Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abou-Ahmed
الكاتب الليبي أبو أحمد

الأثنين 9 فبراير 2009

مسلسل بلا نهاية

أبو أحمد

هناك محطات يقف المرء عندها لألتقاط انفاسه واقتناء ما يحتاجه من زاد، وهى فرصة ملائمة يتأمل فيها ما حوله فيكتسب بذلك ثقافةً ومعرفةًً تساعدانه على توسيع مداركه، وتأصيل قناعاته، وتجذير مفاهيمه. والأنسان كما عهدناه فى تطور مستمر، وسعى دائم، وعطاء لا ينضب. وكغيرى من ابناء ليبيا الغيورين احرص كل صباح على متابعة اخبار الوطن من المصادرالمعلوماتية المختلفة علنى اقراء ما يسرنى او يتناهى الى اذنى سماع ما يطربنى. لكنها رحلة طويلة مضنية كبدتنا الكثير ولم يلوح فى الأفق بعد ملامح  محطتنا الأخيرة والتى نترقب الوصول اليها بشغفٍ كبير.  

المشهد السياسى الليبى فريد فى نوعه  (unique)لايضاهيه شئى، مشهد متميز لا يوجد له مثيل ولا يعرف له قرين. وبوصفٍ ادق مسلسل طويلة فصوله، كئيبة مشاهده، مملة تفاصيله، غريبة اطواره، اما الممثلون فأدوارهم هزلية تبكيك وقت الضحك وتجبرك على الضحك عندما تشعر برغبة فى داخلك للبكاء. وحالما تتذكر مقولة هيرودوت التاريخية الخالدة (من ليبيا يأتى الجديد) يزول عنك  الفزع، وينصرف عنك الهلع، وتنقشع الغمامة التى تحجب حقيقة ما خلفها. ولو قام هيرودوت بيننا اليوم لقال: من ليبيا يأتى البْطٍيطْْ(1)... ومن ليبيا يأتى لِهْبال لمْلعْلَعْ(2)... ولصرخ بلهجة مصرية "ايه ده؟... ايه ده؟... ايه الفضائح دى؟".  

تذكرت وانا اقراء خبر اعادة اعتقال السيد جمعه عتيقه على خلفية اغتيال دبلوماسيين ليبيين فى إيطاليا قبل ربع قرن من الزمان احداث ذلك الفيلم الهندى ذو الساعات الثلاث "نرجس من اجل ابنائى" الذى ابكت مشاهده الدرامية فى ستينيات القرن الماضى كثير من المشاهدين الذين تفاعلوا عاطفياً مع ماساة تلك الأسرة الهندية الفقيرة التى تعرضت للظلم والقسوة والمهانة على يد احد الأقطاعيين الهنود. ولكن قبيل نهاية الفيلم انفرجت اسارير اطفالنا وعادت الأبتسامة لشفاههم عندما رؤيتهم الطفل (بيجو) الذى تعرض وشقيقه للأذى وقد تضخم جسمه، وصلب عوده، وقويت شوكته، واصبح بمقدوره الأنتقام لنفسه والثأر لأسرته من ذلك الأقطاعى الشرس المستبد. يبدو ان الأسرة الحاكمة فى ليبيا مستمرة فى غيها وغباها رغم طول الأمد عليها، وهى تثبت فى كل يوم تمسكها بمنهج الجهل والتجهيل. فلابأس ان نستشف من حادثة اعادة الأعتقال المشار اليها بعض النقاط علنا نجد فيها تفسيراً يعيننا على فهم تصرفات اعجوبة الدنيا الثامنة فهو ظاهرة فريدة يستحيل تكرارها بجميع الأحتمالات والمقاييس. 

