Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Abou-Tharr Al-Libi
الكاتب الليبي أبوذرّ الليبي

Friday, 31 March, 2006

         

نظرية التطور بين العـلم والدين (4)

أبوذر الليبي

موقف الأديان السماوية

تقول وجهة النظر الدينية (اليهودية والمسيحية والإسلامية) السائدة حاليا أن المخلوقات خلقت كما هي عليه اليوم تماما ، وأنها لم تتطور من بعضها، والإنسان من بين تلك المخلوقات لم يتطور وقد خلق على صورته التي هو عليها اليوم؛ هذا بالإضافة الى الربط المباشر بين الكفر والإلحاد وبين الإعتقاد بعكس ذلك، بل وتزخر كتابات المتحمسين ضد هذه النظرية من المسلمين بشتى الإتهامات والإشتباهات للقائلين بها ليس أقلها خطرا مؤامرات الصهيونية والماسونية ...الخ.
وإذا تجاوزنا كل ذلك الكم الهائل من المعلومات عن الحامض النووي وكيمياء الخلية الحية وتداخل فصائل الكائنات الحية والأحافيرالحية والأحافيرالمتحجرة وأقتصرنا في حوارنا على منهج الجدل والمنطق فإن أول شي يجب أن نفعله هو الإتفاق على مفاهيم المصطلحات التي سنستعملها لاحقا حتى لا تتحول الحالة الى حوار طرشان، كل يغني على ليلاه.
وفي تصوري أن القائلين بالخلق- الغيرتطوري (الخلقيين ـ Creationists) هم مستعدون لإعتماد كل قوانين الجدل والمنطق طالما كانت في خدمة إعتقادهم ، ثم هم ينعتون من يستعمل نفس المنطق ولكن مدعوما بدلائل وبراهين علمية ملموسة بكل تهم الإلحاد والكفر بمجرد أن تمس نقطتيهم الحساستين ، الخلق الأول وخلق آدم.
إننا نجد الكثير من الذين حاولوا التوفيق بين فكرتي الخلق و التطورمن أبناء الديانتين اليهودية والمسيحية بالرغم من وجود نصوص صريحة في التوراة(1) تقول بأن الله خلق الكائنات على أجناسها، ومع ذلك فلم يكن لتلك المحاولات كبير أثر في تهدئة الخلاف الناشب ، وذلك بسبب أن الموقف بين العلم والدين المسيحي قد تحدد وضعه منذ سنين النهضة الصناعية بعيد حقبة القرون الوسطى. وأمام المادة العلمية المتجددة كل يوم من أبحاث وإكتشافات سواء في علوم الحياة أو المستحثات أوعلم طبقات الأرض (الجيولوجيا) التي جعلت من نظرية التطور تقترب كل يوم من كونها حقيقة علمية وجدت الكنيسة نفسها مضطرة الى التصريح بأن التطور لا يتناقض مع ما ورد في سفرالتكوين من العهد القديم ، وكان آخرها تصريح أوردته شبكة أخبار فريماركت(2) بتاريخ 08 نوفمبر2005 نقلا عن شبكة الأخبار الأسترالية عن الكاردينال بول باوبارد رئيس المكتب البابوي للشئون الثقافية يقول فيه أن وصف سفر التكوين لكيفية خلق الله للعالم ونظرية داروين للتطور متطابقان تماما إذا تمت قراءة الكتاب المقدس بشكل صحيح ، كما نقل عنه قوله في مؤتمر صحفي عقد بالفاتيكان (إن المتشددين يريدون إعطاء معان علمية لكلمات ذات غرض غير علمي... إن الرسالة المقصودة في سفر التكوين هو أن العالم لم يوجد من تلقاءه بل بفعل خالق) تأتي هذه التصريحات بالتزامن مع الجدل الكبير الذي يدور في الولايات المتحدة اليوم بخصوص نظرية الخلق الذكي بمقابل نظرية التطور.
بهذا نختصر الحديث عن الموقف المتراجع للكنيسة عن التمسك برفض الإعتراف بنظرية التطور، وبسهولة نستطيع معرفة السبب الذي يرجع في تصوري لكثرة الأدلة والبراهين المنشورة باللغات الأوروبية. ولا يبتعد موقف الديانة اليهودية كثيرا عن موقف الكنيسة بإعتبارهم يتحدثون عن نفس النص الديني(3) مع وجود ذلك الكم الهائل من البراهين العلمية التي تتوفر بشكل مضطرد كل يوم، وخصوصا على أيدي العلماء اليهود في إسرائيل ، الدولة التي تعتبر اليوم من أكثر الدول في العالم تقدما في مجال أبحاث علوم الحياة والكيمياء الجزيئية وليس أدل على ذلك من حيازتهم نصيب الأسد من جوائز نوبل كل عام(4).

