وضم بنيك واهلك من "امازيغ ... وتبو ... وعرب ... وطوارق" إلى صدرك العامر، وياليتك وانت على هذا الحال تقوم بالدوران 180 درجة وترى كيف يسوس الناس على ضفة شاطئ المتوسط المقابلة امورهم وكيف يعيشون سوياً رغم تباين عاداتهم، واختلاف السنتهم، وتنوع اعراقهم واجناسهم. إنها الحضارة ... إنها الحضارة ... إنها الحضارة. سلمت ايها الشعب الأبى وسلم الوطن، وجعل الله سبحانه وتعالى "ليبيا" بلداً امناً مطمئناً ورزق اهلها من الطيبات.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home