·      احادية القرار: بديهية لا تحتاج التأكيد تتم ممارستها منذ اليوم الأول للآنقلاب. فالفيلم الليبى مثير للجدل ويفوق فى طوله الأفلام الهندية. المخرج بارع يجيد التمثيل وتقمص الشخصيات ويظهر حرصه الدائم على لعب الأدوار القذرة. فهو لا يكترث مطلقاً برأى النقاد ولا يحب سماع نصح الأخرين، عرف عنه الغلظة والفظاظة وقد نُزِعَ من قلبه الرحمة واللين. يتفق المتابعون للشأن الليبى بأن معمر القذافى هو المسئول الأول عما حل بليبيا من دمار وخراب. وينبغى التأكيد هنا أن هذه مسئولية تضامنية لا تعفى من سار فى ركب المخرج/الممثل وشطح معه من تبعات المسألة القانونية والتاريخية والأخلاقية. ولا يخالج الحصيف ادنى شك أن القذافى هو كاتب جميع السيناريوهات الليبية (الطروح بالليبى) ومدبلج الأفلام  الذى لا يغيب عن علمه شاردة ولا واردة من شئون البلاد والعباد. اليس هو قائدهم والمرجعية الثورية التى تُنَظِر وتُرَشِد ودونها الخطوط الحمراء. إذاً وبكل ثقة يمكننا القول ان إعادة اعتقال السيد جمعه عتيقه قد تم بعلم كامل وبإيحاء مباشر من (شهر يار افريقيا) لأمر دفين فى نفسه، ولتصفية حسابات عالقة لم يتم جردها وقفل ملفاتها بعد.    

·        غفلة الحكيم: ربما تكون هناك اسباب جوهرية وخاصة قد دفعت السيد جمعة عتيقه لترك تنظيمات المعارضة الليبية التى تأسست ونشطت خارج ليبيا نتيجة الكبت السياسى الداخلى. وقد عرف عنه ميوله القومية، وكان احد قيادات المعارضة البارزين. لكنه وبصورة مفاجأة جمد نشاطه المعارض للقذافى واختار بمحض إرادته قرار العودة الى ليبيا فى اوائل التسعينيات بعد وعود اطلقها القذافى (لأستدراج معارضيه) للرجوع لأرض الوطن بزعم المشاركة فى البناء من الداخل. وقد وقع العائد للبناء فى الشَرَاك الذى نُصِبَ له ولأمثاله حيث اودِعَ السجن الذى مكَِثَ فيه بِضْعِ سنين بتهم جاهزة التعليب. المحير حقاً هو كيف تنطلى الحيلة على مثقف واعى، وقانونى متمرس، وسياسى محنك بحجم السيد عتيقه فيقوم بتصديق فقاقيع يطلقها شخص على شاكلة معمر القذافى. ويزداد الطين بللاً عندما يزعم هذا المثقف بوجود وثيقة خضراء لحقوق الأنسان فى ليبيا تقوم جمعية ليبية حقوقية يترأسها سيف القذافى بمتابعة تطبيق بنودها نصاً وروحاً. وقد ذكر السيد عتيقة ذات مرةً ان هذه الجمعية تقوم فعلياً بالدفاع عن حقوق الأنسان الليبى البائس الذى طُحِنَ ماضيه وحاضره ومستقبله. المستغرب هو قبول السيد جمعة عتيقة بأن يكون مديرأ لهذه الجمعية الوهمية والتى تم عن طريقها استغلاله للقيام بدعاية رخيصة "للباب العالى"، لربما اعتقد السيد عتيقه وهذا غالب الظن انه بأمكانه العمل من داخل السلطة لتحسين ملف حقوق الأنسان الليبى وهذه محاولة تسجل له، لكن الرد الثورى كان فورياً وواضحاً (Sorry Charlie). الأمر الذى غاب عن ذاكرة السيد الفاضل هو ان عجائب الجماهيرية القذافية لا تتوقف لمجرد القول بأننى نصحتهم مراراً بضرورة إغلاق صندوق العجائب. هناك مثل غربى يقول: العيبٌ عليك إذا خدعتنى مرةً ... والعيبٌٌ على إذا خدعتنى مرتين. للأسف قام النائب العام (الصورى) فى ليبيا بأيداع السيد عتيقة السجن على ذمة التحقيق على خلفية مقتل الدبلوماسيين الليبيين فى روما. وقد استند فى قراره على أدلة مفبركة تشبع نهم وسادية سيده. المحزن ان السيد عتيقه قد وقع فى الفخ مرةً اخرى بكتابة رسالة إستجداء للقذافى بدأها بأوصاف ونعوت لا يتحلى بها الموصوف ولا يحظى بها المنعوت، ووسطها بمدح وثناء وإطراء للسجان الحقيقى، وذيلها برجاء استرحام لمن يتلذذ بأذلاله وإذلال بنى وطنه والذى لا يعير الوثيقة الخضراء لحقوق الأنسان فى المجتمع الجماهيرى بالاً. هذه مأساة المثقف فى بلادنا يركض وراء فقاقيع الصابون، ويصدق نبوة مسيلمة، ويتناسى ان القذافى الكبير هو سبب مصائب وطننا. وهناك السلبى الذى يغفل عن إدراك  قدراته الخلاقة ويعجز عن إكتشاف إمكانياته الكامنة، فحال بعض مثقفينا يذكرك بلهيب النار الذى يأكل بعضه.