موقف المسلمين :

نأتي أخيرا الى موقف المسلمين من هذه النظرية ، حيث أن الموقف بصفة عامة لايزال يرفض وبشدة الإعتراف بوجود تطور في الكائنات الحية ، ويتم هذا بمباركة بعض المحسوبين على الفئة المتعلمة وإذكر في هذا خريج كلية الفنون الجميلة عدنان أوكطار المسمى هارون يحي وغيره كثر ممن سخروا إمكانياتهم بحسن نية طبعا لدحض هذه النظرية ، وإن كانوا قد نجحوا نسبيا في فترة مبكرة من مقاومة دخول مثل هذه النظريات الى عالمنا العربي والإسلامي ، لكننا اليوم (وأنا أتحدث هنا كمسلم أتيح له الإطلاع على الجانب العلمي الذي يؤكد صحة نظرية التطور) في الواقع مطالبون بإعادة قراءة نصوصنا الدينية في ظل التنامي المستمر لدعم هذه النظرية من قبل الوسط العلمي المتخصص.
إن المتتبع لكل الحوارات ذات الطابع المنتقد أو تلك التي تناقش مواضيع ذات طابع ديني يلاحظ وجود تباشير صحوة في إعادة قراءة النص الديني وتقييم مدى ملائمة النص الديني لكثير من المتغيرات كما يسميها بعض الأخوة (البعد الزماني والبعد المكاني)، وإن كنت لاأحبذ اللجوء الى اللغة المتخصصة والمصطلحات الفضفاضة والتي هي في تقديري ليست الا محاولة للهرب من السباب والشتائم والتلويح بالأسلحة البيضاء والسوداء ، ولذلك سوف أتخذ أسلوبا مباشرا فيه من التحديد ما لن يروق للكثير من القراء الذين لايزالون يصرون على قراءة أحداث القرن الواحد والعشرين بعقول القرن السابع للميلاد.
إن النص الديني الذي تحدثت عنه بالنسبة للمسلمين يتحدد في فرعين: كتاب القرآن الكريم ، والنص المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم والذي نسميه الحديث؛ وإن كنت لا أريد الدخول في منزلق مسألة قدسية النص ومدى صدقيته وكيف تمت كتابته وأسلوب تجميعه وزمن تجميعه وهوية من قام بالتجميع وما إلى ذلك ، إلا أنه ومن الواضح جدا ، ومن السهولة بمكان إثبات أن كثيرا من النصوص الواردة في كثير من كتب الحديث لا ترتقي في درجة إحكامها وملاءمتها للعصر أو في منطقيتها مع مانشاهده في نصوص القرآن. ومع ذلك فهي لم تحتوي على كثير مما له علاقة بموضوعنا إلا أنني أوردتها هنا لتوضيح سبب قصري عند الحديث عن النص الديني على القرآن الكريم. وإن كان لا يخفى أن الموقف المتشدد الذي يقفه المسلمون من نظرية التطور يعود سببه الى كونها إرتبطت في بداية ظهورها بالإلحاد وإنكار وجود خالق ، الذي يعود بدوره الى الموقف الرافض للفكر الديني المسيحي من قبل الوسط العلمي الذي بدأ يظهرفي أوروبا بقوة منذ نهايات القرن الثامن عشر، وكانت نظرية التطور فرصة كبيرة للطعن في نصوص التوراة من قبل علماء القرن والتاسع عشر، وقد ورث المسلمون هذا الموقف كما ورثوا الكثير من المواقف ضد الحركات والمذاهب الفكرية المضادة للدين المسيحي أذكر من بينها موقفهم من الشيوعية التي أعلنت رفضها لسيطرة الدين مجسدا في المؤسسة الدينية المسيحية (البابوية) التي أذاقت العالم الأوروبي قرونا طويلة من التعصب للجهل ومحاربة التطور العلمي ومحاكم التفتيش ومحارق الهرطقة ، وقد سميت تلك الحقبة فيما بعد بالقرون المظلمة ، في حين أن الإسلام عرف عنه طيلة تلك القرون تشجيع البحث العلمي والترجمة إنتشار المدارس والمكاتب العلمية في جميع أنحاء المناطق الخاضعة للنفوذ الإسلامي ذلك الوقت. أما في أيام أفول الحضارة العربية الإسلامية فقد إنقلب الموقف وقد طورد الكثير من العلماء وأحرقت كتبهم وأصدرت الفتاوي في تكفيرهم وإهدار دمهم وأذكر منهم الفيلسوف الكبير إبن رشد الذي كانت كتبه ومؤلفاته أساسا لنشوء المدرسة الرشدية اللاتينية. وقد دخلت المنطقة العربية الإسلامية بعد ذلك حقبة مظلمة إنتهت بإستفاقة العرب على عواصمهم تحكم بأيدي مماليكهم في مصروجحافل المغول تدك قصور الخلافة في بغداد ناهيك عن موجات الحروب الصليبية التي قادتها الكنيسة على إمتداد المنطقة العربية، الى أن كانت النهاية المأساوية بزحف العلوج الأتراك المجهولي الأصل تحت شعار الإسلام وإعلانهم الخلافة بكل بجاحة وإلتهامهم للبلدان العربية الواحدة تحت الأخرى وبذلك أطبقوا بقوة السيف ورهبة الخازوق على المنطقة العربية فترة لم تعرف أسوأ ولا أقبح منها.
نعود لموقف المؤسسات الدينية الإسلامية من نظرية التطور، والتي لاتزال حتى اليوم تعتبرها كفرا وإلحادا، ومؤامرة صهيونية أو ماسونية. وأنها تتعارض مع عقيدة المسلمين في الخلق والخالق.

