Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abou-Ahmed
الكاتب الليبي أبو أحمد

Sunday, 8 June, 2008

الوطن وعاء الجميع

تأملات فى الأنتخابات التمهيدية الأمريكية

أبو أحمد

تابعت طوال الاشهر الماضية مع ملايين المشاهدين والقراء فى ارجاء عالمنا الفسيح وعبر شاشات التلفاز، والصفحات الألكترونية، والصحف والمجلات الورقية مسار ونتائج الانتخابات التمهيدية التى اجريت فى ولايات ايوا (Iowa) ونيوهامبشير (New Hampshire) وكارولينا الجنوبية (South Carolina) ، وتلك التى تمت فى الولايات التى شاركت فى مناشط الثلاثاء الكبير (Super Tuesday)، وظللت متابعاً لهذا التنافس الحضارى والذى كان على اشده حتى حط رحاله هذا الأسبوع وبعد رحلة طويلة إستمرت ست عشرة شهراً فى ولايتى دكوتا الجنوبية(South Dakota) ومونتانا (Montana). لقد بداء المارثون بستة عشر مرشحاً يمثلون الحزبين الديمقراطى والجمهورى، وسعى كل مرشح منهم وبطموح للظفر بترشيح الحزب الذى ينتمى اليه كى يتمكن من خوض انتخابات الرئاسة الامريكية فى اليوم الرابع من شهر نوفمبر القادم. يأمل كل مرشح أن يكون الشخص الأوفر حظاً والذى ينصب فى شهر يناير 2009 الرئيس الرابع والاربعون للولايات المتحدة. دورة الرئاسة مدتها اربعة سنوات قابلة للتجديد لفترة واحدة فقط. وبحسب الدستور يتم التجديد للرئيس لمدة اربعة سنوات اخرى إذا ما تم إعادة انتخابه فى إقتراع عام جديد.

تجرى الانتخابات التمهيدية فى جميع الولايات الأمريكية الخمسين فى تواريخ وازمنة محددة تتوافق مع نظم ولوائح وترتيبات تضعها كل ولاية. يحق لكل مواطن امريكى بلغ من العمر ثمانية عشر ربيعاًً وقام بالتسجيل لدى احدى لجان التسجيل الأنتخابية فى محل اقامته بالولايه التى يقطنها وفى مدة لاتقل عن شهر من تاريخ إجراء الانتخابات من التصويت لصالح مرشحه المفضل من الحزب الذى ينتمى إليه. فبينما تسمح القوانين فى بعض الولايات للناخبين المستقلين فقط الأدلاء بأصواتهم لصالح مرشح من احد الحزبين تجيز ولايات اخرى لعضوء الحزب وضع صوته لصالح من يشاء من المرشحين بغض النظر عن الأنتماء الحزبى. يعتبر التصويت حق مقدس لدى المواطن الأمريكى يحرص من خلاله على ممارسة حقه فى إختيار مرشحه المفضل، ويستخدم هذا الحق بوعى ... ومسئولية ... ووفق قناعات شخصية.

يحرص كل مرشح على كسب رضاء واستحسان الناس، ويسعى جاهداً لنيل ثقتهم والحصول على دعمهم للبرنامج الانتخابى الذى يطرحه فى حزمة من الوعود بالتغيير نحو الافضل، ومشفوعاً بسيرة ذاتية تعكس خلفيه المرشح العلمية والثقافية، وتبرز تاريخه السياسى والبرلمانى، وحجم مشاركته فى الاعمال التطوعية والخيرية، وشرح موسع لنشاطاته الاجتماعية والرياضية، وتاريخ وفترة خدمته العسكرية، وتعكس سمعته واخلاقه، وتقدم شرحاً وافياً عن حالته الصحية والنفسية والعقلية، كما يقدم المرشح إقراراً عن ذمته وذمة من يعولهم المالية وعن ممتلكاتهم جميعاً. وبذلك تصبح حياته الخاصة والعامة كتاباً مفتوحاً يطلع عليه الجميع وبدون إستثناء. وتلعب السلطة الرابعة بمهنية ومسئولية دوراً فاعلاً فى التحقيق والرصد والمتابعة. لعمرك أن فقه "الجرح والتعديل" الذى نصت عليه الشريعة الاسلامية السمحاء يطبق نصاً وروحاً وبدون مجاملة او محاباة او تقاعس او وجل او خوف.