·        العصاة السحرية: خرج سيف القذافى على الملاء غضبان أسفا، واصفاً وقائع مسرحية إعادة اعتقال السيد جمعه عتيقه بالسخيفه. نحن الليبيون نوافقه على هذا التوصيف بل نحرص على توسيع دائرته ليشمل جميع الجرائم اللاإنسانية، والمخالفات اللاقانونية، والممارسات اللاشرعية التى تمت فى عهد والده. ونطالب بضرورة التعامل مع جميع القضايا على قدم المساوة فيصبح من الأنصاف إطلاق كلمة (مسرحية سخيفة) على الترجيديا الليبية التى لا تحترم عقل الأنسان وذكائه. إن الأرادة السياسية القذافية ضعيفة وغير قادرةً على تطوير نفسها، والمستفيد الوحيد من حالة اللاإستقرار المتواصلة هو رأس النظام الذى طوع كل شئى فى البلاد لمصلحته الذاتية، وهو تطويع انانى تبناه ومارسه منذ اليوم الأول لأنقلابه ليظل محتفظاً بكافة اوراق اللعبة بين يديه وممسكاً العصاة من وسطها. المرفوض هو الخروج المكرر لسيف القذافى وبيده عصاة كعصاة موسى مدعمة بأموال الشعب الليبى، حيث يقف مستخفاً بعقول البسطاء من الشعب محاولاً إقناعهم بقدرته الخارقة على أنجاز ما يعجز غيره عن إنجازه. هو السوبرمان الذى يقوم بتحرير الرهائن الغرباء من ايدى القراصنة فى بلاد الغير، بينما يدعى عجزه عن فهم ما يحدث داخل ليبيا من مسرحيات سخيفة. يموت السامع على نفسه من الضحك عندما يرى سيف القذافى يتظاهر بعدم علمه بالذى يجرى خلف كواليس والده وداخل دهاليزه. يدرك القاصى والدانى ان سيف القذافى واشقائه يسيطرون على ثروة ليبيا بالكامل، ويقومون بأنفسهم بإدارة شئون البلاد، ويشتركون جميعاً فى بيع الوطن بالجملة والقطاعى. إن سياسة (واحد يرفع ولاخر إيلَقِمْ) ولعبة (واحد يشد ولاخر يرخى) التى يلعبها القذافيان ... كبيرهما وصغيرهما ... لم تعد تخدع احد، فحبلهما رفيع سمكه والمثل الليبى يقول: "حبل الكذب قصير"، لكن يبدو ان الحبل الجماهيرى هندى الصناعة. هل يعجز القذافى الأبن ان يركب احدى سياراته الأيطالية الفارهة، ويذهب بها الى السجن الذى يعتقل فيه السيد عتيقه، ويقوم بأخراجه من هناك  ومن ثَمَ يصاحبه الى بيته ام الجماهيرية دولة القانون،  صدق الذى قال: ( اقتلنى يا سمن البقر).