مفهوم الخلق في القرآن

إن أول شيء كما قلنا سابقا يجب الإتفاق على مفهومه هو كلمة الخلق، ماذا تعني تحديدا؟ وقد يسهل الرجوع الى أي قاموس للغة العربية لمعرفة معناه لغويا ، لكن مانعنيه هنا هو تحديد المفهوم الذي يعنيه القرآن بالضبط ، وهل يمكن أن ينطبق الإعتقاد السائد عن خلق الكئنات الحية وخلق آدم مع المعنى الذي نجده في القرآن... لنقرأ الآيات التالية:
بسم الله الرحمن الرحيم:
خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (العلق2).
فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (الطارق5،6)
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً (الأنعام2).
خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (النحل 4).
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (الروم 20).
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (المؤمنون 12-13)
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (الحجر26)

نرى هنا بوضوح أن مفهوم الخلق هنا يتعدد وفقا للغرض الذي تريده الآية، ولا نريد هنا ماقد يتبادر الى ذهن المتشككين ، ولكن مانريده هو أن نبين أن الخلق من علق أو الطين أوالحمأ المسنون أو التراب أوالماء أوالنطفة يشير الى مرونة هذه الكلمة وحملها عدة أوجه ، كما أنها لاتعني بالضرورة البداية وقد تطلق على تحويل الشيء من صورة إلى أخرى أو صنع شي جديد من شي قبله كما يقول عيسى لقومه (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر ـ آل عمرانِ 49) بمعنى يشكل من الطين ، ونرى ذلك بمعنى أكثر دقة ووضوحا في الآية القائلة:
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (المِؤمنون 14)
ما يعني أن الخلق قد يكون تطورا من مرحلة الى أخرى وإن كانت هنا محددة في مراحل الجنين ولكنها توضح مفهوم الخلق في القرآن.
كما أن الخلق في القرآن لا يعني بالضرورة التوالي ، كما في قوله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا (غافر67) ، لأنه من المعروف لدينا أن الإنسان قبل أن يكون نطفة كان خلية وحيدة تأتي من طبقة معينة من الخلايا في نسيج الخصية و نسيج مبيض الأم أي أنه لم يأتي مباشرة من تراب ، ومع ذلك فقد ذكرت الآية أن النطفة خلقت من تراب.
وهذه آية أخرى تذكر صراحة ان الخلق لم يكن مباشرة من التراب أو الطين الى الصورة المعروفة بل إنه قد مر بمراحلة وسيطة:
- وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (المؤمنون 12 ).
الخلاصة أن الخلق في القرآن لا يعني التحول المباشر السريع كما يفهم من الرواية الدينية السائدة، وأن المرور بمراحل هو مذكور صراحة ودون أدنى شك.
ولكن ما شأن الحياة الأولى، وما علاقة الماء بكل أشكال الحياة وأسئلة أخرى نتركها للمرة القادمة... أستودعكم الله.

أبو ذر الليبي
________________________________________________

(1) سفر التكوين الاصحاح الأول والثاني.
(2) http://www.freemarketnews.com/WorldNews.asp?nid=1866
(3) للتوضيح فإن العهد القديم يقصد به التوراة، حيث أن النصارى يؤمنون بما جاء به موسى ويتخذون التوراة جزاءا من كتابهم المقدس يسمونه العهد القديم ويسمون إلإنجيل (العهد الحديث)، وليس كما جاء في مقالات بعض الأخوة الذين إعتبروا أن تسمية العهد القديم والحديث دليلا على الخلط والتحريف.
(4) جوائز نوبل لليهود نذكر منهم على سبيل المثال لاالحصر WALTER KOHN جائزة نوبل في الكيمياء 1998، وإشترك الثلاثة AARON CIECHANOVER , AVRAM HERSHKO , IRWIN ROSE في جائزة نوبل في مجال الكيمياء للعام 2004 , ، David J. Gross .جائزة نوبل للفيزياء لسنة 2004 والقائمة تطول في غيرها من المجالات. ملاحظة: يمكن الضغط على أسماء العلماء للإطلاع على المزيد من المعلومات.


         

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home