إحتوت جعبة كل مرشح من المرشحين فى هذه الجولة الأنتخابية على قائمة من البرامج والاطروحات التى يتعهد المرشح بتطبيقها فى حاله إنتخابه رئيساً للبلاد. برامج تهدف لمعالجة القضايا التى تقلق بال المواطن الامريكى وتؤرق مضجعه. ولقد اشتملت هذه الدورة على سلة من التصورات والأفكار، وتضمنت خطط وبرامج يتم من خلالها تطوير الاقتصاد وتحريك عجلته، واخرى من اجل توسيع مظلة الضمان الاجتماعى وتوفير التأمين الصحى الشامل لكل مواطن، كذلك وضعت سينوريهات لكيفية التعامل مع الحربان الدائرة رحاهما حالياً فى العراق وافغانستان، كما تحدث المرشحون وبيينوا مواقفهم من قضايا الاجهاض، وزواج الشواذ، والاستنساخ، والهجرة غير الشرعية. قضايا متشابكة وشائكة تشغل بال المواطن الأمريكى، قضايا ساخنة تشابهت وتباينت فيها مواقف المرشحين.

سيقوم المؤتمر العام للحزب الديموقراطي في دنفر (Denver) بولاية کولورادو(Colorado) بتاريخ 25-28 اغسطس بأعلان السيناتور باراك اوباما (Barak Obama) ذو الأصول الأفريقية مرشحه الرسمى لأنتخابات الرئاسة الأمريكية وهذا حدث تاريخى كبير وغير مسبوق، بينما يختار مؤتمر الحزب الجمهورى العام فى منيابولس ( Minneapolis ) مينيسوتا ( Minnesota ) مرشحه الرسمى جون ماكين 04-01 (John McCain) سبتمبر وهو السيناتور الذى ظل اسير حرب فى فيتنام لمدة سبعة سنوات.

عبر متابعتى لمجريات واحداث هذه الأنتخابات الأولية دونت ملاحظات جديرة بالعرض على القارئى الكريم لتعم الفائدة ... ولينظر اليها كمساهمة متواضعة تساعد فى تشخيص الداء العضال الذى اصاب اوطاننا ... ولنعرف بها اسباب الخور الذى حل بنا، علنا نتوصل للوصفة التى تشفينا من اوجاعنا المزمنة:

• لقد اتفق المرشحون جميعاً على فهم أن السياسة ليست لعبة يتم بها التفريط فى مصالح الناس ... والتلاعب بمصائرهم ... ورهن مواردهم ومصادر رزقهم بيد الغير، بل هى حملة لمراجعة النفس ... ونقد الذات ... ومناقشة قضايا وطنهم بتجرد وموضوعية ... وفرصة سانحة لتقييم ماتم إنجازه ... ووقفة تدبر لدراسة الأخفاقات، وتحسس مواقع الخطاء وكشف اسبابه ... ويدركون أنها فرصة لوضع تصورات جديدة وحديثة لمشاريع مستقبلية ... وتبنى وسائل وبرامج لتحقيق الأهداف والغايات ... كما أنها اداة للتغيير والخلق والأبداع يتوقف عليها مصير الأمة ومستقبل اجيالها.

• رغم حدة الحوار والجدال السياسى بين المترشحين إلا أنه لم يقوم احداً منهم بقذف خصومه ونظرائه بتهمة الخيانة العظمى او رميهم بفرية العمالة للأستخبارات الأجنبية، او نعتهم بأنهم مرتشين وسراق ومختلسين (تلك البضاعة الكاسدة التى نسمعها من انظمة النخاسة العربية الأرهابية وبلا إستثناء، إفتراأت تتداولها وتطبل لها وسائل إعلامهم المريضة الهزيلة).

• تابعنا كيف إشتدت حدة الحملات الأنتخابية بين مرشحى الحزب الواحد ومع نظرائهم من مختلف الأحزاب، غير أنه وبمجرد إعلان النتائج تنقشع الغمامة، وينجلى ضباب حمى الأنتخابات، ويعود الناس بعدها للممارسة نشاطهم اليومى المعتاد. ويلاحظ المراقب ويسجل بأعجاب كيف يدفن رجال الدولة الحقيقيون والى الأبد مرارة الخسارة، وينسون حدة النقد اللاذع الذى وجه لهم من قِبل خصومهم السياسيين اثناء الحملات الأنتخابية، بل يعترفون علناً وبين انصارهم بالهزيمه، ويقرون امام الملاء بفوز الخصم، ويقوم الخاسر منهم بتهنئة الفائز وذكر محاسنه، كما يعلنون إستعدادهم لوضع مصلحة الوطن فوق كل إعتبار وقبل مصالحهم الشخصية ومشاعرهم الذاتية. وتجدهم اكثر حرصاً على وحدة الصف والعمل على التقرب من الفرقاء السياسيين (فهل حان الوقت لسفهاء صفحات الأنترنيت ومواقع البال تولك من بنى جلدتنا أن يخرسون والى الأبد؟؟؟).

• يقوم المرشح الفائز بمد يده للخصوم السياسيين السابقين، ويعلن عن نيته وإستعداده للتقرب منهم وإن كانوا اعضاء فى الحزب الأخر، كما يقوم بأبراز نقاط التقارب التى تجمع بينهم. إنهم يتفقون على وجود مشاكل كبرى ومزمنة، لكنهم يختلفون فى كيفية حلها. بحق، إنهم رجال دولة يمارسون دورهم السياسى بمسؤلية وعقلانية ويدركون اهمية الجهد الذى يقومون به على المستويين الوطنى والدولى (ياحسرة على ادعياء الحرية ... والوطنية ... والعدالة ... والتسامح ... والتدين ... والليبرالية ... والديمقراطية من الذين يقولون مالا يفعلون).