·        المنظومة الزمبركية(3) والمقصود بها هنا هم كراديس المستفيدين من تُبَعْ اللجان الثورية والأجهزة الأمنية والذين يقومون بتنفيذ اجندة الأرهاب القذافية بطريقة عميانية، وبأسلوب همجى، وبعنجهية سادية. وهذه التركيبة الشاذة كان ينبغى التعامل معها منذ وقت مبكر عملاً بنص: "ولَكُمْ فى الحَيَاةِ قِصاص يا اولى الألباب". وهى منظومة مسلوبة الإرادة رغم الهيلمان الذى تحيط به نفسها وهى تتحرك بإيعاز من سيدها الأمِرِ الناهى. عصابة لا تمتلك إرادة القرار ... من اين لها ذلك وقد ولد هولاء الأتباع مسلوبى الإرادة؟؟؟!!! يظن الكثيرون ان هولاء المأجورين لهم القدرة على إتخاذ القرار وأنهم حريصون على مصالح الليبيين، لكن لسان حال الواقع يفند مزاعمهم ويثبت زيف كذبهم. هم قتلة يحاولون الأن التنصل من سوء صنيعهم، نراهم يخرجون على الملاء عراة إلا من ورقة التوت النتنة التى تغطى سوءاتهم. تراهم يولولون ويجاهرون بمجد لم يصنعوه، ويتورون من عارٍ قد إرتكبوه، ويتبرأون من إثم إقترفوه بأيديهم النجسة. هذا هو ديدن الجبناء والمهزومين، الم ترى بهيمهم وهو يتلون بلون حرباء صحراوية بائسة، وتقرأ لأخرين منهم تنكرهم لجرمِ مشهود. لقد تقياء بهيمهم بما تقياء به وتوعد بالعودة بعد اسبوع لأكمال ترهاته ... ولكن لم يفعل ذلك ... هل يدرى المتابع لماذا لم يعود هذا البهيم ليتم إفكه لأن الفرمان وحق النقض (veto) الذى تملكه صفيه فركاش زوجة قائدهم قد حال دون ذلك الى أن يعود كبيرهم الذى علمهم الدجل من رحلته الأفريقية. إنهم مناشف قذرة بالية حان وقت رميها والتخلص منها فى زبالة التاريخ فلا يخيف احداً بعد اليوم نعيقهم.   

لقد حان للفراشات التى تتهافت على نار الجماهيرية ان تراجع حساباتها فالفرحة بالحصول على الرقم الألى لها ما بعدها، ولهم فى مآل الدكتور جمعه عتيقه نذير، فصديقه الشخصى سيف القذافى فهل من مُدَكِر؟ فمهما عَظُمَ او صَغُرَ حجم الأذى الذى يصيب مواطناً ليبياً او غيره فأنه ظلم يمس الجميع ويصيب فى مقتل، فلترفع اكف الضراعة الى الله سبحانه وتعالى بأن يحفظ ليبيا وشعبها من النوائب، وان يفرج كرب المظلومين ويفك اسرهم. ولتكن هناك وقفة ترحم على شهداء الوطن الذين دفعوا ضريبة الشرف والكرامة ليعيش الأحياء من بعدهم فى امن ورخاء. ولتستمطر شأبيب الرحمة والغفران على روح المعارض الليبى الأول الأذاعى القدير ابوالقاسم بن دادو رحمه الله الذى رفض قرأة بيان الأنقلابيون الأول وذاق بسبب ذلك ما ذاق.(4) 

ابواحمد

الولايات المتحدة

_________________________________________

1. البْطِيطْ: لفظ ليبى شعبى يقال عند خروج الآمر عن المألوف، والعرف، والمنطق، والدين، والأخلاق.

2. لهبال لمْلَعْلَعْ: تقال عندما يفوق الجنون حدوده وتكون التصرفات فاضحة.

3. الزمبرك: جهاز صغير كان يزود به منبه الساعات قبل إختراع الساعات الألكترونية والكهربائية لينطلق بحسب التوقيت المراد، والوصف هنا يشير الى ان منافقى اللجان الثورية يتم تحريكهم بصورة لاإرادية.

4. ابوالقاسم بن دادو هو المذيع الذى رفض الأنصياع لأمر القذافى بقراءة بيان العسكر الأول وليس الأذاعى المهدى الجلى رحمهما الله كما ورد فى بعض المقالات المنشورة على الصفحات ألألكترونية.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home