• تعتبر الأجهزة التنفيذية، والتشريعية، والقضائية فى بلد مثل امريكا ضمانات اكيدة للأستقرار السياسى، كما أنها ركائز ودعامات قوية لكيان الدولة، وصمامات امان تجعل المواطن يشعر بالأمن والأرتياح، وهى قادرة بتركيبتها المتميزة وبتجانس إسلوب عملها على الحركة ... والتفاعل ... والتكيف لحسم كل طارئى. فيصبح القانون هو السلطان الحاسم فلا يضطر المواطن مع وجوده لأستخدام العنف مع الأخرين. وهذا خلاف لما يحدث فى اقطار اخرى من العالم حيث يغيب العقل ويسيطر قانون الغاب اللذان يدفعان الناس للعنف والقتل فتصبح بلادهم موطناً للأشباح يدفع الأبرياء فيها فاتورة غباء قادتهم (كينيا، موزمبيق، مينمار والجزائر نماذج يمكن مقارنتها بأزمة إنتخابات الرئاسة الأمريكية التى اجريت عام 2000).

• يتشدد المرشحون للرئاسة الأمريكية عادة فى مواقفهم السياسية اثناء الحملات الأنتخابية التمهيدية فى محاولة للتقرب من الجمهور، ولأرضاء السواد الأعظم من قواعد وكوادر الحزب الذى ينتمون اليه، كما يجتهدون بنشاط اثناء فترة الأنتخابات العامة ويقومون بتليين مواقفهم لكسب تجاوب الناس مع البرامج الأنتخابية المعدلة التى تحتمها وتسمح بها العملية السياسية. لربما يظن احد أن حدة الحملات الأنتخابية والتراشق الكلامى بين المرشحين قد يؤثران سلباً على نفسية ... واداء ... وعلاقات ... من كسب ومن خسر هذه الأنتخابات. على العكس فقد ثبت بالتجربة لا القول أن هولاء الساسة قد تدربوا ومنذ نعومة اظافرهم على فهم معنى الخلاف السياسى، وقبول الرأى الأخر، كما برهنت الأحداث على أن الشعب يتجاوب معهم ... ويقف ورائهم داعماً بلا حدود ... ومناصراً بلا تحفظ فى اوقات الشدة والمحن ... اليس الوطن هو الوعاء الذى يجمعهم!!!

كثيراً ما يغمرنى الحزن وانا اقراء ... واستمع ... لبعض مثقفينا وهم يصبون جم غضبهم على العهد الملكى الذى رحل منذ اربعة عقود، ويشتمون بلا تحفظ الرجل الصالح ادريس السنوسى رحمه الله تعالى والذى التحق بالرفيق الأعلى منذ قرابة ربع قرن من الزمان. المحير فى الأمر ان هولاء القوم لم يعاصروا ذلك العهد، وكل ما يستندون عليه هى حجج وروايات مبتورة "شاهد ماشفش حاجة". الغريب انك تجدهولاء يتلعثمون فى الكلام ... ويلوون اعناق الجمل عندما يكون الحديث على من عاث فى ارضنا فسادا. سئل جحا قديماً ماالذى علمك الكذب؟؟؟ فأجاب: "اللى نسمعها إنقولها!!!".

هذا قبس من نور، وومضات مضيئة، واسلوب حضارى لعلنا نتعلم منه الطريقة المثلى لأسلوب التعامل فيما بيننا. إن عدم قدرتنا على التأثير فى واقعنا وعجزنا عن تغيير المعادلة لصالحنا يعود لتحديات كبيرة تواجهنا منها: عدم ثقة كلاً منا فى الأخر ... والشك فى قياداتنا ... والريبة ممن يفترض أنه فى خندقنا. إذاً لابد من المصارحة عبر حوارات حضارية وعلى كل المستويات والأصعدة ... حوارات نحتاج فيها للصراحة والشفافية والنقاش الموضوعى الهادف ... والأبتعاد عن اسلوب المزايدات الرخيصة، وتصيد الأخطاء والترصد لتسجيل الهفوات. إن الوقوف على ارضية صلبة ننطلق منها نحو تحقيق اهدافنا السامية يتطلب وجود الأحترام بيننا، والتحلى باللياقة والكياسة فى حالة الأختلاف. فلا نغفل عن حقيقة أننا ابناء عقيدة سامية امتدح الله سبحانه وتعالى نبيها صلى الله عليه وسلم بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم).

أبوأحمد
الولايات المتحدة
Thewiseone67@gmail.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home